الفصل الأول: موت سخيف وبداية غريبة

​لنعد بالزمن قليلاً إلى البداية. كان زاك شاباً عادياً تماماً، من ذلك النوع الذي لو صُنع فيلم سينمائي عن قصة حياته، لتم تعديله وحذف أغلب مشاهده من شدة الملل.

​وفي يوم عادي كأي يوم آخر، كان زاك يسير بمحاذاة بناية سكنية شاهقة. وفجأة، انتهت حياته! لم تمت صدمته سيارة، ولم تسحقه شاحنة مسرعة، بل لقى حتفه بسبب مزهرية فخارية سقطت من إحدى الشرفات مباشرة فوق رأسه.

​نعود الآن إلى الحاضر.

​فتح زاك عينيه ليجد نفسه وسط هذه الصحراء الموحشة، متحولاً إلى هيئة أثيرية طافية، وظل على هذا الحال يحلق بلا هدى لساعات طويلة.

تأفف قائلاً بضيق: "هذا مقرف.. أين أنا بالضبط؟ وهل تحولت إلى شبح؟"

​أثناء طوافه، شعر فجأة بشيء غريب تحت رمال الصحراء، قوة غامضة تجذبه نحو الأعماق بشدة.

تمتم بتساؤل: "ما هذا؟"

​استسلم للجاذبية واخترق السطح الأثيري للأرض، ليندفع هابطاً إلى الأسفل.

​المختبر المحرم

​استقر زاك في الأسفل ليجد نفسه داخل مكان هائل، يبدو كأنه مختبر متطور يدمج بشكل عجيب بين السحر الأسود والتكنولوجيا المتقدمة. أخذ زاك يتفحص المكان بفضول، فوقعت عيناه على حاويات زجاجية تضم جثثاً لكائنات غريبة ومخيفة، كأنها هجين مرعب يجمع بين التماسيح والذئاب.

​"ماذا تفعل هنا يا بني؟"

​جاءه صوت عجوز متحجر من خلفه، كأنه صادر من جوف صخرة قديمة.

استدار زاك بسرعة ليرى قزماً عجوزاً لا يتعدى طوله المتر والنصف، تنحدر منه لحية بيضاء كثيفة تصل إلى قدميه.

​سأله زاك بدهشة: "من أنت يا جدي؟"

​أجابه العجوز وهو يمسح لحيته ببطء، قبل أن تلتفت عيناه بحدة نحو جسد زاك الأثيري: "أنا من يجب أن يسألك يا بني، ماذا تفـ...؟"

​توقف العجوز فجأة عن الكلام، واتسعت عيناه بذهول وتابع: "أنت منهم! هذا أمر نادر حقاً!"

​منهم؟! ماذا يقصد بـهم؟ فكر زاك في نفسه مستغرباً.

​سأل زاك: "ماذا تقصد بـ 'هم' يا جدي؟"

​أطلق العجوز تنهيدة عميقة وقال: "أنت إرادة تائهة. هذا نوع من الظواهر النادرة التي تحدث عندما تخترق إرادة معينة حواجز الأبعاد."

​بينما كان زاك يحاول استيعاب الكلمات، استوقفه تعبير العجوز فقال: "قلت الإرادة.. ولم تقل الروح؟"

​نفخ العجوز بملل واضح، كمن شرح هذا الموقف آلاف المرات من قبل، وقال: "الروح لا تخرج من عالمها الأصلي يا بني. الروح هي الأساس، الغشاء الذي يحمي الوعي. وقبل أن تسأل، الوعي هو كل شيء يشكل الشخص ما عدا جسده، وجزء من شخصيته التي تأتي من روحه بحسب عِرقه؛ سواء كان عملاقاً، أو تنيناً، أو بشرياً.. فكل عِرق له سمات شخصية محددة."

​ساد الصمت للحظات، ثم سأل زاك بصدمة: "ولكنك أطلقت عليّ اسم الإرادة، وليس الوعي!"

