الفصل الأول: العضوية الألماسية
وقفت إيليانا بيلمون أمام بوابة نادي ڤيريتاس في إيل ميراج، وقفة من يقف على عتبة حياة لا يعرف لغتها بعد، كان البحر قريبًا بما يكفي ليُسمع، بعيدًا بما يكفي ليبدو كأنه خلف زجاج، وكانت البوابة أعلى مما توقعت، لا لأنها مرتفعة فحسب، بل لأنها تُشعرك بأن وراءها عالمًا لا يفتح قلبه إلا لمن يملك المفتاح
لم تصل إلى هنا وحدها
قبل يومين فقط، حين انتهى عزاء أمها وانتهت الكلمات التي تُقال للناس عند الفقد، ظهرت رسالة مختومة باسم مدام دي لافونتين، الجدة التي لم تكن إيليانا تعرفها إلا كاسمٍ بعيد يُذكر همسًا في بعض الحكايات العائلية
ثم جاءت سيارة سوداء، ثم رحلة قصيرة لم تُسأل فيها إيليانا كثيرًا، كأن الأسئلة تُؤجل إلى ما بعد أن تُغلق الأبواب خلفها، وعند وصولها إلى الجزيرة سلّمتها امرأة من طاقم الجدة حقيبة جلدية صغيرة ومغلفًا
في الحقيبة هاتف جديد، وبطاقة مصرفية باسمها، ومفتاح جناحها، وفي المغلف جدول أسبوعها الأول، وبطاقة نادي ڤيريتاس جاهزة للتفعيل
كأن الجدة لا تُحضر شخصًا إلى عالمها دون أن تمنحه الأدوات التي تمنع العالم من ابتلاعه
شدّت إيليانا طرف حقيبتها بأصابعها، ثم نظرت إلى الشعار الصغير المحفور على معدن داكن، كلمة واحدة بخط أنيق لا يتباهى، ڤيريتاس، كأن الاسم يكتفي أن يُقال همسًا
تقدمت خطوة
عند المدخل، اقتربت موظفة الاستقبال بخطوات محسوبة، شعرها مرفوع بعناية، وابتسامتها مقننة كأنها جزء من الزي الرسمي
قالت الموظفة
"آنسة إيليانا بيلمون"
تفاجأت إيليانا أن اسمها قيل بهذه السهولة، لكنها تذكرت المغلف والجدول، وتذكرت أن الجدة رتبت كل شيء قبل أن تسألها إن كانت جاهزة
أومأت بخجل
فتحت الموظفة جهازًا صغيرًا، قارنت شيئًا على الشاشة، ثم قالت بتهذيب
"تم تسجيلكم بتوجيه من مدام دي لافونتين، وسنفعل العضوية الآن"
ثم أخرجت حافظة مخملية، داخلها بطاقة مستطيلة لونها داكن، حوافها تلمع بخيط فضي دقيق
قالت
"عضويتكم الألماسية"
ثم أضافت وهي تسلمها الحافظة بحركة رسمية
"مرحبًا بكم في نادي ڤيريتاس"
أخذت إيليانا البطاقة بيدين، وشعرت بوخزة في صدرها لا تعرف إن كانت فرحًا أم خوفًا، لأن كلمة ألماسية لم تكن كلمة تسمعها في حياتها القديمة، كانت تسمع كلمات مثل دوام، إيجار، موعد، مرض، تأجيل
فتحت الحافظة بحذر
على البطاقة رقم صغير في الأسفل، ورمز لا تعرف معناه، واسمها محفور بحروف دقيقة، إيليانا بيلمون، كأن الاسم صار الآن وثيقة لا مجرد تعريف
دخلت
كان البهو واسعًا، يختار الضوء بدل أن يملأه، ألوان هادئة، رخام لا يصرخ بفخامته، رائحة أعشاب مع شيء من العطر، كأن المكان يتعمد أن يطمئن أعصاب الداخل قبل أن يختبره
