كانت تجلس في حديقة القصر الخلفية، وقد وضعت فنجان الشاي بين يديها تستمد من دفئه شيئًا من الراحة. كان الصباح هادئًا على نحوٍ يبعث على الطمأنينة، نسمات خفيفة تحرك أطراف الأشجار، ورائحة الأزهار المتناثرة حولها تملأ الهواء بعطرها.
رفعت ناوكو عينيها عن الفنجان، وأخذت تتأمل الأزهار الزاهية التي تكسو الحديقة، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من بين الأغصان. رفعت الفنجان إلى شفتيها، لكن أثناء إرتشافها رشفةً منه، سمعت خلفها صوت خطوات تقترب منها لم تكن بحاجة إلى الإلتفات لتعرف صاحبها لأنها إستطاعت تمييزها من أول وهله وضعت الفنجان على الطاولة بهدوء، ثم التفتت ونهضت على الفور بإحترام بالغ، إرتسمت على وجهها إبتسامة صغيرة وهي تحييه.
ــ صباح الخير يا والدي.
أومأ برأسه دون أن يجيب، ثم إتجه نحو المقعد المقابل لها وجلس عليه. تبعته ناوكو بنظراتها للحظات قبل أن تجلس بدورها. لم يكن والدها يتحدث معها في العادة، لكنها اعتادت أن تميز حالته من ملامحه. والآن كان وجهه جديًا أكثر من المُعتاد أخذت الهواجس تلعب بعقلها، لكنها نفتها ومنّت نفسها أن أباها يرغب ببعض الوقت مع ابنته على غير عادته.
إنتظرت أن يبادر بالحديث ويكسر جموده، لكن الصمت طال بينهما. أخفضت ناوكو عينيها نحو فنجانها، وراحت تمرر إبهامها على حافته دون وعي، رفعت الفنجان لترتشف منه رشفة أخرى...لكن والدها بدأ التحدث وقال:
ــ ناوكو، أنتِ الآن فتاة ناضجة.
رفعت عينيها إليه بدهشة.
ــ لقد تقدم لخطبتك شاب من عائلة فوجيوارا المرموقة، كما أنه شرطي، لذا بلا شك سيكون زوجًا مناسبًا لكِ.
توقفت أنفاسها للحظة. رمشت عدة مرات، وكأنها لم تستوعب ما سمعته، نظرت إلى والدها في صمت، تنتظر منه أن يكمل حديثه بطريقة تجعل الأمر أقل غرابة، أو ربما أن يقول إن الأمر لم يُحسم بعد، لكنه لم يفعل. أكمل قائلًا:
ــ سيأتي لمقابلتك عصرًا. كوني مستعدة.
شعرت ناوكو بأن الفنجان صار أثقل بين يديها، بينما أخذت الكلمات تتردد في رأسها. لمقابلتي؟ رجل لا أعرفه و لم أره في حياتي وسيأتي اليوم؟ اليوم!! فتحت فمها، ثم أحكمت قبضتها حول فنجانها محاولة منها الحفاظ على هدوئها
ــ لكن يا والدي... أ...
ــ كفى.
خرجت الكلمة حاسمةً، قاطعةً محاولتها للكلام قبل أن تبدأ.
حدق والدها فيها بنظرة باردةٍ، ثم أردف:
ــ لا حاجة لرأيك في هذا الأمر. الشاب كفؤ، ولا يعيبه شيء.
سكتت ناوكو خشيةً منه، لم تستطع حتى الإعتراض. أرادت أن تسأله: وماذا عني؟
لكن الكلمات بقيت حبيسة صدرها. نهض والدها وغادر الحديقة، تاركًا خلفه هدوءً ثقيلًا لم يكن موجودًا من قبل.
ظلت ناوكو جالسةً مكانها، لم تتحرك كانت تحدق في الفنجان الذي ما زال بين يديها، وقد بدأت حرارة الشاي تتلاشى شيئًا فشيئًا.
