الفصل الثامن: انبثاق مسار "محسن الفضاء"

​وسط قاعة التدريب المظلمة التي تفوح برائحة الموت والصدأ، وقف زاك ساكناً كأنه جزء من الجدران الحجرية. من حوله، بدأت العيون الحمراء والصفراء تلمع في العتمة، وأصوات زمجرة مكتومة تملأ المكان. كانت الغرفة تعج بجيوش من المسوخ التي صنعها مجاهين لتكون وقوداً لنمو زاك: ذئاب بفكوك تماسيح ضخمة، نسور سوداء بريش حاد كالشفرات، وحشرات "مانتس" عملاقة تتحرك على أرجل عنكبوتية طويلة.

​ظهر مجاهين في الشرفة العلوية، يراقب من فوق ببروده المعتاد، وصوته الأجش يتردد في القاعة: "هل أنت مستعد يا بني؟"

​قبض زاك على مقبض سيفه المستقيم، واستشعر تدفق الكين في عروقه الاصطناعية، ثم قال بكلمة واحدة: "أجل."

​بإشارة خاطفة من يد مجاهين، انفجر السكون. انطلقت الوحوش كالسيل الهادر نحو المركز. تحرك زاك بدقة مرعبة؛ استخدم "الخطوة الصامتة" ليختفي من أمام فكوك الذئاب، تاركاً خلفه صوراً شبحية فقط. عندما انقض عليه خنزير بري عملاق من الخلف، لم يستدر؛ بل قام بـ"تحسين" مرونة عموده الفقري وتشقلب للخلف في حركة بهلوانية تخترق قوانين الفيزياء، وأثناء وجوده في الهواء، استل سيفه وشق رأس الخنزير لنصفين قبل أن يلمس الأرض.

​لم يعطِ زاك فرصة للنسور؛ ضخ الكين في نصل سيفه ليتحول فوراً إلى "نمط السوط". لوّح به في دوائر واسعة حاصداً الرؤوس، فكان النصل يطول ويقصر بلمح البصر بفضل مهارة التحسين. سكنت القاعة تماماً بعد دقائق، ووقف زاك وسط تلال من الجثث، يقطر سيفه دماً أسود قانياً، وبضع جروح طفيفة تزيين جسده.

​نظر إلى الشرفة وقال بلا نهج: "ما التالي؟"

​وحش الكين: النمر الذهبي

​لم يُجب مجاهين، بل سحب رافعة حديدية ليفتح قفصاً ضخماً في نهاية القاعة مغطى برموز رونية. خرج منه نمر مجنح بفراء ذهبي يتوهج بضوء مهيب. تجمد زاك في مكانه؛ لم يكن الرعب من شكل الوحش، بل من الهالة الكثيفة والمرئية التي تحيط به، والتي كانت تشوه الهواء من حوله بفعل الضغط.

​سأل زاك بنبرة حذرة: "ما هذا الكائن؟"

​أجاب مجاهين بصوت عميق: "هذا هو اختبارك الحقيقي.. وحش كين (Kin Beast). في هذا العالم، ليست كل الوحوش كائنات غريزية. بعضها يمتلك إرادة كإرادة البشر تماماً. هذا النمر ليس مجرد حيوان، بل هو 'مستخدم كين' بالفطرة. فرقه عن الوحوش التي قتلتها كفرق الإنسان العادي عنك أنت. جلده محمي بدرع من الإرادة، وعضلاته معززة بطاقة فطرية."

​لم ينتظر النمر؛ بل انطلق كصاعقة ذهبية. بالكاد استطاع زاك رفع سيفه ليتلقى الضربة، لكن قوة الاصطدام قذفته أمتاراً ليصطدم بالجدار الحجري الذي تحطم تحت ثقله. شعر زاك بعظامه الاصطناعية تئن لأول مرة.

​ولادة المسار: محسن الفضاء

​استخدم زاك "مخالب الإعدام" والتحم مع النمر في اشتباك قريب، لكن مخالبه كانت تنزلق فوق "درع الإرادة" الذهبي دون إحداث خدش واحد. زأر النمر، وأطلق موجة ضغط ذهبية حطمت غشاء الكين الذي يحمي زاك، ملقيةً به بعيداً.

​’إنه أسرع.. أصلب.. ولا يمكنني اختراق إرادته بالتحسين وحده’، فكر زاك بينما كان يتفادى مخلباً كاد يقتلع رأسه. في تلك اللحظة الحرجة، تداخلت مفاهيم "التحسين العام" مع "تقارب الفضاء" داخل عقله. تذكر كلمات مجاهين عن المسار وصناعة الذات.

​’إذا كان النمر يستخدم الكين لتقوية جسده، فأنا سأستخدم الكين لأُحسّن المسافة التي تفصلني عنه!’

​انفجرت هالة زاك، وتحولت من الأحمر والأسود إلى لون داكن يمتص الضوء، معلنةً اكتمال المسار: [مسار مُحسّن الفضاء - Space Enhancer].

​انطلق النمر الذهبي نحو زاك ليوجه ضربة القضاء، لكن زاك لم يتحرك. استخدم المهارة الأولى لمساره المكتمل: [تحسين المسافة: الطي المطلق].

​في جزء من المليون من الثانية، قام زاك بـ"تحسين" تقارب الفضاء لدرجة جعلت المسافة بينه وبين قلب النمر تصبح "صفراً". لم يره النمر يتحرك؛ بل وجد نصل زاك مخترقاً درعه الذهبي ومغروزاً في قلبه مباشرة في طرفة عين.

​لم يتوقف زاك؛ استخدم "الزئير الصاعق" المعزز بمساره الجديد ليشل حركة النمر تماماً، ثم حول سيفه لنمط السوط. هذه المرة، لم يكن النصل يتحرك في الهواء فحسب، بل كان يختفي ويظهر عبر "ثقوب فضائية" صغيرة بفضل تحسين الفراغ، ليقطع أجنحة النمر من زوايا مستحيلة.

​بصيحة أخيرة، ركز زاك كل ذرة كين في طعنة نهائية محطماً إرادة النمر الذهبي تماماً. سقط الوحش العظيم جثة هامدة، وانطفأ نوره الذهبي للأبد.

​وقف زاك يلهث بعنف، جسده مغطى بالجروح العميقة التي تظهر أجزاءً من هيكله المعدني تحت الجلد، لكن عينيه كانت تلمع بوضوح وثبات مخيف.

​مسح مجاهين لحيته، ولأول مرة، ظهر ظل طفيف من الرضا على وجهه البارد: "لقد فعلتها.. لقد شققت طريقك الخاص أخيراً. الآن يا زاك، لم يعد هذا القبو يتسع لإرادتك. حان الوقت لترى العالم فوق هذه الرمال."

2026/05/19 · 3 مشاهدة · 683 كلمة
غريب
نادي الروايات - 2026