الفصل العاشر: الدعوة
عادت إيليانا بيلمون إلى جناحها وهي تحمل ورقة الدعوة كما لو أنها تحمل شيئًا هشًا
لم تكن الدعوة طويلة، سطران فقط وختم ڤيريتاس في الأسفل، لكن سطرين في هذا المكان يكفيان ليقلبا يومًا كاملًا
جلست على طرف السرير، وضعت الورقة على الغطاء الأبيض، ثم حدقت فيها
فعالية الغد قرب الماء
أشخاص لا يبتسمون كثيرًا
ولا تذهبي إلى المنتصف
الكلمات تتكرر في رأسها، كلمة من الجدة وكلمة من كايل، لكن تكرارها من فمه جعلها أشد ثقلًا، لأن الجدة تخطط بصوت واضح، أما كايل فيخفي نواياه في نصيحة
وقفت إيليانا، فتحت الستائر قليلًا
رأت شريط الماء من بعيد بين الأشجار، ورأت انعكاس الضوء كأنه خيط فضي طويل، ورأت المرسى في الأسفل حيث تتحرك الأضواء الصغيرة مثل عيون حذرة
أحست للحظة أن الجزيرة كلها تراقب، لا بعين شخص واحد، بل بعين نظام
رن هاتفها الجديد بنغمة قصيرة
نظرت إلى الشاشة
اسم جريس
أجابت بسرعة
"نعم"
جريس قالت بنبرة حماس واضح
"أنتِ بخير"
إيليانا ابتسمت رغم نفسها
"نعم"
"أظن"
جريس ضحكت
"هذا أفضل جواب في ڤيريتاس"
ثم قالت بسرعة
"هل معكِ الدعوة"
إيليانا قالت
"نعم"
جريس قالت
"حسنًا، نحن سنجهزك"
سألت إيليانا بقلق خفيف
"لأي شيء"
جريس قالت
"للغد"
ثم توقفت لحظة وكأنها تقرر أن لا تخيفها
"لا تخافي، ليست محكمة"
إيليانا همست دون قصد
"لكن كل شيء هنا يشبه المحكمة"
جريس قالت بلطف
"إذن اعتبريه محكمة بملابس جميلة"
ثم أضافت بنبرة عملية مرحة
"سأمر عليكِ بعد ساعة"
"وسنذهب إلى غرفة صغيرة قرب البهو، فيها ما تحتاجينه"
إيليانا ترددت
"ماذا تقصدين بما أحتاجه"
جريس قالت
"لا أشياء كثيرة"
"فقط ما يمنع الناس من أن يقرأوك خطأ"
ثم أغلقت المكالمة قبل أن تسأل إيليانا أكثر
بقيت إيليانا واقفة لحظة
ثم تذكرت تدريب كايل
لا تشريحي نفسك بالشرح
لكنها كانت تحتاج أن تفهم، ولو قليلًا
فتحت حقيبتها، أخرجت الدفتر الذي أعطته لها الجدة، وفتحت صفحة جديدة
كتبت سطرًا واحدًا
في ڤيريتاس، لا يكفي أن تكوني صادقة، يجب أن تكوني واضحة
ثم توقفت، وكأنها تخاف أن تصبح الكلمات فخًا
بعد ساعة، طرقت جريس الباب
فتحت إيليانا
دخلت جريس بحقيبة صغيرة في يدها وبابتسامة تقول إنها جاءت لإنقاذ يوم إيليانا من الانهيار
قالت فور دخولها
"لا تنظري إليّ هكذا"
"أنا لا أتيت لأغيرك"
"أنا أتيت لأمنعهم من ابتلاعك"
ابتسمت إيليانا بخجل
"أنا لا أعرف لماذا تقولين ذلك كثيرًا"
جريس وضعت الحقيبة على الطاولة
"لأنكِ لا تعرفين كم مرة رأيت هذا يحدث"
ثم قالت بجدية خفيفة
"تعالي"
جلستا معًا
