آكيو الذي كان متشبثاً بالجميع بكل ما تبقّى له من قوة، سمع صوتاً صغيراً يخترق صخب الزلازل والصرخات. صوت طفلة… كان مبحوحاً ومليئاً بالدموع.

التفت بسرعة، ليرى جسداً صغيراًً عالقاً تحت قطعة من السقف الخشبي وسط الركام المنهار. كانت الطفلة تصرخ وتبكي، عيناها متسعتان، تمدّ يديها في الهواء.

في لحظةٍ واحدة، انكمش العالم من حوله. لم يعد يسمع سوى صوتها. قلبه انقبض، واندفع نحوها دون تفكير. أفلت أيديهم جميعاً. صرخت والدته، ومدّ والده يده نحوه دون أن يتمكن من الإمساك به.

"آكيو! لاااااا!”

لكن صرخة الأم تلاشت وسط دويّ انهيارٍ جديد. لم يسمعهم… لم يفكر بشيء. كل ما كان يراه هو طفلة صغيرة تبكي تحت الأنقاض، والدم يغطي وجهها. ركض وسط الغبار والاهتزاز، غير آبهٍ بصوت والده الغاضب أو نظرة أخته المذعورة. كل ما كان في رأسه حينها هو فكرة واحدة فقط:

'يجب أن أنقذها… حتى لو متّ.'

اندفع آكيو بخفةٍ تتحدى الفوضى من حوله. جسده يتحرّك بعفوية مدهشة بدون أي تفكير. قفز فوق الألواح المتكسّرة، مدّ ذراعيه بسرعة خاطفة، وأزاح الركام الذي حاصر الطفلة. الشرر البرقي في جسده انبعث دون وعي، فاشتعلت أطراف الخشب المتساقطة وتفحّمت لحظة لمسها له.

رفع الأنقاض عنها دفعةً واحدة، ثم سحبها بين ذراعيه وأبعدها عن الخطر. تشبثت الطفلة في قميصه بعنفٍ وهي تبكي، لكنه ابتسم رغم النزيف في يده.

"اركضي… بسرعة!”

صوته خرج مبحوحاً، لكنه حنون. في داخله، اشتعل الخوف، لكنه لم يكن خوفاً على نفسه، بل شعور فوضوي بالمسؤولية. لكن الأرض خانته. في لحظةٍ واحدة، شقَّ الأرض صدع هائل إلى نصفين تحت أقدام عائلته. التفت آكيو في ذهول، ليجدهم يسقطون ويصرخون وسط الفوضى.

سقطت الأم أولاً… يدها ممدودة نحوه، وجهها ملوّث بالتراب، وصوتها يختفي وهي تُبتلع في العتمة. تعثرت الأخت بجانب الحفرة، تمسّكت بحافة الأرض بكلتا يديها، جسدها يتدلّى في الفراغ، ورجلاها تتأرجحان بلا توازن. صرخ فانكو بصوتٍ أجش وهو يحاول الوصول إليها، لكن الأرض كانت تتحرك بلا سيطرة.

ما إن استوعب آكيو المنظر الذي أمامه حتى ركض بكل ما يملك من سرعة نحو عائلته، وعيناه تتسعان من الرعب.

"أبييييي! أميييي! موراسااااااكي!!!”

لكن صوته ضاع بين الانهيارات ولم يصل. كما أنه لم يستطع الإمساك بأيٍّ منهم. توقف في منتصف الطريق، ركبتاه ارتجفتا، والدموع انحدرت من عينيه رغم محاولته حبسها. مدّ يده نحو الحفرة الخالية وهو يلهث، والبرق بدأ يشتعل مجدداً في جسده من شدّة الانفعال.

"ارجعي… أرجوكِ… أمي… أرجوكِ!”

تشبثت أخته موراساكي بحافة الأرض بأصابعٍ دامية، أنفاسها متقطعة، وذراعاها ترتجفان من شدّة الألم. تآكلت الأرض تحتها شيئاً فشيئاً، والغبار يخنقها وهي تصرخ بألمٍ حقيقيّ لم يسبق أن شعرت به من قبل.

"آكيووووو!!”

