في أعماق الليل، حيثُ لا يُسمع سوى أنين الرياح وصوت الخُطى الحذرة، كانت الحكاية تبدأ من جديد. انتشر الوعي كالعدوى، وانتقل من فمٍ إلى آخر، ومن قلبٍ إلى قلب، دون أن يُمسك به أحد.

في غرفةٍ متصدعة تحت الأرض، اجتمع مارك، وإيميلي، ورجلان آخران من عامة الشعب، أحدهم حطّاب، والآخر معلم صامت. الخرائط مفروشة على الأرض، والكلمات تُهمَس كأنها أسرار الحياة أو الموت.

قال مارك وقد ارتسمت على وجهه ملامح التعب:

ـ "لقد بدأ الملك بالشك، وهناك من يراقبنا. أحدهم تسرّبت منه معلومة... ولست واثقًا من هويته."

قالت إيميلي بحزم:

ـ "ليُصبّ الشك عليّ إن شئتم، فأنا لن أتراجع. لقد مات غيلبرت، ولن يموت غيره دون ثمن."

سكت الجميع. كانت كلماتها أشبه بسهم، اخترق الصدر وأشعل النار في القلوب.

في تلك الأثناء، كان الحاكم لوكاس يضرب الأرض بقدمه وهو يصرخ:

ـ "أين ذهب ولاء الشعب؟ من تجرّأ على الخروج عن طاعتي؟!"

وقف أحد مستشاريه وقال:

ـ "يا مولاي... الشرارة اشتعلت من جديد."

في تلك الليلة، ألقي القبض على أحد أعضاء الحركة، رجل فقير، كان يوزّع منشورات توعية تحت ظلال الليل. عُلّق على المشنقة أمام القرية. ولم يكن ينطق بشيء، إلا جملةً واحدة:

"إنه ليس وداعًا... إنها بداية الطريق."

وبينما علت صرخات الناس المكتومة، كانت عينا إيميلي تدمع، ولكنها لا ترتجف. مارك شدّ قبضته، وقال:

ـ "لم يعد الصمت خيارًا. الشرارة اشتعلت... ولن تنطفئ."

رغم أن المدينة كانت تبدو نائمة، إلا أن همسًا غريبًا بدأ يتردد بين الأزقة.

لم تكن ضوضاء ولا أصوات اشتباك، بل كانت نظرات... وعيون تقرأ بعضها، كأنها تفهم دون أن تنطق.

في كل زاوية، ولد يحمل منشورًا، يتظاهر بأنه يلهو، ويخبئ الورقة تحت الحصى.

وفي كل بيت، أمّ تحكي لأطفالها حكاية "الملك الظالم" بصوت خافت، وتختمها:

"لكن في النهاية، سقط، لأن الناس لم تعد تخاف."

جلس "مارك" في ساحة قديمة بجوار جدار مليء بالشروخ، يقرأ ورقة صغيرة جاءت من إيميلي، كُتب فيها:

"الشمس لا تُحب الظلم، والظلال تُفضَح عندما تشرق."

أغمض عينيه للحظة، شعر أن قلبه يشتعل من الداخل، ليس غضبًا فقط… بل توقًا للحرية.

أما "كارل"، فكان يسير وسط المدينة ببذلته الفاخرة، يُظهر الولاء، ويخفي النار.

لم يكن خائنًا للملك فقط… بل خائنًا للماضي الذي صنعه فيه.

رأى طفلًا يرسم بالطباشير على الرصيف، فاقترب ليرى ماذا يرسم…

كان يرسم مقصلة، وفوقها التاج.

لم يبتسم كارل، بل سقط منه نفسٌ عميق… كأن روحه القديمة بدأت تُدفن أخيرًا.

في تلك الليلة، عُلّقت ورقة واحدة على باب القصر الملكي دون أن يراها الحرس، وكتب عليها:

"حين لا يبقى شيء نخسره، يصبح كل شيء ممكنًا."

وبدأ العدّ التنازلي، ليس للثورة فقط… بل للحقيقة أن تنفجر.

وفي تلك الليلة الملبدة بالقلق، جلس رود في وحدته العسكرية، يقلب بين يديه رصاصة فارغة، كانت قد أُطلقت في إحدى المعارك.

لم تكن مجرد قطعة معدن… بل كانت تذكيرًا بكل الأرواح التي سُحقت من أجل أوهام الملك.

همس لنفسه:

"لسنا جنودًا… نحن آلات قتل تُسيّرها الخوف."

وفي الشارع المقابل، كانت إيميلي تُخفي منشوراتها داخل رغيف خبز، وتبتسم لطفلة فقيرة تلتقطه…

هكذا كانت الثورة تُخبَّأ:

في طعام الجياع… وكلمات الأحرار.

وهذه الخطط الذكية كانت سببا في بداية ثورة لا رحمة فيها للقضاء علي الملك الظالم وأتباعه والعيش حياة كريمة وسط جيل لا يرضي بالذل والخضوع ابدا .

2025/06/21 · 11 مشاهدة · 501 كلمة
جني
نادي الروايات - 2026