"اللعنة..."

ضربتُ بيدي الصغيرة على الأرضية التي ربما كانت بيضاء يوماً ما، لكنها الآن قذرة ومغطاة ببقع الدماء الجافة وبركٍ من مادة سوداء لزجة وغريبة.

بدأتُ أستعيد القليل من قوتي، ليس لدرجة القتال، بل بالكاد ما يسمح لي بالجلوس وتفحص محيطي الحالي.

وما رأيته كان مروعاً... جثث. الكثير من الجثث لأطفال قُتلوا بأبشع الطرق الممكنة. لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً كان الأرقام. كل جثة حُفر على كتفها الأيمن رقم تسلسلي، ولسبب غامض، كانت تلك الأرقام هي الشيء الوحيد السليم والمقروء في أجسادهم المشوهة.

كانت هناك جثث تبدو سليمة تقريباً، بعضها منتفخ، وأخرى ينزف منها ذلك السائل الأسود، لكن ملامحهم كانت واضحة ومجمدة على تعبير واحد أبدي: الألم الخالص.

[يا لهم من مساكين...]

"تشه..." بصقت باستهزاء وتمتمت: "وكأن الأمر جديد عليّ. كالعادة، الحكومة وجشعها الأعمى للقوة. إنها بالتأكيد منشأة سرية لصنع وحوش هجينة أو أسلحة بيولوجية."

[ولماذا تعتقد أنها الحكومة؟]

جلست على الأرض المتسخة وأنا أتنهد بتعب: "حسناً، أولاً، أنا في جسد طفل ولا أعرف كيف. أعتقد أنني مستنسخ، وبحسب خبرتي بعالمي، فإنهم بالتأكيد لم يتركوني أموت بسلام. لكن السؤال الحقيقي هو: هل أنا النسخة الأصلية، أم مجرد وعاء يحمل ذكرياتي؟"

[...]

[واو... لديك خيال جامح حقاً حتى تصل بك الجرأة للقول إنهم استنسخوك.]

"ماذا تعني؟"

[تذكر ما قلته لك سابقاً؛ أنت لم تمت هناك... حسناً، لنقل إن جسدك فقط هو ما مات في ذلك العالم.]

ضيقت عيني بشك. لسبب ما، صدقته. كل شيء حولي غير منطقي، باستثناء احتمال واحد: أنني نُقلت إلى هنا بطريقة ما.

"إذاً... هل ذلك الفراغ الذي جعلني أعاني لثلاثين سنة هو سبب بقائي حياً؟"

[نعم، هذا صحيح.]

"هههههه... يال سخرية القدر!" وضعت يدي على صدغي وأنا أضحك بمرارة على حالتي التعيسة، "من كان يظن أن سبب ألمي وكرهي لحياتي في الماضي، هو نفسه تذكرتي للنجاة؟"

[لا تفكر بهذه الطريقة، فمنذ البداية... تلك لم تكن حياتك الحقيقية.]

"اه… لا تفكر. ليست الحقيقية. إذاً أخبرني ما أنا الآن! وكيف مات جسدي السابق؟ فقط أخبرني كل شـ..."

لكن قبل أن أكمل كلماتي، شق صرخة مدوية هدوء الغرفة من جهتي اليمنى. التفتتُ بسرعة، لأرى تلك الفتاة الصغيرة تصرخ، وقد بدأ جسدها يمر بنفس الحالة المروعة التي مررت بها قبل قليل.

[ساعدها.]

"كيف أفعل هذا؟"

[لا أعرف، أنت صاحب القوة هنا... ساعدها.]

"تشه... تقول هذا وكأنني طبيب قادر على صنع المعجزات."

[...]

اقتربت منها بحذر. وعندما وصلت إليها ووقع بصري على ملامحها، تجمدت في مكاني.

تفاجأت من شكلها؛ كانت تبدو كدمية خزفية مثالية... بشرة بيضاء شاحبة وناعمة بشكل غير طبيعي، خالية من أي شائبة، وكأنها لم تُخلق لتكون بشراً من الأساس.