قبل دقائق فقط، كانت الحديقة تبدو جميلة، لكن الآن لم تعد كذلك. شعرت وكأن العالم من حولها يستمر في التحرك بشكل طبيعي، بينما توقفت هي في مكانها. رفعت رأسها، وأخذت نفسًا عميقًا محاولةً تخفيف الحمل الذي وضع على صدرها منذ لحظات، لم تكن تعرف ذلك الشاب، ولم تكن تهتم حتى من يكون، لكنها عرفت شيئًا واحدًا فقط، أن قرارًا يتعلق بحياتها كاملة قد اتُخذ دون أن يسألها أحد عمّا تريده، ولكن السؤال الذي كان يجول في عقلها هو… "أهذا هو حقًا مصيري؟"
ــــــــــــــــــــــ
منذ أن أخبرها والدها بأمر الخطبة، لم تستطع أن تستعيد هدوءها، حاولت أن تشغل نفسها بأي شيء لكن أفكارها كانت تعود إليها كل مرة لتذكّرها بالموعد الذي ينتظرها.
حلَّ العصر سريعًا.
والآن، هي تجلس في صالة الاستقبال الرسمية، يداها تستقران فوق حجرها، بينما عيناها معلقتان بفنجان الشاي أمامها. سمعت صوت خطوات تقترب، ثم فُتح الباب. رفعت عينيها للحظة، فرأت شابًا بشعرٍ أسود طويل مربوط للوراء يتقدم نحوها بخطوات ثابته.
كان يبدو واثقًا من نفسه، وعلى وجهه ابتسامة دافئة لا تشبه الصرامة التي اعتادتها من والدها.
جلس أمامها، ثم قال بنبرة ودودة محاولًا كسر حاجز الصمت بينهما:
ــ مرحبًا يا آنسة، أنا ليونارد فوجيوارا. سررت بلقائك.
لكن كلماته لم تصل إليها حقًا. كانت ناوكو مُطأطئةً رأسها تحدق في فنجانها، فأجابته بغير إدراك:
ــ أجل.
ساد الصمت للحظة. رفع ليونارد حاجبه بإستغراب، وعدّل جلسته قليلًا.
ــ ها؟
انتبهت ناوكو إلى صوتِه، لكن عقلها كان يتساءل في مكان آخر تمامًا..
ما هذا؟ كيف انتهى بي المطاف جالسة هنا؟ زواج؟ أنا لم أفكر في هذا قط. لا ينقصني شيء هنا... فلماذا قد أتزوج؟
تداخلت الأسئلة في رأسها مشوشةً ما كان يحصل من حولها.
جاءها صوته مقاطعًا حبل تفكيرها:
ــ آنسة ناوكو، هل تستمعين لي؟
انتفضت قليلًا، وكأن صوته أعادها إلى الواقع. رفعت رأسها بسرعة، وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهها من شدة الإحراج.
ــ المعذرة... تسرني مقابلتك.
ابتسم ليونارد بلطف.
ــ لا بأس. تبدين مرهقةً قليلًا.. إعذريني إن فاجأتك يا آنستي.
كان قد لاحظ شرودها المسبق وتوترها الشديد ، ثم تابع:
ــ على كل حال، كنت متشوقًا جدًا للقائك منذ أن رأيتك في أمسية الرقص السابقة، بالرغم من أنني لم أتحدث إليكِ حينها، لكنني شعرت بشيء من الألفة تجاهكِ.
توقفت ناوكو عن النظر إليه للحظة.
أمسية الرقص... لم تتذكره جيدًا. ربما رأته فعلًا، وربما مر من أمامها دون أن تنتبه. لكن بالنسبة إليه، كان ذلك اللقاء كافيًا ليقرر أنه يريد الزواج منها.
أما هي، فلم تكن حتى تعرف أن حياتها قد تتغير بسبب تلك الأمسية.
بعد أن استأذن ليونارد بالإنصراف، رافقته ناوكو إلى الباب الخارجي. ابتسمت له ابتسامة مهذبة، وأومأت برأسها مودعة.
ــ سعدت بلقائك، سيد ليونارد.
ــ وأنا كذلك، آنسة ناوكو.
أُغلق الباب. وفي اللحظة التي اختفى فيها من أمامها، تلاشت ابتسامتها. أطلقت زفيرًا طويلًا، وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال فترة اللقاء. وضعت يدها على صدرها، محاولةً تهدئة قلبها. لم يكن ليونارد سيئًا. بل على العكس، كان مهذبًا ولطيفًا. وهذا ما جعل الأمر أكثر إرباكًا. فما المشكلة إذن؟
سرعان ما جاءها الجواب. أنا لست مستعدة. رفعت رأسها، وكأنها حسمت أمرًا كانت تتردد في الاعتراف به.
