المجلد الأول: البذرة التي رفضها البرج
الفصل الثالث
وعد تحت السماء
“بعض الوعود تُقال ببراءة… لكن الزمن يحولها إلى قيود لا يمكن كسرها.”
مع غروب الشمس، اكتست مدينة إيدن بلون برتقالي هادئ.
بدأت المحال التجارية بإغلاق أبوابها واحدًا تلو الآخر، بينما ارتفعت رائحة الخبز الطازج من الأفران المنتشرة في الأحياء القديمة.
كان آرثر يسير عائدًا إلى منزله، يحمل كيسًا صغيرًا من الدقيق وبعض الخضراوات التي اشتراها بأجر يومه.
في الطريق، مر بجانب مجموعة من الأطفال يركضون وهم يصرخون بحماس.
“أسرع!”
“أنا أول من سيصل إلى البرج!”
“لا! أنا من سيهزم زعيم الطابق الأول!”
ابتسم آرثر دون أن يشعر.
كان يرى نفسه فيهم.
أحلام بسيطة…
لكنها كانت كافية لتجعل الإنسان يبتسم.
عندما وصل إلى منزله الصغير عند أطراف المدينة، كان جده يجلس أمام الباب يصلح شبكة صيد قديمة.
رفع العجوز رأسه ما إن لمح حفيده.
“تأخرت.”
ابتسم آرثر وهو يرفع كيس الطعام.
“العم هارولد احتاج إلى بعض المساعدة.”
أخذ الجد الكيس ووضعه جانبًا.
ثم نظر إلى السيف الخشبي المعلق على ظهر آرثر.
“إذن… أعطاك إياه.”
هز آرثر رأسه.
“قال إنه سيكون مفيدًا في الأكاديمية.”
ابتسم الجد ابتسامة خفيفة، لكنها سرعان ما اختفت.
“اعتنِ به.”
“حتى السيف الخشبي قد ينقذ حياة صاحبه.”
توقف آرثر لحظة.
كان جده يقول دائمًا جملًا غريبة كهذه.
وكأنها ليست نصائح…
بل ذكريات.
بعد تناول العشاء، خرج آرثر إلى التلة الصغيرة خلف المنزل.
من هناك…
كان البرج يبدو أوضح من أي مكان آخر.
وقف بصمت، يراقب السحب وهي تدور حول قمته.
لم يكن يعرف كم يبلغ ارتفاعه.
ولا أحد في المدينة كان يعرف.
حتى المتسلقون الذين وصلوا إلى الطوابق العليا…
لم يتحدثوا يومًا عن النهاية.
اقتربت منه خطوات هادئة.
“كنت أعلم أنني سأجدك هنا.”
التفت.
كانت ليونا تحمل أربعة أكواب خشبية من شراب الأعشاب الساخن.
وخلفها إيثان وكايل.
جلس الأربعة فوق الصخور المطلة على المدينة.
ساد الصمت للحظات.
لم يكن صمتًا محرجًا.
بل صمت الأصدقاء الذين لا يحتاجون إلى الكلام دائمًا.
قطع كايل الصمت وهو يرمي حجرًا صغيرًا نحو الوادي.
“بعد أيام قليلة…”
“…سنصبح طلابًا في الأكاديمية.”
ابتسم إيثان.
“إذا نجحنا.”
نظر إليه كايل ساخرًا.
“بل عندما ننجح.”
ضحكت ليونا.
“ثقتك بنفسك لا حدود لها.”
أجاب وهو يشير إلى نفسه بإبهامه.
“هذه ليست ثقة…”
“…بل حقيقة.”
انفجر الجميع ضاحكين.
حتى آرثر.
قالت ليونا بعد أن هدأت الضحكات:
“هل فكر أحدكم فيما سيفعله بعد التخرج؟”
رفع إيثان رأسه نحو البرج.
“سأنضم إلى نقابة المتسلقين.”
“أريد أن أصبح أقوى محارب في المدينة.”
ابتسم كايل.
“أما أنا…”
“…فسأصل إلى الطابق المئة.”
نظر إليه الجميع بدهشة.
“المئة؟”
هز كتفيه.
“ولم لا؟”
“إن كان أحدهم قد وصل إليها، فأنا أستطيع أيضًا.”
التفتت ليونا نحو آرثر.
“وأنت؟”
بقي صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم قال بهدوء:
“لا أعرف إلى أي طابق سأصل.”
“لكن…”
“لا أريد أن أقضي حياتي أنظر إلى البرج من الأسفل.”
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم وقف آرثر ومد يده إلى منتصف الدائرة.
نظر إليه أصدقاؤه باستغراب.
قال بابتسامة:
“فلنقطع وعدًا.”
“مهما حدث…”
“لن نتخلى عن بعضنا.”
تبادل الثلاثة النظرات.
ثم وضعت ليونا يدها فوق يده.
“أوافق.”
تبعها إيثان.
“وأنا أيضًا.”
أما كايل…
فابتسم ابتسامة واسعة ووضع يده أخيرًا.
“إذن…”
“سنصعد البرج معًا.”
شد آرثر قبضته.
“وسنصل إلى القمة.”
ردد الأربعة بصوت واحد:
“معًا.”
في تلك اللحظة…
لم يكن أي واحد منهم يعلم…
أن هذا الوعد سيبقى محفورًا في قلب شخص واحد فقط.
حل الليل.
افترق الأصدقاء، وعاد كل منهم إلى منزله.
لكن في أحد الأزقة المظلمة، كان رجل يرتدي عباءة رمادية يقف فوق سطح أحد المباني.
كانت عيناه تتابعان آرثر حتى اختفى بين البيوت.
أخرج ورقة صغيرة، وكتب عليها بضعة أسطر بسرعة.
ثم لفها حول قدم طائر أسود.
أطلقه في السماء.
اختفى الطائر بين الغيوم في اتجاه البرج.
أما الرجل…
فاكتفى بالهمس:
“وجدناه.”
ثم اختفى في الظلام، وكأنه لم يكن هناك من الأساس.
في تلك الليلة…
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
وصلت رسالة إلى شخص مجهول في مكانٍ لا يعرفه أحد.
وكان اسم واحد فقط مكتوبًا فيها.
آرثر.
نهاية الفصل الثالث