كانت هناك وجوه قليلة، لكنها تبدو كأنها لا تحتاج إلى كثرة لتصنع هيبة، رجال ونساء يتحركون بهدوء، لا يستعجلون، لأن الذي يستعجل هنا يبدو فقيرًا حتى لو كان غنيًا
مرّت إيليانا بجانب نافذة عالية تطل على البحر، ورأت المرسى أسفلها، يخوت صغيرة وكبيرة، وعمّال يتحركون كأنهم يعرفون كل خطوة سلفًا، حتى المشهد الخارجي كان جزءًا من المسرح
رفعت رأسها فوجدت فتاة في عمرها تقريبًا تقف قرب طاولة زجاجية، بيدها كأس ماء مع شرائح ليمون، تنظر حولها كما لو أنها تعرف الجميع وتنتظر من لا تعرفه
اقتربت الفتاة بابتسامة سهلة
قالت
"أنت جديدة"
لم تكن سؤالًا بقدر ما كانت قراءة
ترددت إيليانا لحظة ثم قالت
"نعم"
ابتسمت الفتاة أكثر، كأنها تحب أن تكون أول وجه تلتقيه الوافدة الجديدة
"أنا جريس"
ثم أشارت بيدها إلى البطاقة في يد إيليانا
"وهذه… ليست بطاقة عادية"
أحست إيليانا بوجنتيها تسخنان قليلًا
"لا أفهم كثيرًا"
جريس ضحكت ضحكة صغيرة مهذبة، لا تسخر، لكنها تلمح
"ستفهمين بسرعة"
ثم اقتربت خطوة، وخفضت صوتها كأنها تشارك سرًا لطيفًا
"الناس لا يأتون إلى ڤيريتاس ليُصلحوا نفوسهم فقط، بل ليُحسنوا صورتهم أيضًا، وبعضهم يخرج من هنا وقد صار له مكان في قائمة لا تُكتب"
رفعت إيليانا حاجبيها
"أي قائمة"
جريس رفعت كتفها بخفة
"قائمة الذين يُذكرون"
ثم قالت بسرعة، كأنها لا تريد أن تبدو خطيرة
"لكن لا تقلقي، ستنجحين هنا، لأنك لا تبدين كمن يحاول"
لم تفهم إيليانا إن كانت هذه مدحًا أم تحذيرًا
قبل أن تسأل، ظهر اسم إيليانا على شاشة صغيرة قرب الممر، جدولة اليوم، برنامج العضوية الألماسية، جلسة تعريف، ثم تدريب خاص
أشارت جريس نحو الممر
"برنامجك يبدأ هناك"
مشيت إيليانا، وجريس معها بضع خطوات ثم توقفت
"سأراك لاحقًا، لا تختفي سريعًا"
ابتسمت إيليانا امتنانًا، ثم دخلت الممر
كان الممر هادئًا، جدرانه مزينة بلوحات صغيرة تحمل أسماء قاعات وأنشطة، الإرشاد الاجتماعي، آداب الحضور، التنفس العميق، لغة الجسد، وتحتها كلمة تتكرر في زوايا كثيرة، خاص
شعرت إيليانا لأول مرة أن النادي لا يكتفي بإبهارك، بل يضعك في مكانك، يذكرك أنك هنا ضيفة في عالم لا يُفتح كله دفعة واحدة
وصلت إلى باب مكتوب عليه تدريب خاص، ودون أن تطرق، انفتح الباب من الداخل كأن أحدهم كان ينتظر صوت خطواتها
دخلت
الغرفة ليست كبيرة، لكنها مرتبة كأنها أُعدّت لتُهدئ كل شيء فيك، كرسي واحد، طاولة صغيرة، نافذة على حديقة داخلية لا ترى منها البحر، وكأن هذه الغرفة لا تريد تذكيرك بالعالم، تريدك أن تركز على نفسك فقط
