2 - الفصل الثاني: نازلي في المخاض

الفصل الثاني : نازلي في المخاض

***

شعرت بنفسها وكأنها داخل متاهة .. متاهة الضياع شرنقة العذاب تسحبها إليها

شعور مخيف تملكها دوامة الرعب تجرجرها وتكاد تبتلعها إلى أعماقها السوداء لا تزال تحاول أن تفهم حتى الآن كيف تمكن ذلك اللئيم من إيقاعها بهذا الشرك وكيف ألقى بخيوط العنكبوت ليتمكن من أسرها داخل هذه الشرنقة الفظيعة و كيف ستستطيع الافلات والهرب بأجنحتها والطيران بعيدا عنه الأن كحمامة وقعت بين أنياب صقر هذا ما فكرت به (نازلي) وكادت أن تفلت منها ضحكة ذلك أنها قد تخيلت نفسها حقا كالحمامة البيضاء و(قيس) هو الصقر الذي يريد أن يقيدها ويسجنها في سجنه لولا أن جدية الموقف لا تسمح بذلك فما يحيرها ويفتك بأعصابها هو ما ينوي فعله لاحقا هي تعلم أنه لن يسكت على ما حدث بالحفل فهي تتذكر جيدا يوم انفصالهمات التي نطق بها والتي تم حفرها في أعماق ذاكرتها متوغلة في ثنايا عقلها : لن تهربي مني يا (نازلي) فأنت لي مهما حدث أنت لي وحدي؟ الآن ملايين من الأفكار تتلاطم في ذهنها كأمواج تتصادم ببعضها بين مد وجزر فتارة يلقيها التفكير في ماذا ستفعل مع (قيس) ومن دعاه أصلا للحفل أعني هي تدري بالطبع أنه صديق العريس ابن عمتها(جواد) غير أنه باتت تراه متطفلا وغير مرغوب به وما كان عليه أن يأتي أصلا؟ فهي لا زالت تشعر بالرعب وترتجف كلما أغمضت عيناها يلوح لها وجهه الغاضب وكلماته المهددة في الحمام : اسمعيني يا(نازلي) لا مفر لك مني فأنت كنت وستبقين لي طيلة حياتك ؟

كلماته هذه أفزعتها وأشعرتها بالذعر ذلك أنها تعلم تمام المعرفة أنه ليس مجرد تهديد مبطن بل تحذير صريح بعدم ارتكابها الأخطاء وهي ما الذي فعلته في ذاك الحفل المهزلة كما خطر لها أن تسميه ذلك أن كل ما حدث هناك غير معقول البتة فمنذ ساعة تقريبا خرجت ولا أزال أفكر به فلا أستطيع محوه من عقلي البتة؟ قالتها بحسرة وهي تنظر للساعة الجدارية المعلقة فوق فكل ما حدث هناك في الحفل يخنقها يمتص منها طاقتها وقدرتها على التفكير بشكل سليم ويبث بها مشاعر الكسل والخمول الذي بات يثقل جسدها ويخنق روحها ...بدئا من رؤيتها لزوجها السابق إلى تلك المهزلة التي افتعلها ابن عمها(زكريا) الأحمق والذي خطر له أن يقوم بإعلان زواجهما أمام أنظار من؟

أنظار(قيس)؟؟ اللعنة سيقتلني دمدمت بذلك وهي تكاد تعض أصابعها ندما لحضور هذا الزفاف المقرف في نظرها فتبا كان تلك أكثر حادثة أرهقتها بكل حياتها فلم تتصور يوما أن يتم زواجها بتلك الطريقة الشنيعة على الاطلاق الأن في هذه اللحظات تشعر بأنها حقا ضائعة حزينة تائهة خائفة محتاجة.. بحاجة لأحد ما كي تحكي كي تشكي له مشاكلها أحد ما تتكئ على ظهره فيبحر ويأخذها لبر الأمان ذاك البر الذي ستتمكن فيه من إيجاد حلول لمشاكلها المستعصية والتي يبدو أنها غير قابلة للحل على الاطلاق ثم تذكرت الرجل الذي صار زوجها شرعا

