المجلد الأول: البذرة التي رفضها البرج

الفصل الأول

فتى عند سفح البرج

“كل من يعيش عند سفح البرج يحلم بالصعود… لكن القليل فقط يجرؤ على دفع الثمن.”

كان الفجر قد بدأ يبدد ظلام الليل، بينما تسللت خيوط الضوء البيضاء بين قمم الأشجار العملاقة التي أحاطت بمدينة إيدن من جهاتها الثلاث.

أما الجهة الرابعة…

فلم يكن فيها سوى البرج.

وقف شامخًا في الأفق، يخترق السماء حتى اختفى رأسه بين السحب السوداء، وكأن العالم كله بُني حوله.

لم يكن أحد من سكان إيدن يتذكر زمنًا لم يكن البرج موجودًا فيه.

كان هناك دائمًا…

صامتًا…

هائلًا…

ومخيفًا.

طاخ!

ارتفع صوت الفأس وهي تضرب جذع شجرة يابسة.

ثم ضربة ثانية.

وثالثة.

حتى سقطت الشجرة أخيرًا على الأرض محدثةً اهتزازًا خفيفًا.

أطلق الشاب الذي أمسك بالفأس زفيرًا طويلًا، ثم مسح العرق عن جبينه بطرف كمه.

كان اسمه…

آرثر .

شاب في السادسة عشرة من عمره، ذو شعر أسود قصير وعينين رماديتين، لم يكن طويل القامة مقارنة بأقرانه، لكن جسده كان متماسكًا نتيجة سنواتٍ من العمل الشاق.

منذ أن توفيت والدته واختفى والده قبل أعوام، لم يبق له في هذا العالم سوى جده.

ولذلك، كان يستيقظ كل يوم قبل شروق الشمس ليجمع الحطب ويبيعه في السوق، قبل أن يتوجه إلى الأكاديمية.

رفع الحزمة الخشبية الثقيلة ووضعها على كتفيه.

ابتسم رغم التعب.

“سيكون الجد سعيدًا اليوم…”

“قلت لك إنك ستتأخر!”

التفت آرثر نحو مصدر الصوت.

كانت فتاة تركض نحوه بخطوات سريعة، تحمل في يدها سلة صغيرة مليئة بالخبز.

توقفت أمامه وهي تلهث.

“كم مرة أخبرتك ألا تذهب إلى الغابة وحدك؟”

ابتسم آرثر.

“لم يحدث شيء.”

عقدت حاجبيها.

“هذه ليست إجابة.”

ضحك بخفة.

“صباح الخير يا ليونا.”

تنهدت الفتاة باستسلام.

“صباح الخير.”

ليونا…

صديقة طفولته، وجارته منذ سنوات طويلة.

كانت توبخه دائمًا، لكنها أول من يساعده عندما يحتاج إلى شيء.

ناولته قطعة خبز دافئة.

“جدتك…”

ثم توقفت فجأة، وقد أدركت خطأها.

انخفض صوتها.

“أقصد… صنعتها أمي.”

ابتسم آرثر وهو يأخذها.

“شكرًا.”

كان الطريق المؤدي إلى المدينة مزدحمًا منذ ساعات الصباح الأولى.

التجار ينادون على بضائعهم.

الحدادون يطرقون الحديد.

والأطفال يركضون في الأزقة وهم يحملون سيوفًا خشبية، يقلدون المتسلقين.

رفع أحد الصبية سيفه الخشبي وصاح:

“أنا سأصل إلى الطابق الخمسين!”

ضحك رفاقه.

“بل ستبكي عند الطابق الأول.”

ابتسم آرثر وهو يمر بجانبهم.

تذكر نفسه قبل سنوات.

كان يقول الكلام نفسه.

وما زال يؤمن به.

وسط الساحة الرئيسية ارتفع تمثال ضخم لرجل يحمل سيفًا طويلًا، بينما كانت قدماه تستندان إلى قاعدة نُقشت عليها كلمات قديمة:

“لا يولد المتسلق قويًا… بل يصبح كذلك.”

توقف آرثر أمام التمثال للحظات.

كان والده يقف هنا دائمًا.

ويخبره أن كل متسلق عظيم بدأ بخطوة واحدة.

رفع بصره نحو البرج.

“سأصعد…”

همس بها لنفسه.

“مهما استغرق الأمر.”

“آرثر!”

جاءه صوت جهوري من خلفه.

استدار فرأى رجلًا ضخم البنية يلوح له من أمام متجر الحدادة.

كان العم هارولد ، حداد المدينة.

ابتسم الرجل.

“تعال.”

اقترب آرثر.

ألقى الحطب على الأرض.

قال هارولد وهو ينظر إلى ذراعيه:

“تزداد قوة كل شهر.”

ابتسم آرثر بخجل.

“بفضل العمل.”

ضحك الحداد.

“العمل وحده لا يصنع هذه العضلات.”

ثم أخرج سيفًا خشبيًا قديمًا ووضعه بين يديه.

“خذه.”

نظر آرثر إليه بدهشة.

“لكنه…”

قاطعه الرجل.

“هدية.”

“سمعت أن اختبارات الأكاديمية ستبدأ بعد أيام.”

“لن تدخلها ويداك فارغتان.”

قبض آرثر على السيف بقوة.

كانت هذه أول مرة يمتلك فيها سلاحًا خاصًا به.

انحنى باحترام.

“لن أنسى هذا الجميل.”

ربت هارولد على كتفه.

“عندما تصبح متسلقًا مشهورًا…”

ابتسم.

“لا تنسَ حدادًا عجوزًا مثلي.”

غادر آرثر السوق، والسيف الخشبي معلق على ظهره.

كان قلبه ينبض بحماس لم يشعر به منذ زمن.

لم يكن يعلم…

أن الأيام القادمة ستسلبه هذا الحلم كله.

لكنها…

ستمنحه طريقًا لم يسلكه أحد منذ آلاف السنين.

وكانت تلك البداية…

لبذرة رفضها البرج.

نهاية الفصل الأول

2026/07/05 · 2 مشاهدة · 583 كلمة
Baqer AL-sray
نادي الروايات - 2026