4 - مسارات الوجود وانجذاب الفضاء

الفصل الرابع: مسارات الوجود وانجذاب الفضاء

​ظهر زاك ومجاهين فجأة داخل غرفة واسعة بالمختبر، مليئة بالكتب القديمة والمخطوطات الجلدية المهترئة. تنحنح العجوز مجاهين وجلس على مقعده، ثم نظر إلى زاك وقال بنبرة جادة:

​"حسناً يا بني، سأشرح لك كل شيء الآن. لنبدأ أولاً بـ 'القدرة الفطرية'؛ هي هبة فريدة تظهر لدى بعض الأشخاص الغريبين، ويمكن أن تكون أي شيء يخطر على البال."

​قاطعه زاك بملامح جامدة متسائلاً: "الأشخاص الغريبين؟"

​أومأ مجاهين برأسه وأجاب: "أجل، معظم من يمتلكون هبة فريدة لديهم طباع وأطوار فريدة وغريبة. هذه الهبة ليس لها حدود تقيدها.. حدودها الوحيدة هي الخيال، وطاقة 'الكين'."

​سأل زاك باهتمام: "وما هو الكين؟"

​تابع العجوز بوقار: "الكين هي كلمة مشتقة من لغة حضارة منسية سادت ثم بادت، وتعني حرفياً: (الإرادة)."

​انقبض قلب زاك من الكلمة، وفكر في نفسه: الإرادة؟ هاه.. يا لها من مصادفة.

​أردف مجاهين قائلاً: "الكين هو طاقة روحية وجسدية لا تندفع إلا عندما يصقل الفرد إرادته وعزيمته إلى أقصى حد ممكن. أي شخص في هذا العالم يمكنه صقل الكين إذا كانت إرادته صلبة كالألماس؛ لهذا السبب، قد تجد أحياناً عاملاً عادياً أو متسولاً عشوائياً في الطرقات يمتلك طاقة كين مرعبة! لا يمكن لأي مخلوق يمتلك الكين أن يكون ضعيف الإرادة.. إنها طاقة لا تعترف بالأنساب أو الدماء، بل تعترف بقوة العزيمة فقط."

​سر البرود الجسدي

​استوعب زاك هذه المعلومات الغزيرة بهدوء شديد، وحلل كلمات العجوز في عقله، ثم طرح السؤال الذكي الذي كان يشغل باله:

​"إذا كان الكين يتطلب كل هذا الصقل والعزيمة.. فكيف استطعتُ أنا أن أستخدم طاقة الكين بمجرد أن فتحت عينيّ لأول مرة في الحفرة؟"

​ضيق مجاهين عينيه ونظر إلى زاك بنظرة ثاقبة، ثم قال بنبرة خفيضة:

"لقد صنعتُ جسدك بيدي، لكن وعيك وروحك ليسا كاملين بالمعنى الطبيعي. لكي تستطيع فتح عينيك وتتحكم في هذا الجسد الاصطناعي من الأساس، كان هذا الأمر يتطلب قوة وعزيمة جبارة تخترق المستحيل.. يتطلب إرادة أكبر بكثير من الإرادة اللازمة لفتح الكين! لهذا السبب، أنت تمتلك كين يتفوق على الشخص الطبيعي بعدة مرات."

​توقف العجوز للحظة ثم أضاف: "بالإضافة إلى ذلك، لقد وضعتُ مواداً نادرة ومعينة في جسدك لتقويته في جميع الجوانب البدنية، ولكن.. بسبب نقص وعيك وروحك، تبدو الآن هادئاً، فارغاً، ولا مبالياً بما يدور حولك."