ـ يا له من غبي ومخبول : هذا ما فكرت به (نازلي) بمرارة

قبل أن تتفطن لفكرة مرعبة أقلقتها بل صعقتها :ماذا لو فكر (قيس) بأن يؤذي (زكريا) أو الأسوأ أن يقتله ؟ ويغتاله (قيس) بطريقة ما ولما لا هو مجنون شرير زعيم مافيا والقتل عنده أسهل من شربة ماء عند هذا الحد بدأت أسنانها تصطك ببعضها البعض من الذعر الذي أصابها من فكرتها هذه وقبل أن تلتقط الهاتف وهي عازمة على الاتصال ب(زكريا) للاطمئنان عليه أيقظنها من عالم تفكيرها اللامحدود بنهاية كل هذا وشرودها صوت الهاتف وهو يرن في يدها ألقيت نظرة على المتصل ليشحب وجهها تماما وتحل عليها الصدمة ويبدأ قلبها بالخفقان بقوة مهولة : إنه (قيس) يا ربي ؟ ماذا أفعل ؟ تمتمت بهذا وهي تنظر لرقم المتصل بمرارة سرعان ما استبد بها الرعب فماذا ستفعل يا الهي وبدأت ترتجف لكن سرعان ما شعرت بالغضب يستفحل بها فيا له من وقح كيف يتجرأ على الاتصال بها بعد كل ما فعله ؟ حاولت تجاهله قدر الامكان إلا أنه بقي مصرا فقررت تجاهله أيضا فلا ينقصها (قيس)أو سواه الأن قالت ذلك بنبرة صوت ساخطة إلا أنها ذهلت حينما وصلتها رسالة منه قرأتها بعيون مصدومة جاحظة وقلب ملكوم مجروح أكيد هو لا يقصد ما قاله لكن لما أرى أن هذه الأحرف على شكل تحذير بل إني أشعر به نافذ للصبر وكأن هذه الكلمات هي التحذير الأخير منه

ـ ردي على الهاتف ولا تثيرِ غضبي أكثر من ذلك فقلت بحسرة وأنا أكلم نفسي : أه يا (قيس) لما لا تختفي من حياتي فحسب فوجودك هنا لم ولن يزدني إلا شقاء وعذابا ما الذي تبتغيه مني الأن يا هذا؟ قررتْ أن تستفزه أكثر لكن علمت أن لا فائدة من ذلك ... ذلك أن (قيس) هو أكثر شاب مجنون ومتهور عرفته في حياتها وإن لم تفعل ما يطلبه منها قد يتجرأ على ايذائها والأسوأ ايذاء عائلتها وقد يسبب هذا فضيحة هي بغنى عنها في الوقت الحالي وهذا ما تخشاه هي بالأكثر

