الفصل الحادي والعشرون: الواجهة

لم تفهم إيليانا بيلمون هل الرسالة تحذير أم وعد

الليلة، لا تبتعدي عن دائرتك

لم يكن هناك اسم مرسل، لكن نبرة الجملة تشبه نبرة كايل حين يقول جملة قصيرة ثم يغلق الباب خلفها، وكأن الكلام نفسه باب

عادت إيليانا مع جريس وسيلفي وإيلارا ونيكو من الإسطبلات إلى قلب ڤيريتاس

الطريق مرّ عبر ممرات خضراء وبين أشجار طويلة، والسيارة الكهربائية تهتز هزة خفيفة فوق الحصى المصقول، كأن حتى الطريق هنا لا يسمح بفوضى كاملة

كان الجو أخف بعد الضحك في الإسطبلات، لكن إيليانا كانت تشعر أن الضحك نفسه صار شيئًا يمكن أن يُحاسَب عليه، لأنها تذكرت كلمة المسار، وكل خطوة تُسجل

قال نيكو وهو يتكئ على طرف المقعد كأنه في صالون بيته

"أنا أقترح أن نأكل"

جريس ردت

"أنت تقترح دائمًا أن نأكل"

نيكو قال

"هذا لأنني أرى المستقبل"

إيلارا قالت بجفاف

"أنت ترى قائمة الطعام"

ضحكت جريس، وضحكت إيليانا أيضًا، لكنها ضحكة قصيرة

لأنها كانت تفكر في شيء آخر

السيد ماكسيم

الاسم الذي سمعته صدفة في الإسطبلات، ثم ابتلعه الهواء بسرعة

وصلوا إلى البهو

كان المكان يلمع بذهب خفيف في الإضاءة، والناس أقل من النهار، لكن من بقي كان من النوع الذي لا يبقى إلا حين يريد أن يلتقط شيئًا

قالت جريس وهي تنزل من السيارة

"الليلة ليست فعالية كبيرة"

ثم أضافت وهي تنظر حولها

"لكن هذا لا يعني أنها آمنة"

سألت إيليانا بهدوء

"ماذا يوجد الليلة"

جريس قالت

"واجهة"

رفعت إيليانا حاجبها

"واجهة ماذا"

جريس ابتسمت ابتسامة صغيرة

"واجهة النادي"

ثم قالت كأنها تشرح قاعدة قديمة

"أحيانًا ڤيريتاس يحتاج أن يبدو طبيعيًا"

"يحتاج أن يري الناس أنه مجرد مكان رفاهية وتأهيل"

"فيجعل الليلة لطيفة"

"خفيفة"

"مضحكة"

ثم أضافت وهي تخفض صوتها

"لكي يتمكنوا من العمل في الخلف دون أن ينتبه أحد"

شعرت إيليانا بوخزة

قالت سيلفي بهدوء

"الواجهة تجعلنا ننسى المسار"

إيلارا قالت

"ولا تنسيه"

نظر نيكو إلى الثلاثة كأنه يمل من الجدية

قال

"حسنًا"

"سنأخذ الواجهة ونحولها إلى حقيقة"

ثم أشار بإصبعه نحو جهة المطعم

"عشاء"

جريس ابتسمت

"عشاء"

تحركوا إلى المطعم الرئيسي، المكان كان واسعًا، النوافذ تطل على الماء من بعيد، والموسيقى ناعمة، والشموع صغيرة على الطاولات، وتفاصيل المائدة مرتبة بشكل يجعل الطعام يبدو جزءًا من الديكور

جلسوا في ركن ليس في المنتصف

جريس دائمًا تختار الركن

جلس نيكو قبالة إيليانا، وبدأ يتكلم مع النادل بفرنسية سريعة، ثم عاد للعربية في جملة واحدة، ثم ضحك على نفسه

قال لإيليانا

"هل لاحظتِ"

إيليانا قالت

"ماذا"

نيكو قال

"هنا الناس يتنقلون بين اللغات مثلما يتنقلون بين الأقنعة"

جريس قالت وهي تنظر إليه

"لا تقل لها كلمة أقنعة"

نيكو رفع يديه باستسلام

"حسنًا"

