9 - الانفصال عن القاع.. وبداية الترحال

الفصل التاسع: الانفصال عن القاع.. وبداية الترحال

​في أعالي السماء الصافية، كان طائر ضخم حالك السواد، ذو أجنحة عريضة وقوية، يشق الغيوم بهدوء. وعلى ظهره المكسو بالريش الخشن، كان زاك مستلقياً بنظراته الباردة المتعبة، يضع يديه خلف رأسه ويتأمل الفراغ. لم يكن يفكر في الارتفاع الشاهق، بل كان عقله يسترجع حواره الأخير مع العجوز مجاهين قبل ساعات قليلة.

​في الماضي القريب (داخل المختبر السري)

​نظر مجاهين إلى زاك بنظرة رضا نادرة شابتها الجدية، وقال بصوته الأجش: "حسناً يا بني.. أظن أنه وقت رحيلك من هنا."

​شعر زاك بنوع من الحيرة، وسأله بجمود: "إلى أين؟ وماذا عليّ أن أفعل في الخارج؟"

​أطلق العجوز تنهيدة خفيفة وحك لحيته البيضاء الطويلة قائلاً: "افعل ما تشاء، الأرض واسعة. لكن إن كان عليّ أن أنصحك بشيء، فأنا أريدك أن تخوض أكبر قدر ممكن من التجارب، وأن تكون في ترحال وصراع مستمر."

​"لماذا؟" سأل زاك باقتضاب.

​رد مجاهين بجدية ثاقبة: "لأنك لست بشرياً كاملاً بعد. أريدك أن تُكمل بناء وعيك وترمم شظايا روحك التائهة. يا بني.. توجد مستويات من القوة في هذا العالم مستحيل أن تصل إليها في وضعك الحالي؛ فالجسد الاصطناعي قوي، لكن الروح الضعيفة أو الناقصة ستكون سقفاً يمنعك من الارتقاء. التجارب والصدامات في العالم الخارجي هي الدواء الوحيد لشفاء روحك وصقل إرادتك."

​ألقى مجاهين نحو زاك كيساً قماشياً ثقيلاً، التقطه زاك ببراعة ليتفاجأ ببريق سبائك الذهب داخلها.

​لوح مجاهين بيده مستطرداً: "كل دولة أو إمبراطورية في هذا العالم لها قوانينها ونظامها الخاص، لكنهم اتفقوا جميعاً على شيء واحد: قيمة الذهب والموارد. الذهب في حد ذاته قليل القيمة بالنسبة للأقوياء، لكن عامة الناس والملوك الفانين يقدسونه. أما في المستويات العليا، فالتعامل لا يكون إلا بالمواد النادرة والمقدسة، وتلك هي العملة الحقيقية التي تفرض بها أقوى الإمبراطوريات سيطرتها."

​أعاد زاك الكيس إلى حزامه، وقام بطقطقة أصابعه ببرود: "إذاً.. عليّ الذهاب الآن."

​"أجل، حان الوقت. لقد جهزت لك رداءً مناسباً ووسيلة نقل." قال العجوز.

​وعندما خرج زاك ليرى "وسيلة النقل"، وجد ذلك الطائر الأسود العملاق المرعب ينتظره. كان اختيار مجاهين لطائر وحشي كأنه دابة ركوب أمراً يثير السخرية والتهكم، حتى بالنسبة لشخص بارد مثل زاك.

​العودة إلى الحاضر (أجواء العالم الخارجي)

​استيقظ زاك من أفكاره ونظر إلى الأسفل. بدأت ملامح الأرض تتضح، وتجلت أمامه معالم مملكة ذات أسوار حجرية ضخمة ومزارع ممتدة. بناءً على ما قرأه في مكتبة مجاهين، كانت الممالك في هذا العالم تُصنف وفقاً لقوتها العسكرية والاقتصادية وتعداد مستخدمي الكين فيها إلى خمس مستويات:

​الممالك المنخفضة: دول ضعيفة تعيش على الهامش.

​الممالك المتوسطة: تمتلك استقراراً وقوة دفاعية بأسوار محصنة.