لذا بتردد كبير قد رفعت السماعة وهمست بصوتي الشجي وأنا احاول إخفاء نبرة الخوف والتي بانت جلية من خلال مخارج الحروف خاصتي وأنا ارفع السماعة : ألو نعم (قيس)؟ ليأتيني صوته الغاضب والصارخ كأنه بركان وانفجر في وجهي محرقا إياها : الآن تجيبين ما بالك ؟ أتنوين أن تختبري صبري ؟ نبرته العدائية جعلت (نازلي) ترتعد من الخوف حد سقوط الهاتف عدة مرات من يدها أعني ألا يكفها المشاعر التي اختلطت في قلبها الآن ليرعبها هو الآخر بصوته الغاضب لكنها أغمضت عيناها متنهدة وهي تتمتم "يا الله الصبر" قالت وقد أدركت أنه ينتظرها : لا انما ... ثم صمتت قليلا ليغمض هو عيناه متمتما ب"يا الله صبرني" ثم غمغم بحدة : أمامك دقيقة واحدة لتجهزي نفسك وتنزلي إلي ؟ ظنته يمزح فطبقا لكلامه هذا هو الجنون بعينيه فكيف تنزل الآن في هذا الليل بظلامه المخيف كما وأن الجو بائس كفاية وبارد أيضا وفي هذا الوقت بالذات ألا يدر هذا الأحمق الغبي أن المطر ينهمر بغزارة تكلمت وهي ترجو الرب أن يعينها على الخروج من هذه المحنة : أس... لكن ما كادت تكلم كلمتها حتى صرخ بها يستعجلها قائلا بصوت عالي غاضب: هيا اسرعي.. فأدركت في قرارة نفسها : أنه لا يمزح بل هو مستعد حقا ليحرق المكان إن لم تنفذ أمره يا الله ما هذا اليوم العصيب عساه ينتهي على خير؟ لذا و بأٌقصى سرعة لديها قامت بارتداء فستان أبيض يصل لركبتها ومعطف سميك كون الجو ممطر وأخذت مظلة كحلية اللون وخف منزلي وخرجت لتقابله لظنها انه ينوي أن يتكلم معها دقائق. وبدون حتى أن يكلمها كان قد جذبها دافعا إياها لباب السيارة الأمامي ليركبها فيما راحت هي تقاومه بعنف قائلة : اتركني ماذا تفعل قلت اترك يدي دعني ... إلا أنه ما كان ليتركها فإن كان هدفه تفجير المنزل فسيبعدها على الأقل عن الخطر وما إن دخلت السيارة حتى سمعت صوت انفجار هائل لم تستطع إلا أن تبحلق مصدومة فكيف يعقل أن يقوم بتفجير المنزل لحظة عائلتها موجودة هناك وبسرعة استدارت له وهتفت فيه : (قيس) ..(قيس) عائلتي يا (قيس)؟ إلا أنه أحب اللعب على أعصابها وهو يبتسم بكل خبث ومكر : كان الله في عونك يا صغيرتي ؟ بهذه الكلمات القصيرة دب الرعب بقلبها هو يعلم كم أن عائلتها مهمة وكثيرا بالنسبة إليها لكن مع ذلك أحب أن يخيفها وذلك كانتقام بسيط ما تسببت به بالحفل أما هي فقد شحب وجهها تماما وطغت عليها الصدمة التي جمدتها وسمرتها مكانها فيما بدأت تتحدث بجنون مع نفسها: كيف حدث هذا لا يمكن لا مستحيل؟ لكن أنها ترى السنة النار تتصاعد وتطاول الأعال ودخان كثيف يلوث الجو بأبخرته السوداء السامة وأصوات سيارات الاطفاء تتقدم وهي تصيح بصوت يكاد يقم الأذان لتدرك بعقلها أن (قيس) هو الفاعل ولا أحد سواه ولم تشعر بنفسها إلا ويدها تلتف على عنقه كالتفاف الأفعى مطوقة اياه وهي تصرخ بغضب جحيمي ناري سائلة : ما الذي فعلته يا (قيس) بوالديْ؟ أزاح يدها عنه ببطء متفرس بملامح وجهها وقال بنبرة تهمكية فظة : ماذا تقصدين بالذي فعلته حبيبتي؟ ثم صمت تماما وود لو أنه قطع لسانه الذي جعله أن يرى دمعها الأمر الذي ساءه أن يرى دمعها الذي يكرهه ولا يكره فيها شيء سواه؟ كان يفكر بهذا قبل أن ينحرف فكره إلى الذي فعله قبل قليل فبعد شجارهما الأخير في الحمام كان (قيس) غاضب أشد الغضب منها فكيف تتزوج دون موافقته فهو لا زال يعتبرها زوجته بالرغم من سنين الانفصال وشهور الوحدة القاسية إلا أنه لا زال يعتبرها زوجته وحبيبته الخائنة التي باعته وقررت الزواج لكن هيهات أن يسمح لها بذلك سيموت قبل أن يسمح لها بالزواج بغيره وعند هذا الحد كان قد بدأ يصرخ بجنون وهو يقبض على المقود بقوة مهولة ضاغطا عليه بقوة حتى ابيضت مفاصل يديه وهو ينطق اسمها بغل شديد الغضب صارخا: يا (نازززززززززززززززززززززززلي) لن أدعك تتزوجين بآخر؟ فهو مند أن خرج من الحفل قام بتفخيخ المنزل ثم انتظر انتهاء الحفل على أحر من الجمر ليتصل بوالدها بحجة أنه إرهابي وعليه يريد تسليم نفسه له وبالفعل كان والدها قد خرج من المنزل مسرعا ثم اتصل هاتفيا بأمها مدعيا أنه فاعل خير وقال ما جعلها تخرج من المنزل رفقة اخوتها : سيدتي أنت زوجة الجنرال (فريد علامة) يؤسفني القول أن الجنرال قد أصيب بحادث وهو الآن بالمشفى الحكومي (مشفى وهران العسكري) وكون أن عائلتها ظنوا أن (نازلي) نائمة فلم يريدوا اقلاقها ولا تخويفها فذهبوا لوحدهم تاركين إياها نائمة مع الحراس الذين كانوا يحاوطون المنزل من كل جانب