"سأسميها أزياء"

ضحكت إيليانا

كانت لحظات العشاء تشبه ما كانت تريد أن تكونه الحياة

حديث خفيف

طعام جيد

أصدقاء يضحكون

شعور بأنك لستِ وحدك

لكن الواجهة لا تدوم طويلًا في ڤيريتاس

بعد نصف ساعة، دخلت ماديسون إلى المطعم

لم تدخل كمدربة، دخلت كأنها موظفة على موعد مع شخص، ملامحها باردة كالعادة، لكن خطواتها أسرع من المعتاد، وعلى يدها ملف رفيع

لم تلتفت إلى الطاولات

كانت تتجه إلى زاوية خلف عمود رخامي

وفي تلك الزاوية، كان يقف رجل لا يظهر وجهه كاملًا من مكان جلوس إيليانا، لكنها رأت كتفه فقط، بدلة داكنة، وقفة هادئة

قالت سيلفي فجأة بصوت منخفض

"انظري إلى يد الرجل"

نظرت إيليانا

لم ترَ اليد بوضوح، لكن لمحت حركة

خاتم

خاتم بسيط، لكنه لا يشبه خواتم الضيوف

قالت إيلارا بهدوء

"هذا ليس عضوًا"

جريس همست

"هذا من الداخل"

شعرت إيليانا أن الجو في المطعم صار أثقل

نيكو لاحظ تغير وجوههم

قال فورًا كأنه يقطع الجدية

"حسنًا"

"دعونا نراهن"

جريس قالت

"على ماذا"

نيكو قال

"على من سيبدأ بالبكاء أولًا حين ترفع ماديسون حاجبها"

ضحكت جريس رغما عنها

حتى إيليانا ابتسمت

لكنها لم تستطع أن تنظر بعيدًا عن الزاوية

لأنها شعرت أن هناك خيطًا يربطها بذلك الملف

وبالاسم الذي سمعته

ماكسيم

بعد قليل، نهضت جريس

قالت

"سأذهب للحظة"

سألت إيليانا

"إلى أين"

جريس قالت ببراءة مصطنعة

"إلى الحمام"

إيلارا رفعت حاجبها

جريس قالت بسرعة

"لا تقلقي"

"أنا لن أتحدث مع أحد"

ومضت

بقيت إيليانا مع سيلفي وإيلارا ونيكو

مرّت دقائق

ثم عادت جريس بسرعة أكبر من المعتاد

جلست

وجهها صار أكثر جدية

قالت بصوت منخفض جدًا

"إيليانا"

"لا تخرجي الليلة من البهو وحدك"

تجمدت إيليانا

"لماذا"

جريس لم تقل اسمًا

قالت فقط

"لأنهم يتكلمون عن المسار"

ثم ابتلعت ريقها

"ويتساءلون من الذي وضعه لك"

سألت إيليانا بصوت خافت

"من هم"

جريس قالت

"الذين يبتسمون كثيرًا"

ثم قالت جملة أخطر

"وسيلست معهم"

كان اسم سيلست كافيًا ليجعل المعدة تضيق

قالت إيليانا

"وماذا يريدون"

جريس قالت

"يريدون أن يقرروا هل أنتِ… مشروع"

نيكو قال بسخرية خفيفة

"وكلنا مشاريع"

إيلارا قالت

"لكن البعض يقرر أن يعيش بلا سعر"

سكتت إيليانا

ثم تذكرت الرسالة

لا تبتعدي عن دائرتك

قالت بهدوء

"لن أبتعد"

في تلك اللحظة، ظهر كايل في المطعم

لم يدخل من الباب الرئيسي

دخل من ممر جانبي

كما يفعل دائمًا

لم يكن يرتدي ملابس التدريب، كان في بدلة بسيطة، لكنها لا تجعل وجوده اجتماعيًا، بل تجعل وجوده إداريًا

مرّ بعينيه على المكان بسرعة

وحين وقعت عيناه على إيليانا، توقفت النظرة نصف ثانية أكثر مما ينبغي

ثم تدارك

خفض نظره

واتجه مباشرة إلى الزاوية التي كانت فيها ماديسون والرجل صاحب الخاتم

شعرت إيليانا بخفقان خفيف

لم تتوقع أن تراه الليلة

ولم تتوقع أن ينقذها حضوره من فكرة أنها وحدها

قالت سيلفي بهدوء

"هو هنا"

