كان الليل يهبط على الغابة ببطء، لا كستارة تُسدل، بل كشيء حيّ يزحف بين الجذوع ويبتلع ما يصادفه. تمايلت الأغصان تحت نسيم بارد، واحتكت الأوراق اليابسة بعضها ببعض، فخرج منها همس متقطع لا يشبه صوت الريح تمامًا.
عند سفح تلة صخرية، اختبأ كهف ضيق بين صخرتين مائلتين. لم يكن يصلح للسكن، لكنه كان جافًا، وسقفه منخفض بما يكفي ليمنع المطر من الوصول إلى داخله. في تلك الأيام، لم تكن رين تبحث عن مكان آمن؛ كانت تبحث عن مكان يؤجل الخطر إلى الغد.
كان شين نائمًا فوق طبقة من الأعشاب الجافة. انكمش جسده الصغير تحت عباءة رقيقة، وارتفعت خصلات شعره مع كل نفس يخرجه. جلست رين إلى جواره، مسندة ظهرها إلى الجدار، وفي يدها خيط وإبرة صدئة تحاول بهما رتق طرف عباءته الممزق. لم تكن تخيطه لتصلحه فحسب؛ كانت تحتاج إلى عمل يشغل أصابعها عن عدّ أنفاسه. كلما طال الفراغ بين نفس وآخر، انحنت نحوه لتتأكد من أن صدره ما زال يرتفع. ثم تعود إلى خيطها، وتوهم نفسها بأن ذلك حرص لا خوف.
توقفت حين تحرك في نومه.
مدّت يدها، ومسحت الشعر عن جبينه، ثم همست:
«نم. لا شيء سيحدث الليلة.»
ظل شين ساكنًا، فابتسمت ابتسامة خفيفة لم ترها عيناه.
كانت كذبة صغيرة. اعتادت رين أن تقولها بالطريقة نفسها كل ليلة، حتى صار نطقها أسهل من قول الحقيقة. لا شيء سيحدث. سنجد طعامًا غدًا. سنغادر هذه الغابة قريبًا. سيأتي أحد ليبحث عنا.
لم يأتِ أحد.
غرست الإبرة في القماش، ثم رفعت عينيها إلى مدخل الكهف. في الخارج، كانت الغابة تتنفس ببطء. ناحت بومة في مكان بعيد، وأجابتها أخرى أبعد منها. تحركت حشرة بين الحصى، ثم سكتت فجأة.
توقفت يد رين. بقيت الإبرة معلقة بين أصابعها، فيما راحت عيناها تبحثان في العتمة عن شيء لا تعرف شكله. لم تكن تخشى ما قد يخرج من الغابة بقدر ما كانت تخشى أن تسمعه قبل أن تستعد له؛ فكل خطر يسبقها إلى الكهف يعني أنها أخفقت مرة أخرى في حمايته.
لم يكن الصمت هو ما أزعجها، بل الطريقة التي جاء بها. قبل لحظات، كانت الغابة مليئة بأصوات صغيرة؛ احتكاك، زحف، رفرفة، ونقرات مجهولة. ثم اختفى كل شيء دفعة واحدة، كأن شيئًا ما مرّ بينها وأغلق أفواهها.
«رين؟»
جاء صوت شين ناعسًا من تحت العباءة.
التفتت إليه بسرعة، ثم خففت ملامحها قبل أن يفتح عينيه.
«ماذا؟»
«هل ما زلنا في الغابة؟»
«نعم.»
«ألم نقُل إننا سنخرج منها اليوم؟»
نظرت إلى فتحة الكهف. لم يظهر منها سوى شريط باهت من السماء، محجوبًا بالأغصان.
«قلنا غدًا.»
فتح عينًا واحدة.
«قلتِ ذلك أمس.»
«إذن لم يتغير شيء. ما زال الغد أمامنا.»
فكر قليلًا، ثم أغلق عينه من جديد.
