كان درفال هائماً في سديم من الظلام الدامس، يلفّه هدوء جنائزي لا يُوصف.
شعر بكيان غامض يستيقظ في أعماقه، ودفء عارم يغمره كأنه عاد إلى رحم أمه. لم تكن مجرد طاقة يمنحها له النظام، بل شيء حيّ، يتنفس بداخله ويُعيد صياغة وجوده. تدريجياً، أطبق عليه نعاس ثقيل، فانزلق وعيه ببطء نحو سبات عميق.
"آه…"
فتح درفال عينيه ببطء… ثم تجمد.
أول فكرة اخترقت ذهنه كانت:
«أين أنا؟»
المكان لا يشبه منزله، ولا ذلك الفراغ الأسود المسمى "البعد الرابع". كان يقف في زقاق ضيق على طريق ترابي، تحفه جدران حجرية متهالكة لم تعرف الإسمنت يوماً، بل بدت كأنها نُحتت من عظام التاريخ.
بينما كانت أفكاره تتسارع، أدرك حقيقة صادمة:
رغم أنه في قلب المجهول، ورغم تعرضه لعملية اختطاف كوني غامضة… إلا أنه كان هادئاً بشكل مريب.
يحلل الموقف ببرود جليدي بدلاً من أن ينهار في فزع هستيري.
عصر ذهنه، فتدفقت معلومات غريزية جديدة استقرت في كيانه.
تمتم لنفسه بهدوء:
«الانهيار… سيد العقل… والشكل الحقيقي؟»
ثلاث كلمات كانت مفاتيح قوته الجديدة، لكن "الشكل الحقيقي" ظل لغزاً موصداً بلا تفسير.
صرخ في الفراغ:
"أيها النظام اللعين!"
لا رد.
حاول مجدداً بنبرة ساخرة تقطر مرارة:
"أيها النظام الكريم والرائع…"
ساد الصمت.
استنتج درفال فوراً أنه فقد الاتصال بالنظام. لكنه أدرك أيضاً سر بروده غير الطبيعي.
«سيد العقل… سمة تحافظ على صفاء تفكيري.
لا تجردني من المشاعر، لكنها تمنعني من الانهيار تحت الضغط.»
ثم تذكر آخر همسات النظام قبل أن يفقد وعيه:
[عالم سحري أدنى — رقم 249]
"سحرة…" فكر درفال بمرارة.
"لم يمنحني حتى قوة مريحة منذ البداية."
أدرك سريعاً طبيعة «الانهيار»: قدرة تسمح بتفكيك المادة على المستوى الذري. في البداية ظنها الجائزة الكبرى، لكن الحقيقة كانت مرعبة: جسده الحالي أضعف من أن يتحملها. أي خطأ في السيطرة قد يؤدي إلى ارتداد مدمر — نزيف داخلي، أو موت فوري.
"رائع… سلاح قد يقتلني قبل عدوي."
ابتسم بسخرية مريرة.
للحظة راودته فكرة الاستسلام، فكرة البقاء عالقاً في حضارة بدائية بجدران طينية وطرق مغبرة كانت تثير غثيانه.
لكن غريزة البقاء — المدعومة بـ"سيد العقل" — كانت أقوى.
سار خارج الزقاق، ليتفاجأ بسوق صغير يعج بالحياة: صراخ باعة، مساومات زبائن، وضجيج مألوف.
لاحظ فوراً أنه يفهم لغتهم بطلاقة تامة، كأنها لغته الأم. بل أكثر من ذلك، شعر أنه قادر على كتابتها أيضاً.
توقف للحظة، يراقب المكان.
ثم تنفس ببطء، وعيناه تلمعان بعزم بارد.
أولويته الآن هى البقاء. على قيد الحياة
وهدفه الأسمى ببساطة هو العودة إلى الأرض… مهما كان الثمن، وبأي طريقة.
إليك **النسخة النهائية المُلمّعة** لهذا الجزء، مع مراعاة طلبك بالضبط:
---
درفال أخذ خطوة إلى الأمام، يعتصر ذهنه بحثاً عن طريقة مناسبة ليفتح حواراً مع أحدهم، حتى لو كان الحديث بسيطاً، يكفي ليحصل على أدنى فكرة عن المكان الذي وُجد فيه.
لكن قبل أن ينطق بكلمة، تلاشت صدمة الانتقال لتُحل محلها صدمة حسية عنيفة.
هاجمت أنفه روائح قذارة خانقة: فضلات الخيول، عرق الأجساد المتكدسة، وروائح عفنة لم يستطع تمييز مصدرها. شعر بمعدته تنقلب بعنف. انحنى إلى الأمام وتقيأ كل ما في جوفه على التراب.
كان يتقيأ بشدة، جسده يرتجف، عندما شعر بيد خشنة تربت على ظهره بلطف.