صوتها امتلئ بالذعر، عندما رآها آكيو انكمش قلبه دفعة واحدة. لم يفكر. لم يزن المسافة ولا الخطر. ركض بكل ما تبقّى من توازنه، والدم ما زال يقطر من يده المصابة. الأرض استمرّت بالانشقاق من خلفه وهو يركض.

حين أفلتت موراساكي يدها، خرجت منها صرخة تشِّق الهواء. لكن قبل أن تختفي في الحفرة، قفز آكيو نحوها، مدّ ذراعه بأقصى ما يستطيع، ثم أمسك بمعصمها في اللحظة الأخيرة. اندفع جسده إلى الأمام بقوة، وركبته اصطدمت بالأرض المتشققة، لكنه تمسّك بها بكل ما أوتي من طاقة.

"تمسكي!! لا تتركي يدي!!”

دموعها اختلطت بالغبار وهي تصرخ:

"آكيو… لا أستطيع… الأرض تنهار!”

شدَّ آكيو على يدها بكل ما يملك، عضلات ذراعيه تتقلص، وجسده يرتجف من الضغط. انزلقت أظافر موراساكي عن حافة الصخور المتهشمة، جسدها نصفه معلق في الهواء، والآخر يحاول التشبث بالحياة.

"آكيو… أتركني! لا فائدة!”

لكن آكيو لم يرد. لم يملك حتى الوقت ليتكلم. أسنانه تصطك، والعرق يمتزج بالدم الذي يسيل من ساعده وهو يسحبها بصمت. شعر بأن عظامه تكاد تتحطم، ومع ذلك، في لحظةٍ وحيدة من العناد الخالص، تحول كل الألم والغضب والخوف إلى صرخة انفجرت من صدره، وسحبها بقوةٍ وحشية جعلت جسديهما يرتطمان بالأرض.

بقي آكيو للحظةٍ مستلقياً على الأرض، صدره يرتفع وينخفض بعنف، وذراعه التي أمسك بها موراساكي ما زالت ترتجف بلا توقف، وأغلق عينيه ببطء.

بينما كانت الأرض تهتز تحت أقدام آكيو، وفي مكانٍ أبعد بكثير، حيث كان البحر يبتلع كل شيء في طريقه. في تلك الجزيرة المليئة بالفيضانات، لم يكن هناك وقتٌ للتفكير أو الخوف.

على سطحٍ مائلٍ من الأنقاض، كان الفتى ذو الشعر الأحمر يحاول فقط البقاء حيّاً. عيناه تتفحّصان الأرض ليبحث عن شيء يمكنه التمسك به وسط هذا الفوضى. قفز فوق حطام نافذة، ثم اندفع فوق سطح مائل لمنزلٍ نصفه غارق، ثم فوق لوح خشبي عائم.

بدأ يفكر في داخله:

'

الفيضان

أسرع

مما

توقعت

إذا

بقيت

على

نفس

الارتفاع،

سأغرق

مع

أول

موجة

عكسية

.

الجهة

الغربية

أخف

ازدحاماً،

فيهاارتفاع

طبيعي

.'

قفز مجدداً، استند على جدار نصفه مائل، وأخذ نفساً سريعاً وهو يحلل:

'ثلاثين

ثانية

كافية

لأصل

إلى

الحافة

التالية

.'

لكنه لم ير الحطام الزلق تحت قدمه. انزلقت قدمه اليمنى ليفقد توازنه بالكامل، وسقط مباشرة في قلب الفيضان. سقط جسده في الماء بعنف، والتفّت حوله تيارات قوية سحبته للأسفل قبل أن يتمكن من أخذ شهيقٍ كامل.

تحرك بسرعة وهو يحاول السباحة للأعلى، لكن التيار كان أقوى مما توقع. فتح عينيه تحت الماء، لكن الرؤية لم تكن واضحة. بدأ يركل بقدميه، لكنه لم يكن يطفو. ابتلع أول رشفة ماء. ثم ثانية. سعل بقوة وهو ما يزال تحت السطح، صدره بدأ يثقل.

ضغط على نفسه أكثر، حرك جسده بعنف رغم التعب، وبدأ يندفع تدريجياً نحو الأعلى، يضرب الماء بذراعه وساقه بكل ما تبقّى من قوة. وأخيراً… اخترق رأسه سطح الماء، وانفجر في الهواء بسعالٍ حاد وهو يلهث.