«عندما نخرج، هل سنجد النهر؟»
«إذا اتبعنا جهة الشمس.»
«والشمس تظهر هنا؟»
«تظهر حين لا تنشغل الغابة بإخفائها.»
ضحك شين ضحكة قصيرة، ثم سعل. ناولته رين القارورة الوحيدة، فشرب منها رشفة صغيرة وأعادها إليها.
«اشرب أكثر.»
«أنت عطشى.»
«أنا أكبر منك.»
«وهذا لا يعني أنك لا تعطشين.»
نظرت إليه لحظة، ثم دفعت القارورة إلى صدره.
«أنت تتحدث كثيرًا بالنسبة إلى شخص يفترض أنه نائم.»
ابتسم، واحتسى رشفة أخرى. تلك اللحظة الصغيرة، بسعالها وابتسامتها وحرصه على ألا يأخذ أكثر مما ينبغي، بدت لرين أقرب إلى حياة عادية من كل ما عرفاه منذ أن دخلا الغابة. كادت تصدق أن الصباح سيأتي فعلًا، وأنهما سيجدان طريقًا إلى النهر، ثم قرية، ثم بيتًا له باب يمكن إغلاقه من الداخل.
كادت تصدق ذلك، لولا أن الأرض اهتزت.
سقطت الإبرة من بين أصابعها. ارتجف سقف الكهف، وتدحرجت حصيات من الشقوق العليا. نهضت رين في اللحظة نفسها، وسحبت شين من ذراعه إلى خلفها.
«ما هذا؟»
«ابقَ خلفي.»
«رين، ماذا يحدث؟»
«قلت ابقَ خلفي.»
لم ترفع صوتها، لكن نبرتها أغلقت فمه. أخرجت خنجرها من غمده. كان نصله قصيرًا، وعليه بقع داكنة لم تعد تعرف إن كانت صدأً أم دمًا قديمًا.
جاء الصوت من الخارج؛ فحيح منخفض، يتبعه احتكاك حاد بالحجر. ثم ظهر طرف ساق طويلة عند المدخل، وانغرز في التراب. تبعته ساق أخرى، ثم رأس عريض تحرك ببطء إلى داخل الضوء الخافت.
كان السرعوف أكبر من حصان صغير. غطّى جسده درع أخضر قاتم، تتخلله شقوق صفراء لزجة، وارتفعت عيناه المركبتان فوق رأسه كقطعتين من زجاج مبلل. أما قائمتاه الأماميتان فكانتا مطويتين إلى صدره، وكل طرف فيهما ينتهي بحافة مسننة.
لم تتراجع رين. لو فعلت، فلن تجد خلفها إلا جدارًا وشينًا.
«لا تتحرك»، قالت.
همس شين:
«أستطيع مساعدتك.»
«لا.»
«لكنني—»
«قلت لا.»
التفت إليها بعينين واسعتين.
«أنت لا تملكين إلا ذلك السكين.»
«وأنت لا تملك إلا ساقيك. استخدمهما إذا طلبت منك.»
حرّك السرعوف فكه السفلي. انبعثت منه رائحة عفنة، رطبة، جعلت حلق رين ينقبض. لم يكن جائعًا فحسب؛ كان قد تعقب رائحتهما حتى وصل إليهما.
رفعت يدها الحرة، وجمعت أنفاسها. كان الهواء في الكهف باردًا، لكن أطراف أصابعها سخنت تدريجيًا. لم تكن تتقن السحر. كانت تعرف حركتين فقط، وتعرف أن الثانية قد تتركها عاجزة إن اضطرت إلى استخدامها.
قال شين، بصوت أخفض:
«هل سيؤلمك؟»
«ماذا؟»
«الريح.»
لم تجبه فورًا.
«ربما قليلًا.»
«إذن لا تفعليها.»
«إن لم أفعل، سيؤلمك هو.»
«يمكننا الهرب.»
