6 - صرخة الخبز والحليب

عاد مارك، الجندي البسيط، من عمله في خطواتٍ متعبة، يحمل على كتفيه ثقل الوطن وخوف القلب. كانت الشمس توشك أن تودّع الأفق، وقد خبّأ في معطفه أوراقًا خطّها بيديه، جمعها سرًا مع إيميلي، يفضحان فيها المستور من جرائم الملك، ويؤرّخان لبذور الوعي التي بدأت تتفتّح في القلوب.

دخل داره الصغير، فركض إليه ولداه وضحكاتهما تكسر صمت الجدران. جلس على الأرض، يضمّهما، وفي عينيه شوقٌ لا يقدر الزمن أن يُطفئه. كانت زوجته قد فرشت ما تيسّر من العشاء: رغيفًا يابسًا وكوبًا من الحليب، وجلست بصمت تنظر في الطبق دون أن تمسّه.

قال مارك بنبرةٍ دافئة:

– "لمَ لا تأكلين؟"

رفعت رأسها، تتأرجح بين الحبّ والغضب، ثم انفجرت:

– "أتسألني؟ كيف آكل وأنا أراك تقترب كلّ يوم من الهاوية؟ هل نسيت كول؟ هل نسيت كيف اختفى خلف القضبان، دون أن ينظر إليه أحد؟ أأنت مجنون؟ تفعل ما تفعله مع تلك الفتاة؟! هل تظنّ أن الملك سيتركك؟ إن لم تترك هذا الطريق، سأبلّغ عنك بنفسي! أنا لا أريد أن يكبر أولادي بلا أب، لا أريد أن يدفعوا ثمن أحلامك!"

ظلّ مارك صامتًا، وعيونه تحدّق في الخبز الجافّ والحليب البارد، كأنّهما يرويان قصة الفقر والكرامة في آنٍ معًا. سحب الأوراق من معطفه، نظر إليها طويلاً، ثم همس:

– "هل يكون الصمت نجاةً؟ أم موتًا مؤجلاً؟"

وأسدل الليل ستاره على بيتٍ تملؤه الهموم، لكن الأوراق ظلّت في يد مارك، شاهدةً على قلبٍ يخشى الخيانة أكثر من الموت.

وكانت الريح تهمس له: "من يصمت عن الحقّ… شيطانٌ آخر." أغلق "مارك" الباب خلفه بعد نقاشه مع زوجته، وشعر أن الدار تضيق به رغم فقرها واتساع جدرانها الخشبية.

نظر إلى أبنائه النائمين، تقلب أحدهم وهمس بكلمة لم تُفهم، فابتسم بحزنٍ وهمس لنفسه:

"لو يعلمون أن أباهم يسير فوق نارٍ تحت الرماد."

خرج إلى الشرفة الخشبية المهترئة، وجلس على صندوق قديم كان يُستخدم لحفظ الفحم.

أخرج ورقة، وكتب فيها بخطٍّ مهتز:

"ليست الثورةُ رصاصةً فقط… بل هي فكرةٌ تُزهرُ في عقلٍ واحد، ثم تشتعل في قلوب الألف."

وضع الورقة في جيبه، وهو يعلم أن الهواء قد يسرقها… لكنّه لم يعد يخاف الفقد، طالما زرع الفكرة.

وقرر مارك أنه سيكمل طريقه في تخليص العلم من ظلم وفساد الملك . وفي جانب من القرية

وفي بيتٍ من صفيح، كانت فتاة صغيرة تُدعى "لارا" تحمل دميتها الممزقة، وتخبّئ تحت ثوبها ورقة منشور كتبت عليه إيميلي.

دخلت أمها فجأة وقالت لها:

"ما هذا الذي تخبئينه؟"

قالت بخوف:

"مجرد كلمات يا أمي… لا تخافي، لن أوزّعها."

سكتت الأم، ثم احتضنتها وقالت:

"بل وزّعيها يا صغيرتي… إن صمتنا، لن يكون لكم مستقبل." وكان

أحد الضباط يقرأ تقريرًا عن زيادة الشعارات على الجدران ليلاً.

همس لحارسه:

"من ينشرها ليسوا رجالاً… إنهم نساء، وأطفال."

ردّ الحارس ساخرًا:

"هل نخاف من الأطفال؟"

قال الضابط وهو يطفئ سيجارته:

"نعم… فالأطفال لا يُجاملون… بل يقولون الحقيقة كما هي."

وفي الليل، مرّ كارل بشوارع القرية دون حراسه.

رأى على أحد الجدران جملة كتبها أحدهم بالفحم:

"من لم يَخُن ضميره، لا يحتاج سلاحًا ليحارب."

وقف كارل مطولاً أمامها، ثم أمسك الحائط الذي كتب عليه الجملة ونظر ايه بإبتسامة شديدة وفرحة وكان يعلم أن هذه القرية لم تبقي في ظلامها وان الوعي بدأ يزداد في هذه القرية وأن هناك شمس جديدة تشرق رغم كثرة السحب والضباب في السماء .

2025/06/21 · 11 مشاهدة · 506 كلمة
جني
نادي الروايات - 2026