وهكذا خرجت كل عائلتها من المنزل وقام هو بإخراجها وتفجير المنزل وجه نظره لها فرأى انها تبكي حقا فحن قلبه عليها ليخبرها الحقيقة قائلا وهو يضمها:

كفى لا تبك كنت أمزح معك عائلتك بخير ؟

إنهم فقط في المشفى عندها توسعت عيناها قائلة بصدمة : ماذا مشفى ولماذا ؟ ثم بدأت بتخيل السيناريوهات وتأليف القصص والحكايات ليخنق (قيس) تفكيرها بقوله : ما بك هل أنت خائفة حقا عليهم وحين رآى نظراتها المرتعبة تنهد ثم قال بنبرة هادئة: إنهم بخير حقا ؟ والدك يطارد إرهابي وأمك بالمشفى لظنها أن والدك في المشفى وهذا كله من اخراجي لكي أخرجهم من المنزل وأختطفك ألست كاتب بارعا؟ لتبدأ بمسح دموعها قائلة بنبرة تشككية غير مصدقة: حقا! ليتنهد مكررا كلامه السابق: حقا ؟ لتتنهد براحة ثم بسرعة ثارت أعصابها قائلة في نفسها: ـ يا الله كم هو بائس حقير أكان يتلاعب بي لقد فجر منزلي وكل هذا لأجل إخراجي منه واختطافي لحظة اختطاف ولكن لماذا ؟ تكلمت معه بنبرة جادة بينما هو يقود السيارة مركزا بالطريق فيما عقله يفكر بالمصيبة التي افتعلها لقد قام بأكثر تصرف متهورا بحياته كلها فهو أحرق منزل الجنرال (فريد) لأجل أن تكون هذه المدللة الخائنة بجانبه ولكن ألا يستحق الأمر منه المخاطرة ؟ بلى يستحق وهي بحد ذاتها تستحق أكثر فهي جوهرة نادرة الوجود والمحظوظ من يمتلكها وهو قد فعل ذلك ألم يفعل ؟ بلى فعل ضربته على كتفه وهي تصرخ بنبرة صوت لم يفهمها بالأول لكنها كررت كلامها قائلة: يا (قيس) ألم تسمع ما قلت ؟ هيا أخبرني لما أحرقت منزلي ولما قمت باختطافي ؟ فقال ليستفزها بلا مبالاة : أليس واضح لقد أردتك وحصلت عليك؟ فقالت وهي تذكره بصوت متهكم : من السخف أن تفعل هذا وخصوصا وإني امرأة متزوجة الآن وطبقا للشرع أنا محرمة عليك ولا أحل لك ؟ وبسرعة ودت لو تمتلك مقص لقطعت لسانها فالوغد يبدو مخيف بل مرعب بحق قبض (قيس) على فكها بيد واحدة فيما يده الأخرى مشغولة بالقيادة قائلا بنبرة سوداء من الغضب: يبدو لي أنك تحبين اثارة غضبي عليك أليس كذلك؟ توترت أعصاب (نازلي) بشدة من خوفها منه وترقرقت الدموع في عينيها لكنها حبستها داخل جفونها فيما شعرت بالألم الحاد يغزو فكها من قبضته والتي يبدو أنه قادر على أنه يبطش بها لكنها رفضت أن تمنحه هذه اللذة فليحلم برؤيتها خائفة منه ليحلم فقط فإن كان يريدها خائفة خاضعة سيكون بمثابة دخول إبليس الجنة وهي أبدا لن تسمح له برؤية دموعها و قد نجحت بمنع نفسها من اصدار أنه مجرد أنه واحدة فهي ليست ضعيفة لتريه خوفها منه بسهولة وبدل من ذلك حجرت وجهها وقتلت الألم داخلها قائلة بقهقهة جعلت (قيس) يفور غضبا وهو يسمعها تقول بتهكم : ماذا هل خدشت رجولتك يا ترى ؟ هيا (قيس) لا تعاند ودعني... فلاشك ان زوجي المستقبلي قلق علي وأريد أن أطمئنه فمن الحقارة أن تقوم بفعل هذا بي وخصوصا وإني على ذمة رجل أخر غيرك ؟ شدد (قيس) من ضغطه على فكها إلى حد أنه كاد أن يكسره لها حتى صار الألم حقا لا يحتمل لتطلق أهة متحشرجه ليبعد يده ويقول بحدة السكين : كرري ما قلت مجددا وسأقطع لسانك وأريك معنى وحشيتي ؟ ثم تابع قائلا وهو يتحدث بغل : ألست تقولين دائما لي إني متوحش إذن سأريك فصول منها عزيزتي ؟ شحب لونها وغدت كالورقة البيضاء واصفرت كالليمون ذلك أنه حقا سادي أتراه أحقا سيعاملها مثلما يعامل أتباعه الحقراء ؟ يا إلهي إنها من الآن خائفة بل خائفة منه بشدة وكلمة خوف لا شيء مقارنة بكمية الذعر التي تكابده حاليا كيف لا تكون وهي قد باتت تعلم بأنه يستطيع في لحظة قتلها كونه ؤ رجل مافيا حقير سادي بربري عنيف ؟ لكن حقا ألم يكفيه ما فعله بها وكيف جعلها خرقة بالية في هذا المجتمع الذكوري الحقير الذي يستمتع بأذية النساء دون حق فقط لأنهن نساء ف(قيس) حول حياتها لجحيم لا يطاق عندما تزوجها بسبب غيرته اللامحدودة قررت الانفصال عنه لكنه لم يكتف بهذا بل إنه عزم على تشويه سمعتها وجعلها تبدو في نظر الكل : ساقطة أي مصيبة قد وقعت على رأسها الآن يا ترى ؟ حتى تقابله في ذاك الحفل فلو كانت تعلم بوجوده بهذا الحفل البائس

ما كانت قد تجرأت و فكرت بالذهاب بل و قد قطعت ساقاها ولا تذه إلى هناك تنهدت وقالت في نفسها : على كل حال هذا لا يهم فما حدث قد حدث ولنأمل فقط أن يدعني وشأني بعد أن أتزوج ب(زكريا) ابن عمها ؟ لم يعجبه صمتها هذا فقرر استفزازها بأي طريقة كانت فقال بنبرة هادئة يشوبها بعض السخرية : خيرا فيما تفكرين ؟

ثم صمت قليلا ليراقب ملامح وجهها قائلا : لا تقولي لي أنك كنت تفكرين بالأيام الخوالي لم تجبه واستمرت على صمتها وتجاهلها له وكم ساء(نازلي) أن يعتقد أنها لا تزال تحبه حتى بعدما فعله بها هذا يعني أنه يعتبرها عديمة الكرامة لأنه يفكر بأنها تحبه ؟