«إلى أين؟»
نظر شين إلى المدخل، ثم إلى الجدار خلفهما. لم يجد جوابًا. خفض رأسه، وشد أصابعه على طرف عباءتها.
«كنت أريد أن نصل إلى النهر أولًا.»
«سنصل.»
«هل هذا وعد؟»
التقت عيناها بعينيه. كان يمكنها أن تقول الحقيقة: لا أعرف. يمكنها أن تقول إن النهر ربما جف، وإن القرية ربما لا تزال بعيدة، وإنهما قد لا يخرجان من الكهف أصلًا. لكنها رأت في وجهه ذلك الأمل الصغير الذي لم يبقَ لهما سواه.
«نعم»، قالت. «وعد.»
انقضّ السرعوف.
لم ترَ رين سوى كتلة خضراء تندفع نحوها. رسمت دائرة بيدها، فاندفع الهواء من الأرض إلى أعلى، واصطدم بالوحش عند صدره. انحنى جسده الضخم، وانزلقت قائمته على الأرض بدل أن تصل إلى عنقها، لكنها شقت عباءتها وفتحت جرحًا طويلًا في ذراعها.
تراجعت رين متعثرة. شعرت بحرارة الدم قبل أن تشعر بالألم. حدقت فيه لحظة، غير قادرة على فهم أن اللون الأحمر خرج من جسدها هي. ثم جاء الألم متأخرًا، حادًا ومحددًا، كأنه يطالبها بحقّه. أرادت أن تنظر إلى شين لتتأكد من أنه لم يرَ الجرح، لكنها لم تجرؤ على تحويل عينيها عن الوحش.
«رين!»
«إلى الخلف!»
أطلق السرعوف صريرًا حادًا، ثم ضرب الأرض بقائمته. ارتجف الكهف، وارتطمت رين بالجدار. انقطع نفسها لحظة، وسمعت شيئًا في كتفها يطقطق من شدة الاصطدام.
أمسكت ذراعها بيدها الأخرى. لم تكن تملك وقتًا لتتأكد من قدرتها على تحريكها.
أعاد الوحش رفع قائمته.
«سيف الريح!»
خرجت الكلمات من فمها مبحوحة. تشكلت أمامها شفرات غير مرئية، لم يظهر أثرها إلا حين انشق الغبار على امتدادها. ضربت صدر السرعوف، فتناثرت قطع من درعه، واندفع سائل أصفر لاذع على الصخور.
توقف الوحش لحظة.
في تلك اللحظة، رأت رين فرصة للنجاة. لم تكن كبيرة، لكنها كانت موجودة. ظلّت فتحة الكهف مفتوحة، والسرعوف تراجع نصف خطوة. لو أصابته في عينه، ربما يهرب. لو هرب، فسيكون أمامهما وقت حتى الفجر.
قالت، من بين أسنانها:
«انظر يا شين. لقد تراجع.»
رفع شين رأسه.
«حقًا؟»
«نعم. سننجو.»
كان ذلك هو الأمل الذي احتاجته لتقف. وكان أيضًا أول كذبة تقترب من ابتلاعها.
طوت رين أصابعها، وحاولت استدعاء الريح مرة أخرى. لم تستجب في البداية. تحركت ذراعها المصابة، فاشتعل الألم من الرسغ حتى الكتف. ضغطت على أسنانها، واستدارت نحو العين اليسرى للسرعوف.
قبل أن تكتمل الحركة، انفتح الدرع المتشقق عند صدر الوحش. خرجت منه زوائد دقيقة، كأصابع سوداء، وانغرست في الأرض. اندفع السرعوف من جديد، أسرع مما توقعت.
رفعت رين ذراعها.
وصلت القائمة إليها قبل الريح.
لم تخترقها، لأن الخنجر انزلق بين الصفائح وغيّر مسارها قليلًا، لكنها مزقت كتفها من أعلى الصدر حتى قرب العنق. سقطت رين على ركبة واحدة. انسكب الدم على العباءة، وامتلأت أذناها بطنين مكتوم.