"أيها الشاب… هل أنت بخير؟"
رفع درفال رأسه ببطء. أمامه رجل في منتصف العمر، شعره أسود مخلوط بخصلات رمادية، ويداه خشنتان من العمل الشاق. نظر إليه الرجل بقلق صادق.
استعاد درفال توازنه، وراقب الرجل بعينين تحليليتين قبل أن يجيب بهدوء:
"أنا بخير… يبدو أنني أكلت شيئاً فاسداً."
أومأ الرجل برأسه، ثم فحصه بنظرة أعمق.
"أنت لست من هذه المدينة، أليس كذلك؟ وجهك غير مألوف، وثيابك ممزقة. من أين أتيت يا فتى؟"
شعر درفال بتوتر خفيف يتسلل إليه، لكنه حافظ على تعابيره هادئة.
"أنا من إحدى القرى الصغيرة… أُجبرت على القدوم إلى هنا."
كان عذراً بسيطاً، لكنه لمس وتراً عند الرجل الذي أومأ بأسى.
"إذن أنت من ضحايا الشتاء القاسي… هذا يفسر الكثير.
نصيحة لك أيها الشاب: ابحث عن عمل فوراً، وإلا سيرميك الحراس خارج الأسوار. المدينة لا تطيق المزيد من المتشردين."
قبل أن يرد درفال، اختفى الرجل وسط الزحام.
استنتج درفال من الكلمات القليلة أن الشتاء هنا قاسٍ لدرجة الفناء، وأن نزوح أهل القرى حوّلهم إلى طبقة منبوذة ومضطهدة. هذا الغطاء… مثالي له الآن.
بدأ يتجول في السوق، يسترق السمع إلى كل همسة، يجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات.
لاحظ حينها تغيراً غريباً في جسده: الدوار والإرهاق اختفيا تدريجياً. لكنه عندما نظر إلى يديه وقامته… أدرك الصدمة الحقيقية.
كان أقصر.
أطرافه أنحف.
وجهه… وجه مراهق.
«هل أنا في جسد مراهق؟»
تساءل درفال بمرارة. «هل غيّر النظام المحتال لغتي وجسدي معاً؟»
قطع حبل أفكاره صوت تاجر يصرخ طالباً عمالاً:
"بحاجة إلى عمال شباب!"
رسم درفال ابتسامة متواضعة، انحنى قليلاً كمراهق عادي، واقترب قائلاً:
"سيدي… هل يمكنني التقدم للعمل؟"
رمقه التاجر بنظرة فاحصة من أعلى إلى أسفل، ثم لوح بيده صارخاً:
"غاويل! تعال وانظر إلى هذا الصبي. هل يصلح للعمل؟"
انشق الزحام عن رجل ضخم عريض المنكبين، ندبة غائرة تمتد من أسفل عينه إلى عنقه. منظره كان مخيفاً بما يكفي ليجعل أي مراهق يتراجع، لكن درفال ظل ثابتاً بفضل برود "سيد العقل".
أشار غاويل له بصمت أن يتبعه، ثم تحدث بصوت عميق:
"المهمة بسيطة: احمل الصناديق إلى العربة مع الآخرين، ثم اركب معهم. عند المستودع أنزلها وعد.
الأجر عشرون قطعة نحاسية لكل رحلة."
عبس درفال داخلياً رغم بقاء ابتسامته. عشرون قطعة… تكفي بالكاد لوجبة واحدة.
لكنه لم يعترض. هدفه الآن التأقلم، لا المساومة.
لاحظ غاويل صمته، فبصق على الأرض ساخراً:
"إن كان الأجر لا يعجبك، فارحل. هناك عشرات مثلك.
تباً لهؤلاء المتشردين من القرى المدمرة…"
تجاهل درفال الإهانة تماماً. اعتبرها تأكيداً على نجاح تنكره.
توقف غاويل أمام أربعة شبان يحملون صناديق خشبية ضخمة. أشار إلى درفال بالبدء، ثم اقترب منه حتى أصبح وجهه قريباً جداً من وجه درفال، وهمس بصوت منخفض بارد:
"لا تقم بشيء أحمق قد يؤدي إلى وفاتك…
فالطريق قد يكون منزلقاً، وقد تسقط أنت والصندوق… ويسحقك."
رغم أن درفال لم يشعر بخوف حقيقي، إلا أنه ارتدى تعابير الخوف ببراعة: انكمش قليلاً، خفض عينيه، وتراجع نصف خطوة إلى الخلف.
غاويل ابتسم ابتسامة قاسية، وعيناه تلمعان برضا واضح — كأنه استمتع برؤية الخوف على وجه "الصبي".
في قرارة نفسه، كان درفال يسخر ببرود:
«هذا الوحش يريد فقط أن يشعر أنه مخيف ومتحكم…
يا له من بائس.»
لكنه لم يظهر أي شيء من ذلك على وجهه.