الشمس لم تُشرق ذلك اليوم. لم يكن هناك فجر، ولا ضوء، ولا لون. في القرى الفكتورية، خرج الناس من بيوتهم وهم يحدّقون في السماء، يبحثون عن شمسٍ لم تعد موجودة.

في المدن التكنولوجية، انطفأت الكهرباء، وخمدت النيران، ثم بدأ كل شيء بالاهتزاز. الأبنية انشقت، الأشجار انكسرت، والأطفال صرخوا وهم يرون الأرض تبتلع الطرقات ببطء. لم يكن أحد يعرف ما يحدث… لكن الجميع، في اللحظة ذاتها، شعروا بأن هذا لم يكن ظلاماً عادياً.

في قلب هذه القارة، وتحديداً بداخل منزلٍ خشبيٍّ صغير على الطراز الياباني القديم، كان هناك فتىً ممدداً على فراشٍ أرضيّ بسيط، يغطيه غطاءٌ باهت اللون. شعره الكحليّ الفوضوي انسدل على وجهه النائم، وخصلاته الأمامية تخفي ملامحه نصفها في الظل.

فتح عينيه الذهبيتين فجأة. انعكس عليها ضوء خافت من الساعة المعدنية الغريبة بجانبه، ساعة دائرية تحيط بها رموز صغيرة تشبه النقوش القديمة. لا عقارب فيها، بل دوائر مضيئة تتحرك ببطء حول مركزٍ أسود. مدّ يده بكسلٍ نحوها، ثم عقد حاجبيه.

كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحاً، لكنه حين نظر من النافذة، لم يرَ أي شمس، لم يكن يضيء المكان سوى أضواء ساعته. أزاح خصلات شعره عن جبينه، لتظهر تحتها علامة برقٍ رفيعة تمتد كوشمٍ مضيء على جلده. رمش بعينيه ببطء، مصعوقاً من الوضع الذي هو فيه.

جلس في مكانه وقال بدهشة:

"مستحيل… الساعة تعطلت؟”

لكنه لم يكن يدري أن الخلل لم يكن في ساعته… بل في العالم نفسه. في تلك اللحظة، خرج الفتى من غرفته بخطواتٍ حذرة، يجرّ قدميه على الأرض الخشبية التي تصدر صريراً خافتاً. مدّ يده ليتحسس الجدران باحثاً عن الزر الذي ينير المكان، ضغط عليه عدة مرات، لكن الضوء لم يُفتَح.

بدأ ينادي بصوتٍ منخفض:

"أبي؟… هل أنت مستيقظ؟”

لم يأته جواب. واصل سيره متعثراً، اصطدمت قدمه بطاولة صغيرة، ثم تحسّس طريقه حتى وصل إلى الصالة. لمس بأصابعه حافة الكنبة، فتعرّف عليها من ملمسها الخشن، ثم وجد فوقها شيئاً مألوفاً: غطاء العين الذي يستخدمه للنوم.

أمسكه ووضعه على جبينه. رفع شعره ببطء حتى ظهرت علامة البرق التي كانت تومض بخفوت. أخذ نفساً عميقاً، أغلق عينيه للحظة، وركّز كامل تفكيره على تلك العلامة. ثم… توهج الضوء أكثر باللون الذهبي، وانتشر بريقه عبر أرجاء الغرفة.

بعد أن تنفس الصعداء، اهتزت الأرض فجأة.. لتسقط الأواني والكتب على الأرض. تمايل الفتى بعنف وهو يحاول التمسك بالجدار، لكن جسده الصغير اندفع بين الأثاث كالدمية.

اختفى وهج البرق من جبينه فوراً، وغرق المكان في ظلامٍ مطبقٍ. ثم سمع أصواتاً مفزعة من الغرف المجاورة… صرخات متقطعة لوالديه وأخته، تتخللها أصوات سقوط الأشياء.

صرخ بذعر:

"زلزااااااال!!”