سمعت شين يصرخ، لكن الصوت بدا بعيدًا.
«رين!»
حاولت الرد، فلم يخرج من حلقها سوى هواء جاف.
رفع السرعوف قائمته مرة ثالثة. لم يعد بينه وبينها سوى ذراع. رأت الحافة المسننة تقترب، ورأت خلفها وجه شين شاحبًا، وفمه مفتوحًا من دون صوت.
مدّت يدها إليه.
«لا تنظر.»
لكنه نظر.
هبطت القائمة.
لم تصل.
توقفت على بعد شبر من وجه رين. انحنى السرعوف فجأة، وارتعش جسده كله. لم تفهم ما حدث، حتى رأته: يد شين الصغيرة كانت ممسكة بالقائمة من طرفها.
لم يكن قادرًا على رفعها. كانت ذراعه ترتجف، وقد انغرزت حوافها في جلده، لكن القائمة لم تتحرك.
«شين.»
رفع عينيه إليها. لم تكن حمراوين بعد. كانتا ذهبيتين، مبللتين بالخوف.
«قلتِ إننا سننجو.»
حاولت رين أن تبتسم، فشعرت بالدم يسيل إلى فمها.
«سننجو.»
«إنه لا يتراجع.»
«أعرف.»
«قلتِ إنه تراجع.»
لم تجد جوابًا.
ضغط السرعوف بقائمته. انحنت ركبة شين، وتشققت الأرض تحت قدميه. صرخت رين، ومدّت يدها لتسحب خنجرها، لكن كتفها لم يعد يطيعها.
«اتركه يا شين!»
«إذا تركته، سيقتلك.»
«اهرب!»
«لا أستطيع.»
«شين، اركض!»
ثبتت عيناه عليها. بدا كأنه يبحث في وجهها عن الوعد الذي أعطته إياه قبل لحظات، عن النهر، وعن الصباح، وعن كل شيء يمكن أن يثبت أن العالم لم يقرر ابتلاعهما بعد.
«أين النهر؟» سأل.
«ماذا؟»
«قلتِ إننا سنصل إلى النهر.»
«سنصل، لكن عليك أن تتركني وتخرج.»
«لن أخرج من دونك.»
ازدادت القائمة ضغطًا. انبعث صوت خافت من مفاصل شين، لا يشبه صوت عظامه تمامًا.
ثم حدث شيء في داخله.
لم ينفجر الضوء، ولم تهدر السماء. انخفضت الأصوات كلها، كأن الكهف غاص تحت الماء. سمعَت رين نبضها، ثم نبض شين، ثم صوتًا ثالثًا لا تعرف من أين جاء؛ خفقة بطيئة تحت الأرض.
اتسعت شقوق التراب حول قدميه.
انطفأت ملامح الخوف من وجهه، لا لأنها تحولت إلى شجاعة، بل لأنها غُطيت بشيء أعمق. بدأ جلد يده يحمر، وتسرب دخان رقيق من بين أصابعه. تراجعت القائمة من تلقاء نفسها، لا خوفًا منه، بل كأنها أدركت متأخرة أنها لم تعد تمسك طفلًا.
«شين، انظر إليّ.»
لم يجب.
شعرت رين بأن صوتها يرتطم بشيء لا تراه. لم يكن الصمت حوله صمت طفل لا يسمع؛ كان صمت باب أُغلق من الجهة الأخرى. أدركت عندها أن أسوأ ما في القوة ليس أنها ظهرت، بل أنها قد تأخذ شين إلى مكان لا تستطيع اللحاق به.
«شين، اسمعني. أنا هنا.»
حرّك رأسه ببطء. حين التقت عيناه بعينيها، رأت فيهما شرارة حمراء، صغيرة في البداية، لكنها لم تكن انعكاسًا للنار؛ لم تكن هناك نار.
تراجع السرعوف خطوة.
هذه المرة لم يكن التراجع وهمًا.
