الفصل الرابع عشر: سنوات الصيد.. ووضع التفكير الزائد
مرت الأعوام سريعة كلمح البصر، تحول فيها زاك من مجرد مبتدئ غامض في منظمة الكليرون إلى كابوس صامت يخشاه المجرمون. على مدار تلك السنوات، خاض زاك مئات المهام، لم يكن يهدف منها لجمع المال فحسب، بل كان يتعامل مع كل معركة كأداة لصقل روحه العضوية الناقصة، وترميم وعيه وجسده.
من بين تلك التجارب الطويلة، برزت مهمتان شكلتا نقطة تحول مرعبة في أسلوب قتاله وقدراته الكونية.
المهمة الأولى: لحن الحنجرة الممزقة
في وسط غابة كثيفة ومظلمة، كان زاك يسير ببرود برفقة قافلة تجارية تجرها الخيول. كانت هذه القافلة مجرد تغطية ذكية اعتاد مرتزقة الكليرون استخدامها للتحرك دون إثارة ريبة الأهداف.
اقترب تاجر سمين، وهو أحد الوكلاء المعينين من قبل المنظمة لتوجيه المرتزقة، وهمس بنبرة متوترة: "سيد زاك.. الهدف يقع في النطاق الأمامي، نحن قريبون جداً".
أومأ زاك برأسه دون كلمة، وانطلق متسللاً عبر الأشجار بعد أن خفض حضوره وطاقة الكين الخاصة به إلى الحد الأقصى.
هدف هذه المهمة كان فتاة مرعبة، مستخدمة كين تتبع مساراً فريداً ونادراً يدمج بين [موجات الصوت] و [تحكم السوط] . كانت تقاتل بسوط مخصص محمل بأجراس برونزية صغيرة تصدر ترددات تشل الأعصاب. أما جريمتها التي استدعت هدر دمها من الكليرون، فهي أنها قامت بإبادة عدة قرى كاملة عن بكرة أبيها، بلا أي سبب أو دافع سياسي، فقط لتجرب ألحان أغنيتها الجديدة وتأثيرها على البشر!
تتبع زاك الأثر حتى وصل إلى كوخ خشبي يبدو أنه بُني حديثاً وسط الأحراش. لم يستشعر زاك أي حضور حيوي داخل الكوخ، فقرر النزول والتجول بحذر لاستكشاف المكان.
وفجأة، صرخت غريزته المحسنة محذرة من خطر داهم!
قفز زاك من مكانه غريزياً إلى الخلف في نفس الجزء من الثانية الذي هبطت فيه ضربة سوط ثقيلة حطمت الأرضية الخشبية حيث كان يقف. تلا الاصطدام رنين حاد للأجراس المعلقة بالسوط، وبمجرد أن وصل الصوت إلى مسامع زاك، شعر بصداع حاد يكاد يفجر رأسه وضغط يشوش حواسه.
نظر زاك إلى المهاجم، فوجد فتاة ذات مظهر عادي للغاية، لا توحي ملامحها البسيطة بكل تلك الدموية.
ابتسمت الفتاة بجنون وقالت: "آه.. ضيف جديد! لا بد أنك جئت إلى هنا لتستمع إلى غنائي ولحني الأخير". وبلا رحمة، بدأت تلوح بسوطها في الهواء، لتطلق موجات صوتية مرئية ومشوهة للمكان.
لكن زاك كان قد توقع هذا السيناريو تماماً، وقام بإجراء مضاد أعده مسبقاً. أطلق زاك من فمه "أصوات صفير" متقطعة بترددات غريبة؛ كان قد تدرب على هذا الصفير المعاكس خصيصاً لإبطال موجات أجراس الفتاة، بناءً على معلومات سرية اشتراها سابقاً من كيني المتخصص في الاستخبارات.
عندما تلاشت موجاتها الصوتية وتكسرت في الهواء بفعل الصفير، تراجعت الفتاة خطوة وتملّكها الغضب: "هاي! تباً لك.. هذا العرض لي أنا وحدي! كيف تجرؤ على تشويه لحني؟".
اندفع زاك نحوها كالسهم، وتبادلا ضربات خاطفة ومتلاحقة. وبفضل مساره المكتمل، كان بإمكانه استخدام مهارة "طي المسافة" لتقليص الفراغ وقطع رأسها في لمح البصر، لكن فكرة مفاجئة خطرت في عقله العملي. تراجع زاك خطوة للخلف، بدلاً من التقدم، ليجعل المسافة تتسع بينه وبينها.
في تلك اللحظة الحرجة، قام زاك بضخ طاقة الكين لـ [تحسين وعيه، وعقله، وحواسه] إلى أقصى حد متاح لجسده العضوي.
انفجر عقله بالطاقة، ليدخل لأول مرة في وضع أطلق عليه اسم [وضع التفكير الزائد - Overthinking Mode].