أضيئت علامة البرق التي على جبينه مجدداً. اندفع وهو يترنح نحو الممر، يصطدم بالأبواب والجدران، يتحسس طريقه عبر الفوضى. في تلك اللحظة، سمع صوت والده قادماً من الممر:

"آكيوووو! استخدم البرق لتضيء المكان!”

توقف لثانية، صدره يعلو ويهبط من الذعر، ثم فكّر بسرعة:

'صحيح… كم أنا غبي، كيف نسيت ذلك؟!'

رفع آكيو يده بتردد، وأغمض عينيه محاولاً جمع ما تبقّى من طاقته. بدأ الشرر يتراقص بين أصابعه أولاً، ثم تجمّع في كفّه على شكل كرة صغيرة من الضوء الأصفر المتوهّج. ارتفع وهجها شيئاً فشيئاً حتى ملأ المكان.

وسط الغبار والركام، ظهر والده الذي كان يقف عند الباب. كان طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي ملابس النوم، وشعره البنفسجي القصير يتطاير بفوضى.

في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة المجاورة بقوة، واندفعت منه الأم التي تحمل ملامح الخوف. شعرها الوردي الطويل يرفرف بفوضى وسط الغبار، وعيناها البنفسجيتان تعكسان ضوء البرق المتذبذب في الغرفة. خلفها ظهرت فتاة أكبر قليلاً من آكيو، شعرها بنفس اللون لكن أقصر قليلاً، ووجهها شاحب من الذعر.

صرخت الأم بصوتٍ مرتجف:

"فانكو! آكيو! ما الذي يحدث؟!”

رفع آكيو صوته:

"تمسكوا بي جميعكم!”

اختفى الضوء من كفه فجأة، وبدأ الجميع يعتمدون على الضوء الخارج من علامة البرق. تقدّم آكيو بخطواتٍ سريعة وسط الغبار، وبدأ يمسك بهم. بيده اليمنى أمسك بوالدته، وبيده اليسرى أمسك أخته. أما الأب فقد تمسك بيد زوجته.

كانت خطواتهم بطيئة ومضطربة، الأنقاض تتكسر تحت أقدامهم وهم يتقدّمون نحو الباب. فتح فانكو الباب بعنف، لتندفع من خلفه ريح محمّلة بالرماد والغبار.

تجمّدوا جميعاً. العالم في الخارج كان في حالة انهيار. المنازل تساقطت على بعضها، والناس يركضون ويصرخون، بعضهم عالق تحت الركام، وآخرون يسحبون أبناءهم بدماءٍ ووجوهٍ مغبرة.

على الرغم من ذعر الأم، إلا أنها تحركت بخطواتٍ سريعة نحو أقرب جريح وهي تصرخ:

"يا إلهي!!"

أما الأخت، فكانت تراقب كل شيء بتركيزٍ حاد. قبضت على ذراع والدتها لتمنعها من الاندفاع أكثر، وقالت بصرامة:

"أمي، لا تبتعدي!”

تبادل الجميع النظرات بسرعة، والاهتزاز ما زال يزداد.

في مكانٍ آخر من تلك القارة، بعيداً عن الجبال والمدن، كانت هناك جزيرة محاطة بأمواجٍ هائجة تتهاوى على الشاطئ بعنفٍ غير مسبوق. ارتفعت مياه البحر حتى غمرت الشوارع، والمنازل الخشبية بدأت تتفكك وتنجرف مع التيار. الهواء نفسه صار مالحاً وثقيلاً، يختنق به كل من يحاول التنفس.

فوق سقفٍ مائلٍ من القرميد الأحمر، وقف فتى في منتصف مراهقته، شعره الأحمر الفوضوي يتطاير مع الرياح، وسترته السوداء تلتصق بجسده الرياضي. قبض بيديه على حافة السقف كي لا تطيح به العواصف، بينما يندفع حوله الماء كوحشٍ هائج يحاول ابتلاعه.