ظنت رين أن ذلك يعني أنه خاف. ظنت، لجزء من ثانية، أن الخطر انتهى. وجدت في صدرها مكانًا صغيرًا للتنفس، ومدّت يدها نحو شين.
«أحسنت. ابتعد عنه فقط. دعنا نخرج.»
استدار السرعوف هاربًا.
زحفت قائماته فوق الحصى، واصطدمت بجدار الكهف. رأت رين المدخل خلفه، ورأت السماء الداكنة، وتخيلت نفسها تحمل شين نحو الخارج. ربما كان الوعد لا يزال ممكنًا. ربما تستطيع ربط جرحها عند النهر. ربما يجدان كوخًا قبل الصباح.
ثم سمعَت شين يلهث.
لم يكن لهاث طفل خائف. كان صوتًا خشنًا يخرج من صدر أوسع من جسده.
«شين؟»
توقفت الشرارة في عينيه عن الارتجاف. امتدت في حدقتيه حتى صارتا حمراوين بالكامل.
رفع يده نحو السرعوف الهارب.
«لا!» صاحت رين. «دعه يذهب!»
لم يلتفت إليها.
انقبضت أصابعه.
انفجرت الريح داخل الكهف، لكن رين لم تعرف إن كانت ريحًا أم شيئًا آخر. اندفع الغبار والحصى في دوامة حادة، وانغرزت الشظايا في جدران الكهف. ارتفع السرعوف عن الأرض، تشبث قائماته بالصخر، فاقتلع معها قطعًا من الجدار.
اندفعت رين على بطنها، وأمسكت صخرة بارزة قبل أن تسحبها الدوامة. شعرت بجلد كفها يتمزق، لكنها لم تفلتها.
«شين! أوقفها!»
لم يسمعها، أو لم يعرف كيف يسمع.
كان جسده الصغير في وسط الدوامة، وقد ارتفعت قدماه عن الأرض. أحاطت به خيوط حمراء رفيعة، تتلوى حول عنقه وذراعيه مثل عروق خرجت من جلده. لم يكن هو من يطلقها بالكامل؛ كان يبدو كمن يقف داخل شيء يستعمله.
صرخ السرعوف، وانغرست قائمته في الأرض. قاوم للحظات، ثم اندفع شين نحوه.
لم يكن الاندفاع سريعًا فحسب. كان بلا توازن، بلا خوف، كأن جسده أُعير إلى غضب لا يعرف التراجع. اصطدم بصدر الوحش، فسمعت رين صوتًا مكتومًا يشبه تحطم جذع رطب. ارتفع الاثنان عن الأرض، وارتطما بسقف الكهف.
سقط السرعوف أولًا.
حاول تحريك قائماته، فمزق شين إحدى صفائح صدره بيديه. لم يصرخ الطفل. لم يتوقف. قبض على الدرع، وجذبه حتى انفتح الجسد تحته، ثم دفع الوحش إلى الجدار. انهارت حجارة صغيرة حولهما.
«كفى!»
صرخت رين، لكن صوتها ضاع في الصرير.
رفع شين قبضته. لم تكن قبضته مضيئة، ولم تتجمع حولها طاقة براقة. كانت مغطاة بالدم؛ دمه ودم الوحش معًا. ضرب بها صدر السرعوف.
انغرزت القبضة بين الصفائح، وارتج جسد الوحش كله. ارتفعت قائماته لحظة، ثم سقطت على جانبيه. بقيت عيناه المركبتان مضيئتين، قبل أن يخفت الضوء الأخضر داخلهما ببطء.
توقفت الدوامة.
سقط الغبار على رين وعلى شين وعلى الجثة. ظل الصمت معلقًا بين الصخور، ثم بدأ السقف يقطر ترابًا ناعمًا.
لم تتحرك رين فورًا. كان كتفها ينزف، وذراعها ترتعش، وفي فمها طعم معدني. رفعت رأسها بصعوبة.