في هذا الوضع، تباطأ كل شيء من حوله؛ صار بإمكان زاك إدراك جزيئات الكين في الهواء، ورؤية تفاصيل الحركة بدقة متناهية كأن الزمن قد توقف تماماً. نظر إلى السوط المندفع نحوه، وحلل ميكانيكية حركته والترددات الصوتية المنبعثة منه في أجزاء من الألف من الثانية.
قام زاك بتنشيط "نمط السوط" لسيفه المستقيم. تحرك نصله بمرونة فائقة ليقفل ويلتف حول سوط الفتاة بدقة هندسية، مجرداً إياها من سلاحها وحمايتها في لحظة واحدة. وقبل أن تستوعب ما حدث أو تصدر أي رد فعل، ظهر زاك أمامها كالشبح.
بضربة سكين دقيقة وبمهارة جراحية باردة، شق حنجرتها وانتزع حبالها الصوتية تماماً ليحرمها من رعب صوتها للأبد، ثم بضربة قوية من مقبض سيفه على رأسها، أفقدها الوعي ليحملها حية وينهي مهمته بنجاح.
المهمة الثانية: نسج العنكبوت الذكي
في وقت لاحق من تلك السنوات، وقف زاك عند فوهة كهف مظلم تفوح منه رائحة الرطوبة والدماء. كانت التقارير الصادرة من الكليرون تشير إلى وجود وحش كين ذكي (Kin Beast) من نوع العناكب يتخذ من هذا المكان عريناً له. وحوش الكين الذكية هي كائنات يرتقي وعيها لتملك ذكاءً وإرادة تساوي أو تفوق البشر، لكن قوانين الطبيعة تجعل أجسادها أضعف نسبياً مقارنة بالوحوش الغريزية الضخمة.
بدأ زاك يمشي ببطء داخل الكهف المظلم مستكشفاً الممرات الحجرية. رفع رأسه فجأة لينظر إلى السقف، فتجلت أمامه لوحة مرعبة: عشرات الجثث لمرتزقة وبشر مغلفة بخيوط بيضاء سميكة معلقة كالمخازن. وفي نفس اللحظة، هبط كائن ضخم ذو ثماني أرجل وعيون حمراء متعددة ليشخص أمامه مباشرة؛ إنه الوحش الهدف.
اندفع زاك للهجوم فوراً، لكنه تفاجأ بشبكة معقدة من الخيوط الشفافة تحيط به من كل جانب. لم تكن خيوطاً عادية، بل كانت مغزولة من الكين النقي والمكثف الذي يقطع اللحم بمجرد اللمس.
بلا تردد، قام زاك بتشغيل [وضع التفكير الزائد].
تباطأ الزمن مجدداً. رأى زاك بعينيه المحسنتين كيف يقوم العنكبوت بضخ الكين من غدده لإنتاج تلك الخيوط وتوجيهها في الفراغ. وبفضل عقله الذي يعمل كآلة تحليلية، بدأ زاك يتعلم التقنية فوراً ويستوعب أسلوب نسج الطاقة وتوجيه المسارات الفراغية.
تراجع العنكبوت خطوة، وأصدر صوتاً فحيحاً يشبه الكلمات البشرية بفضل ذكائه العالي: "إرادة بشرية أخرى تأتي لحتفها.. أنت سريع، لكن خيوطي تنسج الفراغ، ومصيرك أن تكون معلقاً كسابقيك."
نظر زاك إليه بعينين فارغتين وخاليتين من أي مشاعر، وأجاب ببرود ميكانيكي: "خيوطك ليست فريدة. إنها مجرد مسارات طاقة ممزوجة بالتحكم الفراغي.. لقد فككت شفرتها بالفعل."
انذهل الوحش من هدوء زاك، وقبل أن يتحرك، قام زاك بدمج التقنيتين اللتين استوعبهما: [أسلوب سوط الفتاة الصوتية] و [ميكانيكية نسج الخيوط الفراغية للوحش] .
لوح زاك استخدم زاك الخيوط الجديدة لتحريك سيف. هذه المرة، لم يكن النصل يتحرك في اتجاهات عشوائية، بل نسج مساراً فضائياً متعرجاً بفضل مهارات مساره الرئيسي، متفادياً كل خيوط الكين بدقة متناهية. اخترق السيف الفراغات المحصورة، واستقر نصله الحاد مباشرة في منتصف رأس العنكبوت الذكي.
اتسعت عيون الوحش الحمراء بصدمة، وتمتم بأنفاسه الأخيرة: "كيف.. كيف لمستخدم كين عادي أن ينسج.. مساراً كهذا..؟"
لم يجبه زاك؛ بل سحب سيفه ببرود ليقضي عليه تماماً، ويسقط الوحش جثة هامدة وسط خيوطه.
جمع زاك أجزاء الوحش الثمينة المطلوبة، واستدار مغادراً الكهف بوجه جامد، مستعداً لتسليم مهمته والارتقاء برتبته إلى مستويات أعلى داخل المنظمة