في أعماق الأرض، حيث اختلطت رائحة الرطوبة بالرماد، جلس كين داخل ممرٍّ ضيق من مجاري المدينة. الظلام كان كثيفاً، لكن الضوء البرتقالي المنبعث من النار التي أشعلها على الأرض كسر السواد، كاشفاً عن الجدران المعدنية المتآكلة وبخار الماء المتصاعد من الأنابيب المتشققة.
إلى جانبه، كان الطفل ممدداً على قطعة قماش مهترئة، أنفاسه بطيئة، وصدره يرتفع ويهبط بتعبٍ واضح. جروحه مضمّدة بقماشٍ أبيض تمزّق من قميص كين نفسه. الآن لم يكن يرتدي سوى سترة سوداء مفتوحة، تكشف عن صدره وعضلاته المشدودة التي تلمع بعرقٍ خفيف تحت ضوء النار.
جلس صامتاً لثوانٍ، يحدّق في النار الصغيرة أمامه كمن يفكر في ألف شيءٍ. ثم مدّ يده إلى جيبه الجانبي، وأخرج جهازاً صغيراً بيضاوي الشكل ، بحجم كفّه تقريباً، لونه رماديّ داكن وبه خطوط ضوءٍ خضراء خافتة على أطرافه.
ضغط على الأيقونة في منتصفه، فصدر صوتٌ خفيف يشبه النبض، وفجأة، انبثقت شاشة هولوغرامية كبيرة أمام الحائط، تُظهر صورة مهزوزة لبثٍّ إخباري.
"الزلازل مستمرة في جميع أنحاء قارة فالوريا، الجدار السماوي الشفاف الذي كان يفصل القارة عن العالم الخارجي لم يعد مستقرّاً، والشقّ البنفسجي ما زال موجوداً حتى هذه اللحظة… وهناك مئات الآلاف من الضحايا…”
صوت المذيعة كان متوتراً، متقطعاً، يختفي أحياناً بسبب ضعف الإشارة. كين لم يبدِ أيّ ردّ فعل، فقط نظر إلى الشاشة بتركيز، بينما عقله يحلل كل كلمة.
'الوضع
…
…
.
رفع رأسه قليلاً نحو السقف الذي يقطر الماء ببطء، ثم نظر إلى الطفل النائم قربه. زفر بهدوء، ثم تمتم بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع:
"على الأقل… نحن أحياء.”
تبدّلت الصور على الجدار أمام كين، وبدأت الشاشة الهولوغرامية تعرض بثّاً متسارعاً من قنوات مختلفة، تتداخل أصوات المذيعين، وتختلط الشعارات بألوانٍ متوترة.
"السلطات الفالورية تطلق على الكارثة اسم الصدع العظيم …”
"الخبراء يؤكدون أن الشق في السماء لم يكن ظاهرة طبيعية بل طاقة غير معروفة المصدر…”
"جزيرة أوراكانو تضرّرت بنسبة 80%، تم تسجيل مئات المفقودين وآلاف الجثث التي جرفها البحر…”
“الولايات السفلى أعلنت حالة الطوارئ، بينما تواصل فرق الإنقاذ عملها وسط استمرار الزلازل الثانوية…”
توالت اللقطات على الجدار بسرعة، مشاهد مروّعة للدمار، المدن الغارقة، والدخان المتصاعد من الجبال. صوت آخر بدأ يتحدث من قناةٍ أخرى، أكثر هدوءاً لكن نبرته حادة:
"أما في إمبراطورية زيتارا ، فقد كانت الأضرار محدودة نسبيّاً بفضل موقعها الجبليّ، لكن بعض الشهود تحدثوا عن وميضٍ غريب أضاء العاصمة لثوانٍ في اليوم الثاني من الكارثة. يُعتقد أن ذلك مرتبط بنشاط إحدى قدرات الفاكن النادرة.”
في اللحظة نفسها، بدأت الصورة تتشوّش، الألوان تتلاشى تدريجياً حتى تحولت الشاشة إلى ضوءٍ أبيض،
ثم تبدّل المشهد… الضوء الأبيض صار الآن ضوء شمسٍ باهت ، يعكس رماده على مدينةٍ مدمّرة. كانت زيتارا مختلفة تماماً عمّا كانت عليه. المنازل اليابانية الجميلة أصبحت أطلالًا محترقة، الجسور مائلة، والماء يقطر من بين الشقوق التي خلّفتها الزلازل.