كان شين واقفًا فوق الجثة، وظهره إليها. التف حوله ذلك الاحمرار الخافت، لا كاللهب، بل كضوء يمر عبر لحم رقيق. كانت أنفاسه بطيئة. وفي كل مرة يزفر فيها، كانت الحصى القريبة تتحرك نحوه قليلًا.
قالت:
«شين.»
لم يجب.
«شين، انظر إليّ.»
أمال رأسه، كأن الصوت وصل إليه من نهاية ممر طويل. التفت ببطء.
لم ترَ رين الوحش الذي خافت منه. رأت وجه أخيها، لكنه كان بعيدًا عنها، محجوبًا وراء عينين لا تعرفهما.
نهضت، أو حاولت. فشل كتفها، وسقطت على ركبة واحدة.
«لا تقترب.»
خرجت الجملة من فمها قبل أن تفكر فيها. وما إن سمعَتها حتى رأت أثرها في وجهه؛ انكمشت كتفاه، وتراجعت يده التي امتدت نحوها، كأنها لم تأمره بالابتعاد عن الخطر، بل عن نفسها.
توقف شين.
«رين؟»
كان صوته صوته هذه المرة، لكنه متعب ومبحوح.
«لا تقترب.»
«أنت تنزفين.»
«أعرف.»
«دعني أساعدك.»
«ابقَ مكانك.»
نظر إلى يديه. كان الدم يملأ راحتيه، ويتجمع تحت أظافره. فتح أصابعه وأغلقها، كأنه لا يعرفها.
«ماذا فعلت؟»
لم تستطع أن تكذب بسرعة هذه المرة.
«أنقذتني.»
«هذا ليس جوابًا.»
«إنه الجواب الوحيد الذي أملكه الآن.»
تلاشى الاحمرار من حوله قليلًا، لكنه لم يختفِ. انخفضت عيناه إلى الجثة.
«هل مات؟»
نظرت رين إلى السرعوف. لم تجد في نفسها شفقة عليه. كان قد كاد يقتلها. ومع ذلك، فإن الطريقة التي سأل بها شين جعلت السؤال يبدو أخطر من الجريمة نفسها.
«نعم.»
«أنا قتلته؟»
«كنت تحاول حمايتي.»
«لم أسألك لماذا.» رفع عينيه إليها. «هل أنا قتلته؟»
سكتت.
كانت الإجابة بسيطة، لكنها بدت كحجر ستضعه في فمه إلى الأبد.
«نعم»، قالت أخيرًا.
تراجع شين خطوة. انطفأت الشرارة الأخيرة في عينيه، وعاد لونهما الذهبي، لكن وجهه لم يعد بريئًا كما كان قبل دقائق. نظر إلى الجثة، ثم إلى الدم على يديه، ثم بدأ يتنفس بسرعة.
«لم أرد.»
«أعرف.»
«لم أرد أن أمزقه.»
«أعرف.»
«كان سيقتلك.»
«أعرف يا شين.»
«كنت خائف.»
اقتربت رين منه رغم الألم. كل خطوة كانت تجعل جرح كتفها ينبض، لكنها لم تتوقف. حين وصلت إليه، جثت أمامه، وأمسكت يديه بين يديها.
ارتجف عندما لمسته.
«هل تخافين مني؟»
كان يمكنها أن تقول لا، كما قالت في كل مرة احتاج فيها إلى كذبة تمنحه نومًا هادئًا. لكنها رأت الدم، ورأت الشقوق في الأرض، وتذكرت كيف لم يسمعها حين صاحت. والأسوأ أنها تذكرت اللحظة التي تراجعت فيها خطوة عنه، خطوة واحدة فقط، لكنها بقيت معلقة بينهما كحاجز لا تراه العين ويشعر به القلب.
«خفت من أن أفقدك.»
«هذا ليس جوابًا.»
«إنه أقرب جواب أستطيع قوله.»
رفع رأسه إليها.
