العرش والهاوية
القصر لا ينام أبدًا...
لم يكن الليل فيه وقتًا للراحة، بل ستارًا يُخفي ما يعجز النهار عن كشفه.
جدرانه العتيقة كانت تحفظ أسرار أجيالٍ كاملة، تتشرب همسات الخدم، وأنين الأرواح التي عبرت ممراته ثم اختفت كأنها لم تكن موجودة يومًا.
في ذلك المكان، حتى الصمت كان له صوت.
بين المرايا الطويلة المشققة التي لم تعد تعكس الوجوه فقط، بل تحمل ذكريات أصحابها، وقفت هي وحيدة.
ليلي...
ابنة العائلة التي وُلدت وفي عروقها دماء الملوك، والفتاة التي كان الجميع ينظر إليها وكأنها قطعة ثمينة من ممتلكات العرش.
لكن أحدًا لم يرَ ما خلف تلك النظرات.
لم يرَ الفتاة التي كانت تختنق كلما أُغلقت أبواب القصر خلفها.
لم يرَ السؤال الذي يسكن عينيها منذ طفولتها:
هل أنا ابنة هذا العرش... أم إحدى ضحاياه؟
لم تكن تحلم بالتمرد على عائلتها، ولم تكن تكره حياة القصور كما يظن البعض.
كانت فقط تريد شيئًا واحدًا...
أن تعرف من تكون بعيدًا عن الاسم الذي حُفر فوق كتفيها قبل أن تولد.
كانت ترتدي الحرير، لكنّه كان يشبه القيود.
كانت تحيط بها الجواهر، لكنها لم تستطع يومًا شراء حريتها.
وفي وسط ذلك السجن المغلف بالذهب...
ظهر هو.
لم يكن ظهوره واضحًا.
مجرد إحساس عابر.
ظلّ مرّ خلف ستائر غرفتها المغلقة، صوت خطواتٍ لم تعرف صاحبها، ورائحة غريبة لم تشبه أحدًا من سكان القصر.
لم ترَ وجهه.
لم تسمع صوته.
لكنها شعرت بشيء لم تشعر به من قبل...
وكأن وجوده وحده كان إعلانًا بأن شيئًا في حياتها على وشك الانهيار.
البارت الأول
كانت نسائم الليل تتسلل من الشرفة الواسعة، تعبث بخصلات شعر ليلي السوداء، فتحملها الرياح قليلًا قبل أن تعيدها لتستقر فوق وجنتيها كخيوط من حرير مظلم.
وقفت أمام السور الذهبي العالي، تحدق في الأراضي الممتدة خلفه.
من الأعلى كان العالم يبدو صغيرًا...
لكنها كانت تعرف الحقيقة.
العالم خارج هذا القصر كان واسعًا، أما هي فكانت سجينة داخل جدرانه.
رفعت يدها ولمست النقوش الذهبية المحفورة على السور.
ذهب كثير...
حرية قليلة.
ابتسمت بسخرية خافتة.
كم كان غريبًا أن يملك الإنسان كل شيء ولا يملك نفسه.
قطع شرودها صوت طرقات خفيفة على الباب.
طرقة...
ثم أخرى.
استدارت ببطء.
— ليلي...
كان الصوت مألوفًا.
صغيرًا.
هادئًا.
اقتربت من الباب وفتحته لتجد أختها الصغرى واقفة هناك، تمسك طرف فستانها بابتسامة بريئة لا تعرف شيئًا عن قسوة هذا القصر.
— جدي يناديك.
توقفت ليلي للحظة.
لم يكن خوفها من اللقاء نفسه...
بل من السبب الذي يجعل زيلديان الدموي يطلب حضورها.
فالرجل الذي يحكم هذه العائلة لم يكن يحتاج إلى رفع صوته ليخيف أحدًا.
كان يكفي أن يُذكر اسمه.
زيلديان الدموي...
الرجل الذي صنع مجده فوق أنقاض أعدائه، والذي تعلم الجميع في هذا القصر أن طاعته ليست خيارًا.
راقبت أختها الصغيرة وهي تبتعد عبر الممر الطويل، ثم نظرت ليلي إلى الباب المفتوح أمامها.
شعرت بشيء ثقيل يستقر في صدرها.
حدسها أخبرها أن هذه الليلة لن تمر كما قبلها.
سارت في الممرات الواسعة.
كانت خطواتها هادئة، لكنها كانت تسمع صوت قلبها بوضوح.
كل لوحة معلقة على الجدران كانت تروي انتصارًا من انتصارات العائلة.
كل تمثال ذهبي كان يذكرها بأنها تنتمي إلى سلالة لا تعرف الرحمة.
حتى الباب المؤدي إلى قاعة العرش...
كان أشبه بحدٍ فاصل بين حياتها القديمة والمجهول.
كان بابًا ضخمًا، محفورًا برسومات لا يفهم معناها إلا أفراد العائلة الحاكمة، ومزينًا بكمية من الذهب تكفي لإطعام عشرات الأسر لسنوات.
توقفت أمامه.
للحظة، فكرت بالعودة.
لكنها عرفت أنها لا تستطيع.
ففي هذا القصر...
حتى الهروب كان يحتاج إلى إذن من العرش.
انفتح الباب ببطء.
دخلت ليلي القاعة.
الرخام الأسود تحت قدميها عكس صورتها الباهتة، والنيران المعلقة على الأعمدة الذهبية ألقت ظلالًا متراقصة على الجدران.
وفي نهاية القاعة...
كان هو.
زيلديان.
يجلس فوق العرش وكأنه جزء منه.
لم يكن بحاجة إلى تاج ليبدو ملكًا.
كانت هيبته كافية.
رفع عينيه إليها.
وبقي صامتًا لثوانٍ طويلة.
ثوانٍ جعلتها تشعر وكأنها تُحاكم دون كلمات.
ثم قال:
— ليلي.
رفعت رأسها، محاولة ألا يظهر اضطرابها.
— نعم، جدي؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
لم تكن ابتسامة حنان.
بل ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.
— لقد كبرتِ.
صمت قليلًا، ثم أكمل:
— وحان الوقت لتدفعي ثمن اسمك.
تجمدت ملامحها.
— ماذا تقصد؟
مال قليلًا إلى الأمام.
— هناك رجل طلب يدك.
ساد الصمت.
لم تسمع سوى صوت النار خلفها.
زواج؟
لم تكن الكلمة مفاجئة لأنها لم تفكر بها من قبل...
بل لأنها كانت تعرف تمامًا معنى الزواج في هذه العائلة.
لم يكن وعدًا بالحب.
كان اتفاقًا بين قوى.
صفقة.
قيدًا جديدًا.
قال زيلديان بهدوء:
— هذا الزواج سيمنح عائلتنا قوة لا يمكن لأحد مواجهتها.
ثم نظر إليها مباشرة:
— لكنه قد يمنحك أنتِ شيئًا آخر.
عقدت حاجبيها.
— وما هو؟
ابتسم ابتسامة غامضة.
— طريقًا للخروج من هذا القصر...
ثم أضاف:
— أو طريقًا إلى هاويتك.