بقي يطفو لثوانٍ، ثم بدأ يبحث بعينيه عن أي قطعة خشب يتشبث بها… وأثناء ذلك، لم يكن خائفاً. كان غاضباً. غاضب من نفسه لأنه سقط وأخطأ التقدير. وغاضب لأن النجاة في هذا اليوم لم تعد مسألة مهارة فقط… بل حظ.

وبينما كان يطفو بصعوبة، التقطت عيناه مشهداً وسط الفوضى… بؤرة صغيرة من اليابسة لم يبتلعها الطوفان بعد، وسطها كان طفلٌ صغير ممدداً بلا حركة. جسده الصغير غارق في الطين، والدماء تتدفق من موقع ذراعه وساقه اليمنى المبتورتين بالكامل .

الطفل لم يكن يتحرك. لكن ما جعل الفتى يتجمد مكانه للحظة… كان ما فوق الطفل مباشرة. ركامٌ خشبي ضخم كان ينزلق من مبنى شبه منهار، ويسقط بشكلٍ عمودي نحو جسد الطفل. الوقت كان ضيقاً. ثانية… ربما أقل. لكن غريزته تحركت أسرع من التفكير.

عيناه اتسعتا، يده اليسرى ارتفعت فوق الماء دون أن يستقر بعد. أطلق من كفه كرة لهب سريعة ودقيقة، اخترقت الهواء المبلل، واصطدمت بالركام قبل أن يلامس جسد الطفل. انفجر الخشب في لحظة، اشتعل وتحول إلى رمادٍ متطاير وسط المطر، وسقطت الشظايا محترقة على الأرض حول الطفل دون أن تصيبه.

تنفّس الفتى الصعداء، وصدره يرتجف من فرط المجهود. لكن السكون لم يدم. الفيضان عاد للارتفاع. الماء زحف نحو الطفل حتى لامس أطرافه. ثم تجاوزها، ليبدأ جسده الصغير في الانزلاق ببطء، يطفو فوق سطح الماء، ثم بدأ بالغرق دون صوت، ودون مقاومة.

عينا الفتى اتسعتا أكثر. زمّ شفتيه بحدة، وزفر بقوة، ثم اندفع بكل ما بقي له من قوة.

'أحمق

مرةً

أخرى

تُخاطر

بكل

شيء

.

لمَ

لا

تنقذ

نفسك

فقط؟!'

كان يسبح ضد التيار، لكن هناك صورةً انزرعت في رأسه لم يستطع تجاهلها… طفلٌ آخر، في عمر هذا الغريق، وسط مدينةٍ تشتعل بالقصف.

صوته كان يصرخ وقتها:

"دان!!! أرجوك لا تتركني!!! أخييييييي!!!"

تلك الصورة لم تُمحَ من ذاكرته قط.

'ذلك

الطفل

كان

أنا

'

غطس الفتى دون تردد، واختفى جسده في الأعماق… كأنّه اختار أن يغرق أولاً، ليمنع طفلاً آخر من أن يُترك وحيداً كما تُرك هو من قبل. أمسك الفتى بالطفل بقوة، ذراعه تحيط بجسده النحيل.

صوت المياه في أذنيه كان مكتوماً، لكن صوتاً آخر من ذكرياته اخترق كل شيء:

"كييييييين!! اهرب يا بني!!”

تجمد لثانية. ذلك الصوت… يعرفه. صوت لم يسمعه منذ زمنٍ طويل، لكنه محفور في ذاكرته، مرَّ عليه آلاف المرات وهو يحاول نسيانه.

شدّ قبضته على الطفل أكثر، ثم بدأ يضرب الماء بساقيه وكتفه المصاب. حين اخترق كين سطح الماء أخيراً، زفر بقوة، واندفع يسبح بصمتٍ نحو أقرب قطعة من اليابسة. فجأة، شعر بيدٍ صغيرة تلتف حول كتفه. الطفل رغم نزيفه وإعياءه، كان ما يزال حيّاً… وتمسّك به.

2026/02/10 · 1 مشاهدة · 1246 كلمة
Chaos Tales
نادي الروايات - 2026