الفصل الخامس عشر: الدعوة
كان صباح ڤيريتاس هادئًا على نحو يثير الريبة
ليس هدوءًا مريحًا، بل هدوء ما قبل ترتيبٍ جديد، كأن الممرات نفسها تنتظر أن يُكتب عليها شيء
استيقظت إيليانا بيلمون بعد ليلة قصيرة، نومها كان متقطعًا، وكلما أغمضت عينيها عادت إليها جملة سيلست، لا تثقي بمن يحميكِ في الظل، ثم عادت رسالة الهاتف، ارجعي الآن، ثم عادت نظرة كايل من خلف الستارة
نهضت ببطء، غسلت وجهها، ثم وقفت أمام المرآة
بياض بشرتها كان يفضح قلة النوم، وعيناها السوداوان بدتا أعمق، كأنهما حملتا الليل بدلًا منها
رن الهاتف بنغمة واحدة
هذه المرة كان الاسم واضحًا
كايل
تجمدت إيليانا لحظة، ثم أجابت بسرعة قبل أن تندم
"نعم"
جاء صوته منخفضًا، ثابتًا كما هو
"بعد عشر دقائق، جناح التأهيل"
ابتلعت إيليانا ريقها
"الآن"
قال
"نعم"
ثم أضاف كما لو أنه يضع قاعدة
"جلسة قصيرة"
انتهت المكالمة قبل أن تسأله لماذا
لبست إيليانا بسرعة، لم ترتب شعرها كثيرًا، فقط ربطته كما علمتها جريس، وخرجت
في الطريق إلى الجناح الخاص كانت الممرات شبه فارغة، كأن الوقت نفسه محجوز لخطواتها
مررت البطاقة، دخلت
القاعة الزجاجية العالية استقبلتها برائحة ماء خفيفة وبصمت واسع، الحوض الأولمبي ساكن، الخطوط تحت سطحه مستقيمة كأنها تعاند الفوضى
وكان كايل عند الطرف، يحمل ملفًا رفيعًا، لا ينظر إليها فورًا
قال دون أن يرفع رأسه
"أغلقي الباب"
أغلقته إيليانا
كانت الجملة بسيطة، لكنها جعلت خصوصية المكان أثقل، لأنها أصبحت حقيقة معلنة
التفت إليها كايل أخيرًا
قال
"اليوم تدريب على الظهور"
ترددت إيليانا
"الظهور أين"
قال
"اليخت"
توقفت الكلمة في صدرها
"اليخت"
أومأ كايل
"هناك فعالية اليوم بعد الغروب، على يخت ڤيريتاس"
ثم أضاف بوضوح
"ودعوتك وصلت"
سألت إيليانا بارتباك
"من دعاني"
قال
"النادي"
لم يكن جوابًا كاملًا، لكنه كان كافيًا لتفهم أن وراء كلمة النادي أشخاصًا
اقترب خطوة، ثم توقف عند مسافة لا تخون عادته
قال
"ستذهبين مع دائرتك"
"لكن عليك أن تعرفي كيف تتحركين على سطح يطفو"
لم تفهم إن كان يتكلم عن اليخت أو عن المجتمع
قالت بصدق
"أنا لا أعرف شيئًا عن اليخوت"
كايل قال
"لهذا أنتِ هنا"
ثم نظر إلى الحوض
"سنبدأ بالماء"
ترددت إيليانا
"سنسبح الآن"
قال
"نعم"
ثم قال بوضوح شديد، كأنه تعلم من ارتباكها السابق
"إذا لم ترتاحي، قولي توقفي"
أومأت
توجهت إيليانا إلى منطقة تبديل صغيرة خلف حاجز خشبي، لا يرى منها أحد شيئًا، لكنها شعرت بوجوده حتى من خلف الحاجز، وجود يراقب الوقت لا الجسد، هكذا أقنعت نفسها