المسكين لا يعلم بأنها قد قتلته في ذاتها وما عادت تحبه ومن المستحيل أن تفكر في هذا وخاصة بعدما عراها وفضحها واتهمها بشرفها وعفتها لقد كرهته أجل كرهته وكثيرا ولا تزال تكرهه وتجاهلت تلك النغزة التي نغزت قلبها و اخبرتها بأنها كاذبة ثم تنهدت وركزت نظرها للأمام مشتتة انتباهها عن أحداث ذلك الماضي الأليم بالنسبة لها فهو قد مات ولن تعود لتحيي ذكراه من جديد فهي تعذبت بما فيه الكفاية والغبي فقط من يعيد التفكير به مضت تحدق بالظلال السوداء التي تتراكض بسرعة على الطريق لتأخذه على حين غزة بسؤالها : (قيس) لم تخبرني إلى نحن ذاهبان ؟ فتمهل (قيس) ولم يجبها حينا بل مضى يحدق بالطريق أمامه لأنه يعلم في قرارة نفسه أنها قد لا توافق على أن يأخذها هكذا لكن من حقها أن تعلم لذا قال بنبرة صوت بدت بطيئة متمهلة وحذرة في نفس الوقت : (إيطاليا)؟ فكررت ورائه بصدمة : (إيطاليا)؟ لكنها صمتت لبرهة إذ أنه لاشك أنه يمزح ويتلاعب بأعصابها فلا يمكن أن يكون جادا ؟ فهو يعلم أن هذا لا يجوز لأنها صارت على ذمة رجل أخر فكيف يعقل أن يفعل ذلك بها لكن سرعان ما أحجمت عن قول هذا فهي على يقين من كونه يمزح ثم إنها ملت من الشجارات ليوم واحد لذا صمتت فلا يوجد أي شخص عاقل يفكر بخطف طليقته وأخذها معه كما إنها لن تتحدث معه بهذا الشأن فهي أدرى الناس بهمجية وعنف هذا الرجل لذا من الأفضل أن تبتلع لسانها تجنبا للمشكلات؟ كانت تناظر هذا الطريق السريع أمامها وقد باتت ترى أنه درب طويل ممتد الأفق كخط أسود مستقيم بلا نهاية تمر فوقه ألاف السيارات التي تلمع كنجوم صغيرة مشعة الأسفلت يتألق كمرآة سوداء عاكسة كانت السيارات تتحرك بسرعة تخترق كالسهم جسد الهواء الناعم في حين أن الأضواء الخلفية تلمع كأنها عيون تحرس الطريق كأنه جنود عسكريين

كانت غارقة في تأملاتها وأفكارها حد ما وعت أن هذه الطريق لا تبدوا أنها نفسها الطريق المؤدية لمنزلها ذاك الذي عاشت فيه معه بل إنها تبدو بل هي حقا طريق .. وعند هذا الحد كانت قد شرعت عيناها وهي تهتف : (قيس) إلى أين تأخذني ؟ فكرر (قيس) كلامه بنبرة عادية قائلا : إيطاليا حبيبتي ؟ إذن هو جاد فعلا سيأخذها إلى بلد أوربي غريب عنها (إيطاليا) سرعان ما احمر وجهها دليلا على انفجار الغضب من داخلها فكيف يتجرأ على فعل هذا بي ؟ إنه لمن الوقاحة أن يقوم بهذا الفعل الأخرق ؟ أما هو فكان يراقب ملامحها التي تتغير بين الفينة والأخرى بشيء من الشفقة و العطف قبل أن يقلبها لابتسامة مستفزة فهو علم سابقا كونها لم تصدقه وحين استدارت له تفاجأ بلهيب عينيها وهما تشعان كجمرتين ملتهبتان وهي تهاجمه دون هوادة قائلة مكررة كلامها السابق :إلى أين نحن ذاهبان؟ فكرر كلامه السابق بنبرة صوت عادية كأنه غير مكترث بما يعتمل صدرها من مشاعر تكاد تحرقها ليسمعها تنفجر به قائلة : هكذا إذن تريد أن تبعدني عن أهلي أيها الوقح ثم استدارت لتفتح الباب لكنه قبض على يدها بقوة لدرجة أنه كاد يكسرها وهو يقول : لا تحاولِ حتى الهروب (نازلي) لأنكي لن تستطيعِ ثم كوني عاقلة أننا في الطريق السريع فتمتمت هي الأخرى بغل وقهر وهي تدفع يده بقوة عنها قائلة : لا أهتم حتى لو كنا بالطريق السريع؟ لذلك أنا سأعود للبيت رغما عنك ؟ فقال بتهكم: أي بيت هذا الذي تريدين العودة اليه ؟