​الممالك الكبيرة: دول ذات نفوذ إقليمي واسع وجيوش منظمة.

​الممالك العليا: القوى العظمى التي تحكم أقاليم بأكملها.

​الإمبراطوريات: القمة الساحقة؛ حيث تحظر الإمبراطوريات استخدام لقب "إمبراطورية" على أي دولة ما لم تستوفِ شروطاً اقتصادية وعسكرية صارمة ومرعبة جداً.

​المملكة التي يقترب منها الآن كانت مملكة متوسطة.

​وقف زاك على حافة ظهر الطائر، وبلا تردد، ألقى بجسده في الهواء مستسلماً للجاذبية. وبينما كان يهبط بسرعة البرق نحو الغابة المحيطة بالمملكة، ضخ طاقة الكين الخاصة به في الفراغ مستخدماً مساره الجديد، وقام بـ "تحسين كثافة الهواء" ليعمل كمظلة غير مرئية تبطئ هبوطه بشكل تدريجي، حتى هبط على الأرض بسلاسة وأمان دون أن يترك ذرة غبار خلفه.

​منظمة كليرون والمسار الفرعي

​كان زاك قد رسم خطته بالفعل؛ الوجهة الأولى هي التسجيل كمرتزق في منظمة كليرون.

​هذه المنظمة الأسطورية أُنشئت منذ ألف عام لسبب وجيه: مستخدمو الكين يمتلكون إرادة قوية وعنيدة للغاية، وبسبب ذلك، كان معظمهم يرفض الانصياع للملوك، مما أدى إلى فوضى عارمة واغتيالات لا تنتهي. وفي الماضي، قام محارب أسطوري ذو قوة ساحقة بالتحالف مع عدة ممالك كبرى لتأسيس "الكليرون" بهدف تنظيم هؤلاء المرتزقة وتوجيه طاقتهم في مهام مدفوعة، مع سحق وتدمير أي مستخدم كين يخل بالنظام العام. واليوم، تمتلك الكليرون قوة عسكرية مرعبة تنافس الممالك الكبرى، بل إن مؤسسها صاغ مساراً كاملاً يُدعى "مسار المرتزقة"، مليئاً بالمهارات العامة المفيدة للاستكشاف والنجاة.

​تذكر زاك نصيحة أخرى لمجاهين: "من الأفضل أن تتخذ مساراً إنتاجياً كمسار فرعي واحد على الأقل، لكي لا تضطر للاعتماد على الحدادين أو الخيميائيين في كل شيء".

​فمستخدم الكين يمكنه بجانب مساره الرئيسي أن يمتلك مسارين فرعيين فقط طوال حياته، مثل الصنع، أو التعدين، أو العلاج.

​اللقاء الأول مع البشر

​بينما كان زاك يسير بخطوات هادئة وسط أشجار الغابة الكثيفة متجهاً نحو بوابة المدينة، تناهت إلى سمعه أصوات صليل سيوف قوية، وصراخ نساء، واستغاثات حراس.

​تقدم ببطء ونظر من خلف الشجيرات، ليرى عربة فارهة ومزخرفة بنقوش ذهبية تخص أحد النبلاء، تحيط بها مجموعة من قطاع الطرق المدججين بالسلاح، والذين كانوا يذبحون الحراس واحداً تلو الآخر ويسحبون من في داخل العربة.

​نظر زاك إلى المشهد بملامحه الجامدة وعينيه الفارغتين، وفكر ببرود: ’عربة نبيل يتعرض للقتل وسط الغابة؟ يبدو الأمر مزعجاً ومليئاً بوجع الرأس والتحقيقات إن تدخلت’.

​بلا أي ذرة شفقة أو تردد، قام زاك بكتم طاقته واستخدم تقنيته لـ خفض حضوره إلى الحد الأقصى، حتى أصبح كأنه شبح غير مرئي وسط الأشجار، واستدار يكمل طريقه نحو المدينة متجاهلاً صراخهم تماماً، تاركاً النبلاء وقطاع الطرق يواجهون مصيرهم خلفه.

2026/05/19 · 4 مشاهدة · 781 كلمة
غريب
نادي الروايات - 2026