«إذن أنت خائفة مني.»
أمسكت بوجهه، وأجبرته على النظر إليها.
«أنا خائفة عليك. هناك فرق.»
«لا أشعر به.»
«ستشعر به عندما تكبر.»
«هل سأكبر؟»
توقفت أصابعها على خده.
كان السؤال بريئًا، لكنه ضربها في المكان الذي تخبئ فيه خوفها. نظرت إلى مدخل الكهف، إلى الليل الذي لم يفتح لهما طريقًا، ثم عادت إليه.
«نعم.»
«وسنصل إلى النهر؟»
نظرت إلى يديه الملطختين بالدم، ثم إلى الجثة التي تركت في صدر الكهف رائحة حادة خانقة.
«سنصل.»
تعلّق بعينيها لحظة، كأنه يحاول أن يقرر إن كان يصدقها. ثم انهار التعب في جسده دفعة واحدة. ترنح، فأمسكته قبل أن يسقط، وأسندت رأسه إلى صدرها.
«هل ما زلتِ غاضبة؟» سأل.
«نعم.»
«مني؟»
«من الدم.»
«هذا ليس جوابًا.»
ابتسمت رغمًا عنها، ثم تأوهت حين شدّ على كتفها المصاب.
«آسف»، قال بسرعة، وابتعد عنها.
«لا. ابقَ.»
«لكني أؤلمك.»
«أنت لا تؤلمني. كتفي يفعل.»
«كتفك لا يتكلم.»
«لو تكلم، لطلب منك أن تتوقف عن طرح الأسئلة.»
ضحك شين ضحكة خافتة، لكن عينيه ظلّتا معلقتين بوجهها، تراقبان المسافة بينهما. لم يطمئن إلى المزحة؛ كان يختبرها. أراد أن يعرف إن كان لا يزال مسموحًا له بأن يلمسها، وأن يضحك قربها، وأن يكون شين نفسه لا الشيء الذي خرج منه.
ربتت رين على ظهره حتى هدأ. كان ذلك أشبه باستراحة صغيرة سرقها الاثنان من الليل؛ لحظة يمكن فيها لشخصين مرهقين أن يتشاجرا على معنى الألم، بدل أن يفكرا في الجثة بينهما.
مزقت رين طرفًا من عباءتها وربطت به جرح كتفها. لم يكن الرباط محكمًا، لكنه أبطأ النزف. كان شين يراقبها بصمت.
«هل ستتمكنين من المشي؟»
«غدًا.»
«هذا ما قلتِه عن الخروج.»
«أنت تتعلم بسرعة.»
«منك.»
رفع عينيه إليها، وكان في ابتسامته شيء متردد، شيء يحاول العودة إلى مكانه القديم. كادت تترك نفسها لذلك الأمل. كادت تصدق أن القوة انتهت، وأنها لن تعود إلا إذا اضطر إليها.
ثم تحركت جثة السرعوف.
لم تتحرك كثيرًا. ارتعشت إحدى قائماته، وانفتح شق في صدره. خرج منه خيط أسود رفيع، لا يشبه الدم ولا الدخان. ارتفع الخيط في الهواء، ثم اتجه نحو شين.
شدته رين إلى الخلف.
«لا تلمسه.»
«ما هذا؟»
«لا أعرف.»
توقّف الخيط أمام وجه شين. كان رفيعًا إلى درجة تكاد لا تُرى، لكنه ترك على جلد رين قشعريرة باردة. انكمش فجأة، ثم اندفع خارج الكهف، متسللًا بين الأشجار.
بقيت رين تحدق في المدخل.
«هل انتهى الأمر؟» سأل شين.
لم تجبه.
في الخارج، بعيدًا بين الجذوع، أضاءت نقطة خضراء. ثم ظهرت ثانية. وثالثة. لم تكن عينا مخلوق واحد.
كان هناك أكثر من شيء يراقبهما.