ثم تابع كلامه كأنه يقر بحقيقة واقعة؛: أنسيت أنه تم تدميره صغيرتي لتجيبه وقد صارت عمياء من الغضب: لا يهمني سأبقى بالشارع على أن أذهب لإيطاليا فقال : لا أعتقد أن لديك خيارا في هذا الشأن وقال ليستفز جنونها: حبيبتي ببركانها يستعر من جديد فقالت بصراخ ساخط : لا تناديني بذلك الاسم ثانية فأنت قد فقدت الحق في ذلك؟ فيما ادعى هو الغباء التام وقال باستفهام: أي اسم حبيبتي؟ فانفجرت به: كفى انك لا تطاق؟ ثم هرولت لتفتح الباب لكنه قبض على يديها معتقلا إياها فنظرت له وقد سطع نجم الغضب داخل حدقتيها: ما به انه لا يفتح ؟ كانت تتحدث ولم تنتبه ليديه وهي تقوم بإغلاق الأبواب أوتوماتيكيا إلى بعد أن ضغطت على زر فتح الباب ولم يفتح لها فاستدارت له غاضبة ساخطة قائلة : خيرا ما به هذا ؟ فقال دون اهتمام :لا أدرِ ربما تعطل ؟ ـ تعطل اذن رددت ورائه بعصبية ثم جلست حانقة من الغضب عاقدة يديها لصدرها بحنق فيما هو كاد أن ينفجر من الضحك فكم بدت جميلة وهي حانقة ؟

إلا أنه كتم ضحكته بصعوبة وهو يراقبها بشيء من الحيرة كيف تثني يديها وتستغفر الله وهي بأعلى درجاتها من الغضب يا الله كم بدت ظريفة جدا وشهية بطريقة لا تقاوم أريد أكلها حقا ؟ غمغمت لتشد انتباهه قائلة وهي تنظر له من مرآة السيارة : لا تضحك ؟