وفي زاوية الغرفة، كان هو
طويل القامة، كتفاه مستقيمان دون مبالغة، وجهه حاد الملامح، ليس جميلًا بالطريقة السهلة، بل بالطريقة التي تجعلك تخفض صوتك دون أن تشعر، عيناه داكنتان، نظرة ثابتة، كأنه يسمع أكثر مما يتكلم
قال بصوت منخفض
"آنسة بيلمون"
كان ينطق اسمها كما لو أنه يعرفه من قبل، لا كمن يقرأه من ورقة
ترددت إيليانا قبل أن تقول
"نعم"
اقترب خطوتين فقط، لا أكثر، ثم توقف عند مسافة تحفظ للغرفة نظامها
"أنا كايل"
ثم أضاف ببرود مهذب
"مسؤول عن تدريبك ضمن البرنامج الخاص"
أومأت إيليانا، ولم تعرف لماذا شعرت أن كلمة مسؤول ليست كلمة صغيرة هنا، كأنها تعني أكثر من وظيفته
نظر إلى البطاقة التي تحملها، ثم قال
"ضعيها هنا"
وأشار إلى الطاولة
وضعتها إيليانا، وشعرت للحظة كأنها تضع شيئًا من نفسها، لا بطاقة
قال كايل
"سأشرح لك ما سنفعله اليوم"
ثم توقف لحظة قصيرة، كأنه يختار كلمات لا تترك مجالًا لسوء فهم
"هذا تدريب على الهدوء تحت النظر"
رفعت إيليانا عينيها
"تحت النظر"
قال
"نعم"
ثم أشار إلى المرآة في الجدار
"ستقفين أمام المرآة دقيقة"
"ثم ستجلسين هنا"
"وسأطرح عليك أسئلة بسيطة"
إيليانا قالت بحذر
"أسئلة عن ماذا"
قال كايل
"عن نفسك"
ثم أضاف بصدق جاف
"وعن قدرتك على ألا تشرحي نفسك لمن لا يستحق"
لم تفهم إيليانا هذه الجملة، لكنها أحست أنها تخصها أكثر مما ينبغي
وقفت أمام المرآة كما طلب
رأت وجهها كما لم تره منذ وفاة أمها، شاحب قليلًا، لكن عينيها ما زالتا تحملان لونًا حيًا، شامة صغيرة قرب عينها بدت أوضح تحت هذا الضوء الهادئ، كأن المرآة تكشف ما تحاول إخفاءه دون قصد
قال كايل من خلفها دون أن يقترب
"انظري إلى نفسك"
"ثم قولي لي، ما أول شيء يراه الناس فيك"
ابتلعت إيليانا ريقها
"لا أعرف"
قال
"تعرفين"
سكتت لحظة، ثم قالت بصدق بسيط
"يرونني… هادئة"
لم يقل كايل نعم أو لا، فقط قال
"والآن، ما الذي لا يرونه"
التفتت من المرآة وجلست
ضمّت يديها في حجرها
قال كايل
"اليوم الأول ليس لنعرف كل شيء"
ثم نظر إليها نظرة ثابتة
"اليوم الأول لنعرف إن كان بإمكانك أن تبقي هنا"
سألت إيليانا بقلق خفيف
"أبقى هنا… أين"
قال
"في هذا المكان"
ثم أضاف وكأنه يتحدث عن شيء أكبر من غرفة
"في عالم لا يصفق للبراءة، لكنه يستغلها إن لم تتعلم كيف تحمي نفسها"
شعرت إيليانا بوخزة في صدرها، كانت البراءة كلمة سمعتها كثيرًا في حياتها كمدح، ولم تفكر يومًا أنها قد تكون خطرًا
قبل أن ترد، انفتح الباب فجأة