ــ آه يا إلهي...
شدت قبضتها. لابد أن أقنع والدي. استدارت، وأسرعت نحو مكتب والدها. وقفت أمام باب المكتب للحظات. رفعت يدها، ثم توقفت قبل أن تطرق. كانت تعرف أن والدها لن يقبل إعتراضها بسهولة. لكنها لم تعد تستطيع الصمت.
طرقت الباب. جاءها صوته من الداخل:
ــ تفضل.
فتحت الباب ودخلت. كان والدها جالسًا على مكتبه، منهمكًا في أوراقه. اقتربت منه، وحاولت أن تبدو ثابتة رغم إرتجاف يديها.
ــ أبي...
رفع عينيه إليها.
ابتلعت ريقها، ثم قالت:
ــ بخصوص السيد ليونارد... أنا لا أشعر بأنه يناسبني. أرجوك، انسَ أمر هذا الزواج.
أنزل والدها الورقة التي كان يقرأها ببطء. حدق بها لثوانٍ، وكأن ما قالته لم يكن متوقعًا منه سماعه. تبدلت ملامحه.
ــ ما الذي تقولينه؟!
تراجعت ناوكو خطوة دون أن تشعر.
ــ هذا الزواج ليس نزهة تختارينها بناءً على مشاعركِ. لقد تقرر الأمر. ارتفع صوته وهو يتابع: ــ الشاب من عائلة مرموقة، وسيم، وذكي، ومستقبله في الشرطة واعد. كما أن ارتباطكِ به سيوثق تحالفنا السياسي بعائلة فوجيوارا... وهذا هو الصالح العام لعائلتنا.
شعرت ناوكو بثقلٍ يهبط على عاتقها. عائلتنا... إذن لم يكن الأمر من أجلها. كل تلك الكلمات التي قالها صباحًا عن أن ليونارد سيكون زوجًا مناسبًا لها... لم يكن يفكر فيها أصلًا. كان يفكر في العائلة. في اسمها. في تحالفاتها. أما هي... فلم تكن سوى جزء من ذلك كله.
شعرت بجدران المكتب الواسع تضيق حولها. لكنها لم تستسلم. تشبثت بآخر حبل للأمل، ورفعت عينيها إليه.
ــ لكنني لا أريد يا أبي!
ارتجف صوتها.
ــ أنا... أنا أريد البقاء هنا، معك!
كانت عيناها تفيضان بالدموع. للحظة، تمنت أن يلين. أن يرى ابنته أمامه، لا مجرد وريثة للعائلة، تحمل اسمًا ومكانة. لكن نظراته بقيت ثابتة.
ــ هذا كلام فارغ وعاطفة لا قيمة لها.
اتسعت عيناها قليلًا بالرغم من توقعها ردة فعله.
أردف قائلًا: ــ ما الذي يمنعكِ من الزواج به حقًا؟ أخبريني!
فتحت شفتاها، أرادت أن تجيب. لأنني لست مستعدة لحمل هذه المسؤولية بعد! لكن تلك الجملة البسيطة لم تستطع الخروج.
أخفضت رأسها، وشعرت بغصة مؤلمة تسد حلقها. كانت دموعها على وشك السقوط، لكنها قاومتها بكل ما بقي لديها من كبرياء. ثم همست بصوت مبحوح:
ــ لا... لا شيء.
سكتت للحظة.
ــ أستميحك عذرًا... سأذهب لغرفتي.
استدارت قبل أن يرى دموعها تسقط. خرجت من المكتب بخطى متثاقلة، وأغلقت الباب خلفها. توقفت في الممر. لم تعد تسمع شيئًا سوى صوت شهقاتها المكبوته. كانت قد دخلت المكتب وهي تحمل أملًا صغيرًا... أما الآن فقد شعرت بأنه قد تحطم تمامًا. سارت نحو غرفتها ببطئ، تجر خيبتها خلفها.
كنت أفعل كل مايُملى علي بدون إعتراض أو كلل، إذًا لمّ لا يُستمع لي ولو لمرةٍ واحدة على الأقل.
في تلك اللحظه أدركت ولأول مرة، بأنها طوال تلك السنين لم يؤخذ لها رأي فيما كان يخصها، كل شي كان قد رتب وجهز لها قبل ولادتها حتى.
أليس لي الحق حتى في اختيار قراراتي المصيرية بنفسي؟
يتبع..