بدلت ملابسها ببطء، ثم خرجت إلى الحافة
وقفت لحظة
الماء ساكن
وهي ليست ساكنة
رفع كايل نظره إليها
رفع نظره بشكل عادي، ثم طال أكثر من اللازم
لحظة واحدة فقط
لكنها كانت كافية لتشعر إيليانا بحرارة خفيفة في وجهها، كأن الهواء صار أقرب
التقت عيناها بعينيه
سواد عينيها قابل ثبات نظرته
وفي اللحظة التي أدرك فيها أنه أطال، تحرك شيء صغير في وجهه، ليس ابتسامة، بل تراجع
خفض نظره فورًا إلى الملف، ثم إلى الساعة، وقال بنبرة أكثر برودة مما يحتاج
"انزلي"
نزلت إيليانا الدرج ببطء
شعرت ببرودة الماء، ثم بدفء يتبعها
وقف كايل على الحافة
قال
"اليوم لا أريد خوفًا"
قالت إيليانا وهي تحاول أن تبدو عادية
"الخوف لا يذهب لأنك لا تريده"
قال
"أعرف"
ثم أضاف
"لكن يمكن أن يخف إذا بقيتِ في يدك"
بدأت السباحة
هذه المرة لم تغرق
لم تتشبث
لكنها كانت تشعر بوجوده فوقها كأنه سقف يحميها، وجود صامت لكنه حاضر
قال كايل
"ارفعي ذراعك"
رفعتها
قال
"الكتف"
ثم توقف لحظة، كأنه يقرر
نزل إلى الماء
لم يقف قريبًا جدًا، لكنه صار على مسافة تسمح له أن يصحح الحركة دون أن يرفع صوته
قال قبل أن يلمس
"سأصحح مرفقك"
"هل تسمحين"
قالت إيليانا بصوت خافت
"نعم"
لمس مرفقها، ثبته، ثم تركه سريعًا، كأنه يخشى أن يطول
تقدمت إيليانا مسافة قصيرة، ثم عادت
حين وصلت إلى الحافة، كانت تلهث قليلًا
قال كايل
"جيد"
ثم صمت
الصمت بينهما كان أثقل من التدريب
خرجت إيليانا من الماء
لفت المنشفة حول كتفيها، ووقفت تحاول أن تخفي ارتجافة خفيفة من البرد
قال كايل، وعيناه على الساعة
"لديكِ ثلاثون دقيقة"
"ثم ستذهبين إلى جريس"
سألت إيليانا
"لماذا"
قال
"لأنهم سيحاولون تغييركِ قبل أن تصلي إلى اليخت"
ثم أضاف بجملة قصيرة
"لا تسمحي لهم"
ترددت إيليانا، ثم قالت
"ومن هم"
كايل لم يجب
اكتفى بأن نظر إليها لحظة، ثم قال
"ستعرفين حين يبدأون بالابتسام أكثر من اللازم"
خرجت إيليانا
بعد نصف ساعة كانت مع جريس في غرفة صغيرة قرب البهو، غرفة فيها مرايا وإضاءة دافئة وخزانة فيها أشياء أكثر مما تحتاجه فتاة واحدة
كانت سيلفي موجودة، وإيلارا، ونيكو يقف عند الباب يشتكي لأنه مُنع من الدخول
قال نيكو بصوت مسموع
"أنا فقط أريد أن أتأكد أنكم لا تختارون شيئًا يقتل المتعة"
إيلارا ردت من الداخل
"اخرج"
نيكو قال
"قاسٍ"
ضحكت جريس رغم توترها
ثم التفتت إلى إيليانا
"اليخت اليوم ليس مجرد فعالية"
إيليانا سألت
"ماذا هو"
جريس قالت
"عرض"
ثم أضافت وهي تفتح خزانة صغيرة
"ولأنكِ جديدة، سيحاولون أن يختاروا لكِ دورًا"
شعرت إيليانا بثقل الكلمة مرة أخرى