وسط هذا الخراب، كان آكيو يسير بخطواتٍ بطيئة على الطريق الترابي المكسور، عيناه شاحبتان من الإرهاق، وثيابه ممزقة ومغبرة. مر يومان على الحادثة، وهو لم يذق النوم إلا دقائق متقطعة.
أمسك بحقيبةٍ صغيرة كان يحملها خلف ظهره. عيناه تبحثان وسط الركام، بين وجوه الناس المتعبين والمنازل المنهارة. لم يبقَ أحد من عائلته إلا موراساكي التي كانت تمشي خلفه بصمت، وشعرها الورديّ ملوث بالغبار. كلاهما يعرف الحقيقة، لكن لم يستطيعا قولها بصوتٍ عالٍ.
توقف آكيو فجأة، حدّق في الأفق وقال بصوتٍ خافت:
"أبي… هل ما زلت حيّاً؟”
رفع رأسه نحو السماء التي لم يتلاشى منها الشق البنفسجي بعد. في تلك اللحظة، تجمّد كل شيء من حوله. الناس يتحركون، الأطباء يصرخون، والجنود ينقلون الجرحى… لكن الزمن توقف بالنسبة لآكيو.
بين الغبار والدخان، لمح سرير طبي معدني يتحرك ببطء وسط الزحام، يكسوه غطاء أبيض يغطي الجسد الذي عليه، والدم ما زال ينزف من أطراف القماش. عندما انزلقت قطعة من الغطاء، رأى خصلة شعرٍ وردية تتدلى إلى الخارج.
اتسعت عيناه، تسارعت أنفاسه، وتحوّل شكّه إلى يقينٍ قاتل. صرخ دون وعي، واندفع يركض بكل ما تبقّى من قوة، وموراساكي من خلفه تصرخ باسمه وهي تلحق به.
"أمّـــــــــــــــي!!!”
صوته يمزق الهواء، يلتف بين الجدران المحترقة ويرتدّ كأن العالم كله يردّد صرخته. أمسك بالسرير قبل أن يدخلوه إلى غرفة الحرق ، سحب الغطاء بعنف، ورآها… وجهها الذي كان يبتسم له كل صباح صار الآن بارداً، مائلاً إلى الرمادي، وعيناها مغلقتان بهدوءٍ قاسٍ.
انهار على الأرض، يده ترتجف وهي تمسك بيدها الباردة. الدموع سالت بلا توقف، واختلطت بالرماد على وجهه.
"أمي… أمي، انهضي… أرجوك.”
موراساكي ركعت بجانبه، حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خرج متقطعاً، مبحوحاً من البكاء. آكيو بكى بصوتٍ عالٍ، دون أن يحاول أن يكون قوياً، كأن كل ما في داخله من طاقةٍ وانفعالٍ خرج دفعةً واحدة.
في ذهنه، توالت صورها… ضحكتها، صوتها وهي تناديه باسمه، يدها التي تمسح على شعره عندما كان يخطئ. كانت تحبه بصدقٍ نادر، رغم أنه ليس ابنها الحقيقي . نادتهُ “ابني” بصوتٍ يجعل الجميع يصدق أنه حقاً كذلك.
والآن… ذلك الصوت لن يُسمع مجدداً. تجمّد مكانه، عيناه معلّقتان بوجهها الساكن، والنار في المحرقة بدأت تشتعل خلف الزجاج. في تلك اللحظة، شعر آكيو بشيءٍ يتبدّد داخله… كأن النور الذي كان يضيء قلبه منذ الطفولة قد انطفأ بهدوء، ولم يترك خلفه سوى فراغ.
مرّت ثلاثة أشهر منذ تلك الليلة التي غيّرت كل شيء. السماء استعادت لونها تدريجياً، لكن قلوب الناس لم تستعد طمأنينتها بعد. الزلازل توقفت، والأنقاض أُزيلت، وفي أحد الأزقة الجانبية من العاصمة، أعاد آكيو و موراساكي ترميم منزلهم القديم بمساعدة والدهم فانكو الذي عثرا عليه أخيراً بعد أسابيع من البحث.
في فناء المنزل، وقف آكيو في منتصف الساحة، ممسكاً بسيفين خشبيين . عرقه يتصبب من جبينه، لكن عينيه تلمعان بعزمٍ واضح.
رفع السيف الأول بخط مستقيم نحو الأمام، ثم دار حول نفسه بخفة، وضرب بالثاني في الاتجاه المعاكس. لم تكن حركاته مثالية، بل فيها رعشةُ مراهقٍ لم يكتمل تطوره بعد، لكنها مليئة بالإصرار. تكررت الضربات مرة بعد مرة.