​نظر إليه العجوز بنظرة يملؤها الأسى والشفقة وقال: "هذا لأنك يا بني لست الوعي الأصلي.. الوعي الأصلي ما زال في الجانب الآخر، في عالمك، أياً كان."

​تصلب زاك في مكانه، وصاح بغضب هائل: "ماذا تقول أيها العجوز اللعين؟! أنا لست مزيفاً! إن كنت كائناً مزيفاً، فما هذه الذكريات؟ ما هذه المشاعر وكل شيء أشعر به؟!"

​حك العجوز أذنه بانزعاج شديد من الصراخ. وفي لمح البصر، أطلق من جسده هالة مرعبة وقوة ضغط مميتة جعلت الهواء يثقل في المكان، وقال بنبرة هادئة لكنها تقشعر لها الأبدان: "من الأفضل أن تخفض صوتك يا بني.. أنا رجل عجوز، ولا أضمن ما قد أفعله بك إن غضبت."

​شعر زاك بالطاقة القاتلة تحيط به، فابتلع ريقه وصمت تماماً من شدة الرعب. ثم سأل بتردد وصوت خافت: "ولكن.. ما اسمك يا جدي؟ وما هذا المكان بالضبط؟"

​تلاشت الهالة المرعبة، وأجاب العجوز: "هذا المكان هو مختبري الخاص، وأنا اسمي مِجاهين، العالم المحرم."

وتابع بغضب مكتوم قبل أن يسأله زاك: "وسُميت بالمحرم لأنني أبحث في التقنيات المحظورة التي تمنعها الممالك والإمبراطوريات المنافقة اللعينة! تعال معي لأريك شيئاً."

​ذوبان الإرادة والجسد الجديد

​بإيماءة سحرية قوية، سحب مجاهين جسد زاك الأثيري رغماً عنه، ووضعه أمام كبسولة زجاجية تحتوي على جسد شاب وسيم مستلقٍ بلا حراك.

​قال مجاهين وهو ينظر إلى الجسد: "هذا الجسد كان لابني الذي مات قبل أن يولد.. لقد أخذت وعيه ووضعته في هذا الجسد الذي صنعته بالكامل من التقنيات المحرمة."

ثم التفت إلى زاك وأردف قائلاً: "حسناً يا بني زاك، ألم تلاحظ أن وعيك وإرادتك يذوبان الآن؟ الدليل أنك صدقت كلامي مباشرة دون مشقة، وأنك بدأت تتكلم بصعوبة بالغة."

​ارتجف زاك بذعر، وشعر فجأة أن أطرافه الأثيرية تتبخر بالفعل، وتلعثم قائلاً: "مـ.. مااذاا تقـ.. تقول أيها العجوز؟ أأأنا.. لـ.. لست..."

​قاطعه مجاهين ببرود: "حسناً، لقد بدأت العملية بالفعل."

​تقدم مجاهين وأمسك بالشكل الأثيري لزاك وهو يقول: "سأستخرج معرفتك وذكريات عالمك أولاً، لعلها تكون مفيدة لي."

​ولكن، قبل أن يتمكن مجاهين من بدء طقوس الاستخراج، تمدد جسد زاك الأثيري بعنف وانفجر فجأة متناثراً إلى شظايا ضوئية!

​تراجع مجاهين خطوة إلى الوراء وقال باحباط: "آه.. لقد حان وقته وتلاشى سريعاً.. لا يهم."

​التفت مجاهين لجمع أدواته، ولم يلاحظ في عتمة المختبر أن الشظايا الأثيرية المنفجرة من زاك لم تختفِ في الهواء، بل كانت تتدفق كالسيل المخفي، وتخترق المسام الزجاجية للكبسولة المحرمة، لتندمج وتستقر في أعماق جسد الشاب المستلقي بالداخل...

2026/05/16 · 15 مشاهدة · 766 كلمة
غريب
نادي الروايات - 2026