لكن ذلك الجمال... كان خاطئاً. ملفتا جدا.

شعرها الفضي الطويل انساب حولها كخيوط من ضوء بارد، يعكس لمعاناً غريباً لا ينتمي لهذا المكان المتعفن. خصلاته لم تكن ثابتة، بل كانت تتحرك ببطء وكأنها حية... وكأن كياناً ما داخلها يحاول الاستيقاظ.

أما عيناها... فكانت إحداهما مغلقة بإحكام، بينما الأخرى نصف مفتوحة، تكشف عن قزحية زرقاء لامعة تتوهج بلمعة أرجوانية جميل، لكنه يحمل برودة قاتلة، كعين دمية اصطناعية تراقبك بلا روح.

شفتيها الصغيرتان كانتا ترتعشان تشكل ابتسامة؟... ابتسامة تتناقض تماماً مع صراخها والألم الذي يمزقها. ابتسامة جامدة، مثالية أكثر من اللازم، كأنها نُحتت على وجهها، لا حقيقية.

لكن الكابوس الحقيقي كان يحدث لجسدها.

جلدها بدأ يتغير... يتمدد ببطء، وأطرافها تطول بشكل غير طبيعي، وكأن عظامها تُكسر وتُعاد صياغتها من جديد. تحت بشرتها الشفافة، بدأ شيء أسود يتحرك... نفس السائل الكثيف يزحف الآن داخل عروقها، تاركاً خلفه شبكة من الخطوط الداكنة التي لوثت ذلك الجمال المصطنع.

وفي كل مرة يرتجف فيها جسدها... كانت ملامحها تنضج بسرعة... وتصبح أكثر برودة.

صرخت مرة أخرى، لكن هذه المرة... لم يكن صوتها صوت طفلة. كان صرخة ممزقة، مزيجاً مرعباً بين أنين بشري... وزئير شيء آخر تماماً.

راقبتها بمزيج من الاشمئزاز وعدم التصديق، وبفكرة واحدة تسيطر على عقلي وتصيبني بالقشعريرة: هل كانت حالتي مماثلة لها عندما كنت فاقداً للوعي؟

​"ما هذا بحق الجحيم؟"

​سألت بعدم تصديق وأنا أراقب ما يحدث أمام عيني. باستثناء طولها الذي ازداد بشكل ملحوظ، بدا أن كل شيء آخر فيها قد عاد إلى طبيعته... ربما.

​[إنها طاقة الفساد.]

​"طاقة ماذا؟"

​[الفساد بمعنى ادق الهاوية... كيان أقدم من أن يُفهم، قوة غامضة تتغلغل في عوالم لا حصر لها. لا أحد يدرك غايتها الحقيقية، لكنها تلتهم كل شيء لسببٍ نجهله تماماً.]

​"وهذا الشيء... يتدفق في عروقنا الآن؟"

​[بالضبط.]

​"عظيم..." سخرت بمرارة وأنا أراقب يدي الصغيرة المرتجفة. "لا أعرف لماذا لا أنهي هذا العذاب وأقتل نفسي وحسب."

​[أنت تدرك أن الموت ليس الحل.]

​"بل هو الحل الوحيد!" انفجرت غاضباً، ولم أعد أهتم إن كنت أصرخ في وجه الهواء. "أترى؟ أنت بالتأكيد رأيت حياتي السابقة! لم أعش كإنسان قط. تم استغلالي مراراً وتكراراً، أعز أصدقائي قُتل بتهمة لا أعرفها حتى اليوم! والمرأة التي ظننت أنني أستطيع أخيراً فتح قلبي لها... كانت هي سبب موتي."