دخل شاب في العشرينات، وسيم بملامح مرتبة، لكن عيناه تحملان ضيقًا واضحًا، نظر إلى إيليانا نظرة لا تخفي شيئًا، ثم نظر إلى كايل نظرة مختصرة كأنه يسجل وجوده هنا
قال الشاب
"إذن هذا صحيح"
تجمدت إيليانا في مكانها
كايل قال ببرود
"ريّون"
اقترب ريون خطوة، نظر إلى البطاقة على الطاولة، ثم إلى إيليانا
قال بوضوح جارح لكنه مغلف بأدب
"العضوية الألماسية لا تُمنح لفتاة جاءت لتتعلم الهدوء فقط"
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة بلا دفء
"أهلا بك في معركتنا"
رفعت إيليانا رأسها، أرادت أن تقول إنها لا تعرف ما يقصده، لكنها لم تجد الكلمات
كايل قال بسرعة هادئة، وهو يقف في منتصف الغرفة كأنه يضع حدًا
"هذه المنطقة ليست مفتوحة إلا لأسماء محددة، وأنت تعلم ذلك"
ريّون رفع حاجبه، كأنه يختبر كايل
ثم قال
"أعرف"
وأضاف بنبرة أخف، لكنها لا تزال قاسية
"وأعرف لماذا هي هنا"
التفت إلى إيليانا للمرة الأخيرة
"لا تتظاهري أنك لا تفهمين"
ثم استدار وخرج
بقيت إيليانا في مكانها، قلبها يخفق أسرع مما بدأ به اليوم
نظرت إلى كايل، تريد تفسيرًا، أي تفسير
لكن كايل نظر إلى الباب المغلق لحظة، ثم عاد إليها، وقال بجملة واحدة لا تشرح، لكنها تجعل الخوف منظمًا
"لا تثقي بالضجيج"
ثم أضاف
"ثقي بما ترينه بنفسك"
أخذت إيليانا بطاقتها من الطاولة، وشعرت أن وزنها صار أكبر
خرجت من الغرفة
وفي الممر، لمحت من بعيد موظفًا يهمس لآخر بكلمة لم تفهمها، قالها بسرعة ثم سكت كأنه قال شيئًا لا يجوز أن يُقال
"كوستوس"
توقفت إيليانا لحظة، لكنهما ابتعدا، وكأن الكلمة سقطت سهوًا ثم تم جمعها قبل أن تُفهم
عادت إلى البهو
وجدت جريس تلوح لها من بعيد
اقتربت إيليانا، وقالت بصوت خافت
"من هو ريون"
جريس ابتسمت ابتسامة نصفها مرح ونصفها تحذير
"هذا سؤال كبير لليوم الأول"
ثم قالت كأنها تعطيها جرعة حقيقة صغيرة
"ريّون يظن أنك جئت لتأخذي منه شيئًا"
قالت إيليانا بصدق مرتبك
"أنا لا أريد أن آخذ من أحد شيئًا"
جريس نظرت إليها بحنان قصير
"هذه هي المشكلة"
ثم أضافت بخفة لتخفف ثقل العبارة
"في ڤيريتاس، أحيانًا يكفي أن تكوني موجودة كي يظن الناس أنكِ أخذتِ مكانهم"
نظرت إيليانا إلى البوابة من الداخل الآن
كانت لا تزال هي نفسها، لكن شعورها تغير
كأنها لم تعبر بوابة مكان فخم فقط
بل عبرت بوابة قصة طويلة، لا تعرف من كتب بدايتها ولا لماذا اختير اسمها
وفي طرف البهو، مرّ رجلان من موظفي المرسى، يتحدثان بسرعة، ثم صمتا حين انتبه أحدهما أن إيليانا قريبة
لكنها سمعت آخر كلمة قبل أن يبتلعها الصمت
"كوستوس"
وهكذا انتهى يومها الأول، بطاقة في يدها، وسؤال في قلبها، واسم في الهواء لا تعرف معناه بعد