كانت موراساكي تراقبه من بعيد وهي تجلس على الدرج الخشبي. قطع آكيو الهواء بضربةٍ قوية، توقف بعدها ليلتقط أنفاسه، ثم تمتم بصوتٍ خافت وهو يحدق في الأرض:
"لن أبكي بعد الآن… أمي لم تكن تريد هذا.”
رفع رأسه نحو السماء، والشمس الغاربة انعكست في عينيه:
"لقد وعدتها… وعدتها بأنني سأصبح أقوى… وسأحقق هدفي… وسوف أصبح الشوغن القادم لهذه القارة!”
عاد ليقبض على سيفيه مجدداً، وضرب الهواء بقوةٍ جعلت الغبار يتطاير من حوله.
أما في جزيرة أوراكانو ، فقد بدا المشهد أشبه بمقبرةٍ واسعة. البيوت المتهالكة صارت أكواماً من الخشب والحديد، والشوارع القديمة التي كانت تضجّ بالحياة تحولت إلى ممرّاتٍ من الطين والرماد. وسط هذا الخراب، كان هناك منزلٌ واحد فقط ما زال قائماً ، جدرانه متماسكة وسقفه صامد، لأنه بُني بإحكامٍ وسط فوضى منازل العشوائيات.
ومن بابه خرج كين بخطوات بطيئة، بوجهٍ خالٍ من أي تعبير. يرتدي قبعةً بيضاء بسيطة ، وقميصاً أبيضاً بأكمامٍ قصيرة، وسروالاً داكناً. في فمه سيجارة نصف محترقة . خلف ظهره، كان سيفه معلّقاً في حزامه الجلديّ .
توقّف عند المدخل للحظة، ثم أطلق زفرة دخانٍ طويلة. بدأ يمشي عبر الأزقة، والدخان يتلاشى خلفه.
مرت عدة دقائق من التجوّل، ليصل إلى بقايا سوقٍ صغير من الأكشاك مهدّمة، واللافتات المتساقطة، لكن جداراً واحداً بقي واقفاً، مغطّىً بعشرات الإعلانات الممزقة والأوراق الباهتة.
توقف أمامه، سحب السيجارة من فمه، وأسند يده إلى الحائط. كانت بعض الأوراق تتحدث عن المفقودين، وأخرى عن المساعدات والإغاثة. لكن واحدة فقط لفتت نظره. ورقة نظيفة نسبياً، كُتب في أعلاها بخطٍ واضح:
[الانتقاء السنوي للمقاتلين الشباب — الدورة السابعة والثمانون.]
تحت العنوان، كُتِبَت التفاصيل بخطٍ أصغر:
[سيُقام الانتقاء في غضون أسبوعين، في قلب جزيرة أوراكانو. المشاركة مفتوحة لكل من تجاوز الثالثة عشرة من العمر. الفائزون سيصبحون جزءاً من نخبة المحاربين، تحت إشراف منظمة "آركان" للثوار.]
ظلّ كين يقرأ بصمت، ثم رفع حاجبه قليلاً وكأن شيئاً في الإعلان أثار اهتمامه. أعاد السيجارة إلى فمه، ونفث الدخان ببطء وهو يحدق في الورقة لثوانٍ طويلة، شيءٌ ما في الكلمات جعله يتوقف عن التنفس للحظة. كلمة “المقاتلين” تحديداً.
الرياح هبّت، واهتزت الإعلانات الأخرى حوله، لكن الورقة أمامه بقيت ساكنة… إلى أن قبض عليها فجأة بكل قوته. كوّرها ببطء، نظراته تحولت من الهدوء إلى الحدّةٍ حارقة، وبدأ يلمع في أطراف أصابعه وميضٌ ناري خافت.
"الانتقاء،
…
.
رمى الورقة المكورة أرضاً، وسحقها بقدمه، لكن الغضب في داخله لم يهدأ… بل بدأ يتّقد أكثر.
الذكريات اندفعت دفعة واحدة: المدينة المشتعلة، صرخات الأطفال، والسماء الحمراء. وصوتٌ واحد ظلّ يعلو فوق كل شيء… اسمٌ لم يتوقف عن ملاحقته.
رفع رأسه نحو الأفق، عيناه تومضان بنارٍ حقيقية هذه المرة، وهمس بصوتٍ منخفض، لكنه حاد كالنصل:
"سيروس…”
تصلّب فكّه، وأحنى رأسه قليلاً، ثم سار مبتعداً عن الجدار. لأول مرة منذ سنوات، لم يكن كين يمشي هرباً من ماضيه… بل نحو انتقامه.