​التقطت أنفاسي بصعوبة، وأشرت بيدي نحو الأجساد الباردة من حولي: "والآن؟ أنا عالق في غرفة غريبة، مكدسة بجثث ستتعفن قريباً، أراقب طفلة صغيرة ستموت بنسبة مئة بالمئة! أخبرني، أي أمل تراه هنا؟ أي حياة تعيسة تريدني أن أُسحب إليها مجدداً؟"

​سقطت على الأرض المتسخة وأنا ألهث من التعب. ياللسخرية... مجرد التحدث بانفعال أصبح يستنزف طاقتي وكأنني مجنون يهذي.

​[.....]

​ساد صمت طويل، قبل أن يعود الصوت، لكن نبرته هذه المرة كانت أثقل... وأكثر جدية.

​[أنت محق... لقد عانيت كثيراً. ليس فقط في ذلك المكان، بل في ماضٍ أبعد مما تتذكر.]

​توقفت عن اللهاث لثانية، وعقدت حاجبيّ.

​[لكن لهذا السبب تحديداً أنا هنا يا 'كايل'. لم آتِ لأرميك في جحيم جديد، بل لأعيدك... لأستعيد مجدك المنسي. يجب أن تنجو، لأن هذا العالم هالك لا محالة. مهما حاول أدعياء البطولة إنقاذه، فسوف يحترق... وكل هذا الدمار، سيكون بسبب شخص واحد.]

"ماذا تقول؟"

تغيرت تعابير وجهي، وانسحب الدم منه وأنا أستمع إلى كل كلمة تتردد في جمجمتي.

"ماذا تعني بماضٍ أبعد؟ أي مجدٍ سابق تتحدث عنه؟ وماذا تقصد بعالم هالك لا محالة؟!"

نهضت على قدميّ المرتجفتين، وبدأت أذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، واضعاً يديّ فوق رأسي وأنا أتمتم بهستيريا. هل أنا أهذي؟ هل فقدت عقلي تماماً؟ كل ما يتفوه به هذا الكيان يفتقر لأي ذرة من المنطق.

[كايل... كايل... كايل!!!]

"ها؟! ... ماذا يحدث؟"

توقفت في مكاني، ألهث وكأنني كنت أركض لساعات. يبدو أنني دخلت في نوبة فزع هستيرية. جلست على الأرض الباردة مجدداً، وأمسكت رأسي بين يديّ وأنا أضحك بخفوت يائس: "لقد جُننت حقاً... لا أصدق أن حياتي الجديدة تنتهي بي كطفلٍ مجنون في مختبر للجثث."

اجتاحني مزيج خانق من الغضب، الاشمئزاز، والاستسلام المطلق. ومع الفكرة العابرة بالبحث عن أي أداة حادة حولي لإنهاء هذه المهزلة... ضربني ذلك الشعور.

"آآآآآآ..."

سقطت على الأرض وأنا أعتصر صدري بيدي، أتلوي من ألمٍ لم أعهد له مثيلاً. ذلك "الفراغ" الموحش في داخلي... لم يعد مجرد إحساس بالنقص، بل بدأ ينمو بسرعة مرعبة، يتجذر في أعماق روحي وكأنه وحش جائع.

لكن لم يكن وحده. كان هناك شيء آخر يتحرك بنفس القوة والشراسة.

بدأ صراعٌ مميت يمزق أحشائي. كنت أشعر بهما بوضوح: قوتان متناقضتان تتصارعان على احتلال جسدي.

الأولى كانت بالتأكيد القوة التي تحدث عنها"... طاقة سوداء، لزجة، شديدة الحرارة والعدوانية. شعرت بها تزحف تحت جلدي، تحاول اختراق خلاياي لتشويهي وتحويلي إلى وحش، تماماً كما كانت تفعل بتلك الفتاة .

أما الثانية، فكانت "الفراغ... شعور الالم الذي يتلهمني دائما باردة، عميقة، ومظلمة بشكل مطلق.كانت أقرب إلى ثقب أسود يبتلع كل شيء يقترب منه، صامتة لكنها مرعبة في سكونها.