وكأنها قالت له العكس لينفجر ضاحكا بقوة غير مكترث بما قالته ليزداد غلهالكنها لم تجد شيء غير الاستغفار وذكر الرب : استغفر الله ثم ما إن التقت عيناها بعينيه تمتمت بحنق غاضب : لا تضحك ثم ماذا سأقوللزوجي الآن ؟ أما هو إن لمح اعتراضها حتى كان لها بالمرصاد وهو يسارع بالقول لهاباستفزاز ساخر: هيا لا تكوني دراماتيكية هكذا فأنت لم تكونِ أًصلا ستتزوجين به ؟ برقت عيناها بلهيب ناري قائلة : حقا ولماذا ؟ فتمتم ضاحكا بغرور : لأنك تحبينني ؟ وهنا لم تستطع (نازلي ) كتم ضحكتها الغاضبة لتنفجر كالبالون ولما انتهتنوبة ضحكها قالت بحدة ساخطة : ما أشد غرورك يا (قيس) أوَ حقا تظنني ما زلت أحبكبعد كل ما فعلته بي ؟ زم شفتيه وركز على القيادة وتظاهر بعدم سماعها فحب (نازلي) هو الشيء الوحيدالذي لا يريد أن يضيع من يديه ولن يضيع فهو الأمل الذي جعله يتمسك بهذه الحياةالبائسة صحيح هو أخطأ في حقها وحق نفسها حينما طلقها المرة الماضية لكن لن يعيدالخطأ نفسه فلن يسمح لنفسه بأن يقدم على هذا لن يخسرها مجددا فالسنتين التي مضت منحياته كانت جحيم حقيقي سعرت النيران به ولهذا مهما أغضبته أو ترجته لن يطلقها مرةأخرى ؟ ثم تابع داخله بهوس مجنون :محال أن أسمح لك يا (نازلي) بالهرب من قبضتيثانية أما هي ففكرت بأسى بحياتها الحاضرة لا يحبها ولا يريدها أن تتزوج حتى يا لهمن نذل أناني حقير ؟ فلو كان يحبها لما طلقها ثم كان لديها بصيص أمل صغير في أن يصالحها بهذهالحفلة لكنه لم يفعل هذا بل تركها فما الذي يقوله الأن أو بالأحرى ما الذي يريده مني؟ ألم يكفه انتقاما مني إلى متى سيظل ينتقم لقد مللت حقا قالت له بنبرة حزينة أقرب للبكاء بجدية : (قيس) ألا تتمن أن نعود بالزمنللوراء ؟ فقال بصراحة أساءت هي فهمها : أتمنى ذلك في كل لحظة ليتك تدرين يا (نازلي)كم تعذبت وكم أنا نادم على الماضي ليتني امتلكت العصا السحرية لأمكنني أن أعودبالزمن للوراء ؟ فيما بحلقت به صدمة وشيء ما في داخلها قد انكسر أهذا اعتراف صريح منه ياترى أأكان يفضل أن يظل عازبا ولا يتزوجني ؟ شعرت بأن كبريائها قد تم سحقه بنعاله وتحول لشظايا تناثرت في كل اتجاه ـ حسنا هذه غلطة كلانا نندم عليها ثم أشاحت بوجهها عنه دليلا على عدمرغبتها بمتابعة هذا الحديث معه تمتمتم بسخط في داخلها : تبا له سأريه سأجعله يندم وبهذه الكلمات كانت قد ختمت كلامها مع نفسها لتنفرج شفتيها كاشفة عن بسمةجعلت الأخر يبحلق بها بصدمة فإلى ما تخطط هذه المرأة الأن تبا علي أن أكون حذرا؟ حينذاك كانت هي غارقة بأفكارها عن كيفية الانتقام منه فهو جرحها طعنهابأنوثتها لم تشعر بتوقف السيارة ولا بترجله منها إلا أنها شعرت بيده وهي تطبق علىمعصمها جارا ّإياها منها بحلقت به بصدمة ثم ناظرت المكان حولها مبهوتة مدهوشة فقد كان هناك طائرةخاصة واقفة في المنتصف الطريق وسلم طويل وقبل أن تسأله عنها كان يرفعها محاوط إياها بذراعيه حاملها لتضرب هي صدره بقوة قائلة : (قيس) ماذا تفعل انزلني لن اذهب معك ؟ ليضمها بقوة معانقا إياها قائلا بهمس : شششش اهدئي حبيبتي استرخي لتتسع عيناها بقوة ذلك إنها لم تكن تدري إنه بالفعل جاد في المضي قدما فيذلك لكن على ما يبدو أنها كانت مخطئة فهو عاقد النية ويبدو مصمم على أخذها فعلامعه لتصرخ به قائلة وهي تتخبط بقوة بين ذراعيه لدرجة أنها كادت أن تسقطه وهي تصرخ: أنزلني (قيس) أنزلني لن أذهب معك ؟ ليضربها من الخلف بخفة صارخا بها أن تسكت لتتأوه بألم قائلة : حرام عليك يا رجل؟

2025/01/21 · 65 مشاهدة · 3485 كلمة
نادي الروايات - 2026