وجهه كان بارداً كالصخر، لا خوف فيه ولا انفعال، عيناه تحدقان في السماء الخالية من الحياة. لم يكن هناك مصدر للضوء سوى نيران مشتعلة في يده اليمنى، تكون كرة صغيرة من النار.

تمتم بصوتٍ خافت:

"كان من المفترض أن يظهر البدر اليوم…"

عيناه الرماديتين أصبحتا أكثر حدة وهو ينظر إلى الأسفل. البيوت تتحطم، والفيضانات تأتي من كل اتجاه. الأطفال يركضون حفاةً وسط الفوضى، يصرخون بأسماء ذويهم، وأجسادهم الصغيرة تُسحب مع التيار.

صبيٌّ صغير كان يحاول الصعود على الحطام، لكن موجة قوية أطاحت به، فقطعت ذراعه عن جسده، واختفى صوته قبل أن يكتمل صراخه. آخر كان يجرّ أمه الغارقة، يضرب الماء بيديه الصغيرتين وهو يبكي بلا وعي، قبل أن تبتلعه دوّامة من الطين والماء الملوث بالدم.

ظلّ الفتى جامداً بلا حراك، اكتفى بالنظر من الأعلى، ثم رفع يده المشتعلة ليشعل بها سيجارة كانت بين شفتيه.

حين زفر أول دخانٍ من صدره، انطلقت فجأة صرخة مدوّية اخترقت صوت العواصف:

"أبيييييييييييييي!!!”

توقف الدخان في حلقه. اتسعت عيناه الرماديتان، كأن صوت ذلك الطفل قد اخترق شيئاً دفيناً داخله. شهق بحدة، وسقطت السيجارة من فمه لتغوص في الماء المتراكم أسفل قدميه.

الذهول الذي أصابه لم يكن من البرد… بل من ذكرى عادت له فجأة… ذكرى قديمة لصرخةٍ مشابهة، لطفلٍ آخر… في ليلةٍ مشابهة.

قفز الفتى من أعلى القرميد بخفةٍ مذهلة، وهبط بثباتٍ على الأرض المبللة، انثنى قليلاً، ثم اعتدل واقفاً.

انكشف خلف ظهره سيفٌ طويل، غمده أحمر لامع. مدّ يده اليسرى إلى الوراء، وأمسك المقبض بحركةٍ تلقائية، سحب النصل من غمده، وبدأ يتحرك بهدوءٍ قاتل، يقطع الركام المتساقط أمامه بدقّة.

قطع خشباً، ثم صخرة، ثم شظايا سقفٍ سقطت أمامه، ثم لاحظ شيئاً غريباً. بين المطر والهواء، بدأت ذرات سوداء دقيقة تتحرك بخفةٍ غير طبيعية، كأنها رمادٌ حيّ، تتجمع وتختفي، ثم تعود من جديد. مدّ يده محاولاً لمسها، لكنها مرّت من خلالها، ومع ذلك شعر بحرارةٍ لاذعة.

رفع عينيه إلى السماء المظلمة. هذه المرة استطاع أن يلمح الغيوم التي كانت تتلوّى ببطء، ثم انشقّت فجأة لتظهر خطاً بنفسجياً متوهّجاً يمتدّ من الأفق حتى أعلى السماء.

لم يكن موجوداً قبل لحظة، لكنه الآن واضح. تراجع خطوة إلى الوراء، وفي داخله، دوّى صوته متسارعاً بين الصدمة والدهشة:

'هل قرّر جدار القارة… الذي يعزلنا عن العالم… أن ينشق بعد ثلاثمائة وخمسٍ وسبعين سنة؟!'

في تلك اللحظة، دوّى انفجار بعيد من جهة البحر، تبعه صدى طويل. الرماد البنفسجي الداكن بدأ يتساقط من السماء كالثلج، ويذوب قبل أن يلمس الأرض.

2026/02/10 · 3 مشاهدة · 1161 كلمة
Chaos Tales
نادي الروايات - 2026