جلس شين إلى جوارها، وأسند رأسه إلى ذراعها السليمة. كان جسده يرتجف من البرد والإرهاق، فلم تبعده عنها. وضعت ذقنها فوق رأسه، وأبقت يدها قرب الخنجر.
«رين؟»
«نعم؟»
«عندما نصل إلى النهر، هل يمكن أن نبني بيتًا؟»
نظرت إلى الظلام خارج الكهف. كانت النقاط الخضراء قد اختفت، لكن ذلك لم يطمئنها. الأشياء التي تريد افتراس فريستها لا تحتاج إلى أن تظل مرئية.
«يمكننا أن نبني بيتًا.»
«بباب كبير؟»
«باب كبير.»
«ونافذة تطل على الماء؟»
«ونافذة.»
«ولن يدخل أي وحش؟»
وضعت رين يدها على كتفه، بحذر كي لا تزيد ألمه.
«لن يدخل أي وحش.»
نام شين بعد ذلك بقليل، وهو لا يزال ممسكًا بطرف عباءتها. أما رين فبقيت مستيقظة، تحدق في مدخل الكهف. كانت تعرف أن النهر ليس قريبًا، وأن كتفها لن يسمح لها بالسير طويلًا، وأن شيئًا ما حمل أثر قوة شين إلى قلب الغابة.
ومع ذلك، واصلت مراقبة الليل، كأن الوعد وحده يستطيع أن يصنع جدارًا.
في ساعة متأخرة، جاءها صوت خافت من بين الأشجار. لم يكن فحيحًا، ولا صريرًا. كان صوتًا بشريًا.
«لا تخافي. لقد رأينا ما حدث.»
تجمدت رين، ووضعَت يدها على فم شين قبل أن يستيقظ. حدقت في الظلام، فلم ترَ أحدًا.
«نحن نعرف طريق النهر»، تابع الصوت. «ونعرف كيف نوقف ما يسكن داخله.»
شعرت رين بأنفاس شين الدافئة على كفها. كان نائمًا، مطمئنًا إلى أنها ما زالت بجواره.
قال الصوت:
«ساعدينا، وسنخرجكما من الغابة.»
للحظة، بدا العرض رحيمًا. بدا كالباب الذي انتظرته رين طوال أسابيع. طريق إلى النهر، علاج لجرحها، وربما جواب عن القوة التي ظهرت في شين.
ثم جاءها شيء آخر مع الصوت؛ رائحة رماد، وخطوات كثيرة تتوقف خارج الكهف، وصوت معدن يلامس معدنًا.
لم يكن من جاء يبحث عنهما يحمل ماءً أو دواءً.
فتحت رين خنجرها ببطء، وأبقت وجهها قريبًا من شعر شين.
«عودوا غدًا»، قالت.
ضحك الصوت من الخارج ضحكة هادئة.
«غدًا لن يكون لكما.»
ضمّت رين شين إليها، وأبقت عينيها على الظلام. كان قد وعدها بالخروج إلى النهر، وهي وعدته ببيت لا تدخله الوحوش. الآن، وللمرة الأولى، لم تعرف أيّهما كان الوعد الكاذب. وضعت يدها فوق شعره، لكنها لم تضغط كما اعتادت؛ تركت راحة يدها تلامسه بحذر، كأنها تخشى أن توقظ فيه شيئًا آخر. ظل شين نائمًا، أو تظاهر بالنوم، فيما بقيت رين تحدق في العتمة وتفكر في الحقيقة التي لم تملك شجاعة قولها: قد يكون الخطر الذي وعدته بحمايته منه قد صار يسكن تحت جلد أخيها.
خارج الكهف، بدأت الغابة تتحرك من جديد. وتحت الأشجار، أخذت خطوات الغرباء تقترب، خطوة بعد أخرى، بينما ظل شين نائمًا في حضنها، غير عالم بأن القوة التي أنقذتهما من وحش واحد قد كشفت مكانهما لوحوش أكثر عقلًا.