[كايل... لا تستسلم!] زأر الصوت في رأسي، لكن هذه المرة كان مليئاً بالتوتر. [طاقة الفساد ضعيفة وهشة أمام حقيقتك! لن تنحدر لمستوى الخضوع لقوة طفيلية كهذه! حاول التركيز! سيطر على ذلك الفراغ! ذلك الألم مجرد وهم... إنها قوتك أنت! سخرها بإرادتك!]

" ت.. تقول هذا وكا… سهل… "

رغم الألم الذي كاد يفقدني وعيي، ورغم أن الدم الاسود بدأ يسيل من أجزاء جسدي حاولت فعل ما قالة، ضغطت على أسناني بشدة. "إرادتي؟" صرخت في داخلي.

إذا كان هذا الفراغ جزءاً مني، وإذا كان قد رافقني طوال ثلاثين عاماً من العذاب... فهو ملكي!

أغمضت عينيّ بقوة، وبدلاً من مقاومة الفراغ، رميت بوعيي كاملاً داخله. تخيلت ذلك الثقب الأسود في صدري يتسع، وأمرته بأن يبتلع كل شيء.

وبالفعل... استجاب.

شعرت بطاقة الفراغ الباردة تنفجر داخلي كعاصفة صامتة. اصطدمت بطاقة الفساد السوداء، ولم تتقاتل معها، بل ببساطة... افترستها. بدأت المادة السوداء التي كانت تحاول السيطرة على عروقي تتلاشى، تُسحب وتُطحن داخل ذلك العدم اللامتناهي في صدري.

—--

وجهة نظر:الشخص الثالث

مع ذلك الانتصار الداخلي الصامت، طرأ تحول جذري على جسد الصبي الهزيل. توقفت الرعدة التي كانت تنهش أطرافه فجأة، وتبخر الألم الذي كان يعتصر روحه في ثانية واحدة، وكأن جسده قد أعلن العصيان على الضعف.

​خصلات شعره التي كانت مبعثرة على جبينه بفوضى، بدأت تتبدل ألوانها؛ تحولت من البهتان إلى سواد فاحم كالفحم، وتسللت بينها فجأة تموجات ذهبية مضيئة تنبض بطاقة غريبة وكأنها عروق من البرق الخام.

​وعندما انفتح جفناه أخيراً، لم تكن تلك عينا طفل خائف أو ضحية منكسرة. بل انبثق منهما بريق ذهبي حاد ومخيف، ببؤبؤ ضيق يحاكي عيني تنين استيقظ للتو من سباتٍ دهري، ليخترق عتمة الغرفة بهيبة سحقت كل أثر للارتباك.

​نهض الصبي ببطء شديد، وبحركات واثقة لم يعهدها جسده من قبل. تلاشت مشاعر الضعف تماماً، وحل مكانها إحساس بقوة مرعبة تتدفق في عروقه، شعور طاغٍ بأنه قادر على تحطيم الجدران الخرسانية بقبضتيه العاريتين.

بدء غبار ذهبي بالدوران حولة كانه دوامة تحاول الاندماج مع مضيفها.

​لكن، قبل أن يستوعب كينونته الجديدة بالكامل…

​— ززز... ششـ —

​انزلق الباب المعدني الثقيل للمختبر مصدراً صريراً حاداً.

​دلف الطبيب المخبول إلى الداخل بابتسامته البشعة ونظارته الدائرية التي تعكس الضوء البارد. قال بنبرة مرحة ومريضة:

​"لقد عدت أيها الصغار! وأحضرت معي الهديـ..."

​توقفت الكلمات في حلقه كغصة مباغتة، وتلاشت ابتسامته تدريجياً حتى اختفت تماماً. تجمدت نظراته خلف زجاج نظارته عندما التقت عيناه... بتلك الأعين الذهبية المتوهجة التي كانت ترقبه بصمت.

«رأيكم بهذا الفصل، وهل ترون أن أضافة مثل هذا التطور في الأحداث سيء أم جيد كبداية؟>

2026/04/21 · 3 مشاهدة · 1539 كلمة
Another man
نادي الروايات - 2026