​حرّك زاك رأسه ببطء للتعبير عن الفهم، ثم سأل متابعاً: "وماذا عن 'المسارات' التي تحدثت عنها سابقاً؟"

​معضلة المسارات والمهارات

​أخذ مجاهين نفساً عميقاً وأكمل شرحه:

"المسارات هي عملية تشكيل الكين والإرادة لكي يقوما بأدوار ووظائف محددة وثابتة. يمكن لكل شخص أن ينشئ مساره الخاص الفريد، ولكن يمكنهم أيضاً اتباع مسار جاهز أنشأه شخص آخر من قبل.. وعموماً، منشئو المسارات دائماً أقوى بكثير من متبعيها."

​سأل زاك بفضول: "إذا كان المنشئون أقوى، فلماذا يختار الناس اتباع مسارات غيرهم بدلاً من إنشاء مساراتهم الخاصة؟"

​أجابه مجاهين ساخراً من ضعف البشر: "لأن إنشاء مسار كامل من الصفر أمر شديد الصعوبة والتعقيد! فهو يتطلب من الفرد ابتكار وصنع مهارات معينة وخاصة تتوافق تماماً مع إرادته."

​فكر زاك قليلاً ثم سأل: "ألا يمكنهم الاستعانة بمهارات خارجية جاهزة لتسهيل الأمر؟"

​رد العجوز بحسم: "مستحيل! لا يمكن ذلك لأن المسار سيتشوه فوراً بكين صاحب المهارة الأخرى؛ فلا يمكن لكين غريب أن يتداخل مع مسارك الخاص. لكن.. هناك ما يسمى بـ 'المهارات العامة'، وهي مهارات لا تتطلب مساراً معيناً لتعلمها، غير أن العثور عليها وتعلّمها أمر في غاية الصعوبة."

​أقسام المهارات والإرادة العالمية

​تابع مجاهين وهو يشير بأصابعه الأربعة: "تنقسم المهارات في عالمنا إلى أربعة أقسام رئيسية وهي:

​الهجومي: وهذا واضح من اسمه، مهارات مخصصة للتدمير والقتال.

​الداعم: وهؤلاء متخصصون في مهارات الدعم، التعزيز، والشفاء.

​الصانع: مهارات تشمل الصناعة، الخيمياء، والهندسة الرونية. (والرونية عموماً مهارة يمكن لأي أحد تعلمها دون الحاجة لمسار محدد).

​الصوفي: وهو أكثر المسارات غموضاً، وأقلها عدداً بين البشر.

​وفي النهاية، كل مسار يتصل في أوج قوته بما يسمى بـ 'الإرادة العالمية'."

​انتبه زاك فجأة وكرر الكلمة: "الإرادة العالمية؟"

​أومأ العجوز: "نعم.. إنها إرادة العالم والكون الذي نعيش فيه، وهي لا تفعل شيئاً سوى المراقبة الصامتة، ولا تتدخل إلا في مواقف نادرة وعظيمة جداً."

​اختبار الانجذاب

​أخرج مجاهين من جلبابه فجأة بلورة زجاجية غامضة تتلألأ بضوء باهت، وقال: "وهذا يأخذنا إلى النقطة الأخيرة.. هذه الأداة تستخدم لقياس 'الانجذاب'."

​سأل زاك مستغرباً: "ما هذا الانجذاب؟"

​أجابه العجوز وهو يقدم له البلورة: "الانجذاب هو ميزة نادرة جداً تحدث للكين، حيث يكون للفرد انجذاب فطري لعنصر أو مفهوم معين، إما منذ ولادته أو يتشكل حسب مسار حياته.. والآن، لنرى ما هو انجذابك!"

​مد زاك يده ببرود ووضع كفه فوق سطح البلورة البارد.

​وفي جزء من الثانية، لم تشع البلورة بضوء عادي، بل تشوه الفضاء تشوه خفيف!

​تراجع نظر مجاهي بهدوء، واتسعت عيناه بصدمة طفيفة لم تظهر عليه من قبل، وتمتم وهو يمسح لحيته البيضاء :

"آه.. الفضاء! هذا الانجذاب نادر."

2026/05/17 · 3 مشاهدة · 740 كلمة
غريب
نادي الروايات - 2026