أخرجت جريس من الحقيبة علبة صغيرة فيها مشط، ورباط شعر بسيط، وقرطين صغيرين
قالت جريس
"الغد قرب الماء"
"الشعر هنا يخونك"
سألت إيليانا
"كيف"
جريس قالت
"حين يتطاير"
"يظنون أنكِ متوترة"
ثم أضافت بسرعة قبل أن تعترض إيليانا
"لا لأن التوتر عيب"
"بل لأنهم يستعملونه"
سكتت إيليانا، لأن الجملة تشبه ما قالته الجدة وأوغست وكايل، لكن حين تقولها جريس تبدو أقل قسوة
قالت إيليانا وهي تنظر إلى القرطين
"هل أحتاج هذا"
جريس قالت
"لا"
ثم ابتسمت
"لكنهم يعتقدون أنكِ تحتاجين"
ثم فتحت هاتفها، وأظهرت لإيليانا صورة لمكان الفعالية
قاعة مفتوحة قرب الماء، أرض خشبية داكنة، أضواء خافتة، طاولات صغيرة، كراسٍ بعيدة عن بعضها، كأن كل مجموعة تُمنح مساحة للهمس
قالت جريس
"هذه ليست حفلة"
"هذه مكان لتبادل الوعود"
إيليانا همست
"وعود ماذا"
جريس رفعت كتفها
"كل شيء"
ثم أضافت بابتسامة
"وعود عمل، ووعود صمت، ووعود زواج أحيانًا"
تجمدت إيليانا
نظرت إلى جريس
"زواج"
جريس رفعت حاجبيها كأنها تراجعت خطوة
"آسفة"
"أنا قلتها بسرعة"
إيليانا قالت ببطء
"هل… يتكلمون عني"
جريس لم تنفِ
قالت فقط
"لأن اسمكِ كبير هنا"
"ولأنكِ أنثى"
ثم سكتت لحظة
"ولأنكِ وحيدة"
شعرت إيليانا بأن كلمة وحيدة أصابت مكانًا حساسًا، ليس في حاضرها فقط، بل في فقدها لأمها أيضًا
قالت بسرعة لتغطي الألم
"لست وحيدة"
جريس ابتسمت
"الآن لستِ"
ثم قالت بحزم لطيف
"وأنا سأكون معك"
في تلك اللحظة رن هاتف جريس
نظرت إلى الشاشة ثم قالت بسرعة
"نيكو"
أجابت
"نعم"
ثم ضحكت
"لا، لن تكون هناك موسيقى صاخبة"
"ليس غدًا على الأقل"
استمعت لثانيتين ثم قالت
"لا، لا تأتي بقمصان ملونة"
ثم أغلقت وهي تضحك
إيليانا سألت رغم قلقها
"هو دائمًا هكذا"
جريس قالت
"هو هكذا ليخفي أنه يفهم أكثر مما يظهر"
ثم أضافت وهي تنهض
"تعالي معنا الليلة"
"سنأخذك إلى الشاطئ من جديد"
إيليانا تفاجأت
"الآن"
جريس أومأت
"قبل أن يزدحم المكان غدًا"
"الليلة الشاطئ شبه فارغ"
"وسأعرفك على شيء مهم"
سارتا معًا خارج الجناح
في الطريق التقيا سيلفي وإيلارا
كانت سيلفي تحمل كتابها كالعادة، وإيلارا تحمل نظارتها الشمسية حتى في المساء، كأنها مستعدة دائمًا لأن تضع حاجزًا بين عينيها والعالم
قالت إيلارا فورًا
"هل أنتِ جاهزة للغد"
إيليانا هزت رأسها
"لا"
إيلارا قالت
"هذا جواب صادق"
ثم أضافت
"سنجعله جوابًا لا يراه أحد"
سارت المجموعة نحو الشاطئ
الليل كان ينزل ببطء، والأضواء الصغيرة على الجوانب بدأت تضيء، لا لتعلن الطريق، بل لتجعل الطريق يبدو أجمل مما هو عليه
حين وصلن إلى الشاطئ، كان المكان فعلاً شبه فارغ
المنصة الخشبية نفسها، لكن الآن الشموع صغيرة على الأطراف، والبحر أمامهم أغمق، والماء يعكس نقاط الضوء كأنه يحتفظ بها
جلسن على طرف المنصة
كان صمت المكان أهدأ من صمت النادي، لأن البحر لا يحاكمك، فقط يسمعك
قالت جريس بعد لحظة
"أريدك أن تتعلمي قاعدة رابعة"
إيليانا نظرت إليها
جريس قالت
"لا تقفي أبدًا في مكان تستطيع فيه سيلست أن تراك وحدك"
سألت إيليانا
"لماذا"
إيلارا أجابت هذه المرة
"لأنها تلتقط الأشخاص وهم وحدهم"
ثم أضافت
"وتصنع منهم قصة"
سيلفي قالت بهدوء
"وأحيانًا تكون القصة جميلة"
"لكنها ليست قصتك"
ابتلعت إيليانا ريقها
قالت جريس
"وغدًا… سيحاول ريون أن يدفعك إلى المنتصف"
إيليانا تذكرت نصيحة كايل والجدة
"لا تذهبي إلى المنتصف"
قالت إيليانا
"لماذا يهتم أن أكون في المنتصف"
جريس قالت
"لأن المنتصف يجعل الناس يظنون أنكِ تتحدينهم"
إيلارا قالت
"أو أنكِ تطلبين شيئًا"
سيلفي قالت
"والذي يطلب يُحاسب"
صمتت إيليانا
ثم قالت فجأة
"كايل قال لي الشيء نفسه"
تبادلت الثلاث نظرة قصيرة
جريس قالت بحذر
"كايل…"
ثم ابتسمت لتخفف
"هو جيد في النصائح"
إيليانا سألت، وكأن السؤال خرج من فمها دون إذنها
"لماذا لا يظهر في الفعاليات"
جريس سكتت ثانية أطول من المعتاد
ثم قالت
"لأنه… لا يحب الضوء"
لم يكن جوابًا مقنعًا، لكنه كان كافيًا لتفهم إيليانا أن جريس تعرف أكثر مما تقول
وقبل أن تسأل أكثر، مرّ في الطرف البعيد من الشاطئ رجلان من موظفي المرسى، يتحدثان بسرعة، ثم توقفا حين لاحظا وجودهم
لكن إيليانا سمعت كلمة واحدة قبل أن يقطعها صوت البحر
"كوستوس"
تصلبت إيليانا
نظرت إلى الظلام في اتجاه الصوت
لم ترَ أحدًا
لكنها أحست أن الكلمة ليست مجرد لقب، بل ظلّ يمشي على الجزيرة ويعرف كل باب
نهضت جريس بسرعة وكأنها تريد أن تقطع التوتر
قالت
"حسنًا"
"انتهى درس الليلة"
ثم ابتسمت لإيليانا
"غدًا ستنجحين"
سألت إيليانا بصوت منخفض
"كيف أنتِ متأكدة"
جريس قالت
"لأنكِ ما زلتِ تخافين"
ثم أضافت
"والذي يخاف… ينتبه"
عدن إلى ڤيريتاس
وعند مدخل البهو، رأته
ريّون كان واقفًا قرب الدرج، يضحك مع رجل أكبر منه، ثم حين لمح إيليانا توقف عن الضحك كأن الضحك كان قناعًا
اقترب خطوة واحدة فقط، وقال بصوت منخفض
"غدًا"
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة
"سنرى إن كنتِ قادرة على الوقوف في الضوء"
وللمرة الأولى، لم تشعر إيليانا أنها تريد الهرب
شعرت أنها تريد أن تثبت
حتى لو لم تفهم بعد لماذا يهمها أن تثبت أمامه
انتهى الفصل العاشر