إيلارا قالت

"إذن الليلة ليست واجهة فقط"

نيكو نظر إلى كايل ثم قال بصوت خافت

"هل تلاحظون"

جريس قالت

"ماذا"

نيكو قال

"أنه لا يجلس أبدًا"

"الناس يجلسون حين يظنون أنهم في أمان"

"وهو لا يبدو في أمان أبدًا"

لم ترد إيليانا

لأنها كانت تراقب كايل

كان يتحدث مع الرجل في الزاوية بكلمات قليلة

لم يكن ينحني

لم يكن يتوسل

كان يقف بثبات

كأنه يضع حدودًا

ثم مد يده وأخذ الملف من ماديسون

قرأ سطرًا

ثم أعاده

وقال شيئًا جعل ماديسون تومئ دون نقاش

شعرت إيليانا أن هذا ليس مدربًا

هذا شخص يملك مفاتيح

وفجأة اهتز هاتف إيليانا بإشعار صغير

نظرت بسرعة

رسالة جديدة

"لا تنهي عشاءكِ بسرعة"

تجمدت

رفعت عينيها فورًا نحو كايل

كان ما يزال في الزاوية

لم ينظر إليها

لم يلمس هاتفه

لكنها شعرت أن الرسالة تتنفس من نفس المكان

لم تقل شيئًا

وضعت الهاتف مقلوبًا على الطاولة

وحاولت أن تعود إلى العشاء

إلى الضحك

إلى الواجهة

لكن الواجهة كانت تتشقق

لأنها بدأت تفهم أن كل شيء يُدار حولها دون أن يُقال

وأن الليلة، رغم بساطتها الظاهرية، قد تكون اختبارًا جديدًا

اختبار أن تبقى

اختبار ألا تهرب

اختبار أن تتحمل أن يراها… وهو هناك

——————

لم تستطع إيليانا أن تتظاهر بأن العشاء عادي بعد الرسالة الأخيرة

لا تنهي عشاءكِ بسرعة

كانت جملة غريبة، لأن الذي يرسل مثل هذه الجملة لا يرسلها إلا وهو يعرف أين تجلس، ومتى تقوم، ومن يراقب

وضعت هاتفها مقلوبًا على الطاولة كما لو أنه قطعة ساخنة

حاولت أن تضحك مع نيكو حين بدأ يحكي قصة مبالغًا فيها عن أول مرة ركب فيها حصانًا، وكيف ادعى أنه كان شجاعًا بينما كان يصرخ في داخله

قال نيكو بصوت مسموع

"أقسم أن الحصان كان يكرهني"

جريس ردت

"أنت تتخيل أن كل شيء يكرهك، لأنك تحب أن تكون محور الكراهية كما تحب أن تكون محور الإعجاب"

نيكو قال باحتجاج

"أنا محور الحقيقة"

ضحكت جريس

ضحكت سيلفي ابتسامة صغيرة نادرة

حتى إيلارا أطلقت نفسًا كأنه ضحك مكبوت

إيليانا حاولت أن تشاركهم الضحك، لكن عينها كانت تذهب وتعود إلى الزاوية التي يقف فيها كايل

كان ما يزال هناك، لا يجلس كما قال نيكو، يلتقط الكلام دون أن يظهر أنه يسمع، ويضعه في مكانه كما يضع الأرقام في جدول

ثم تحرك فجأة

خرج من الزاوية، لم يأتِ إلى طاولتهم، مرّ بمحاذاة الجدار كأنه لا يريد أن يراه أحد

لكن سيلست رأته

إيليانا رأت ذلك بوضوح

سيلست كانت تجلس على طاولة بعيدة مع لافينيا وامرأتين أخريين، تبتسم وتضع يدها على كأسها، وحين مرّ كايل رفعت عينها إليه ابتسامة قصيرة، ابتسامة من يعرف أن الضوء لم يلمسه لكنه مرّ بقربه

ثم نظرت سيلست إلى إيليانا مباشرة

ابتسامة ثانية

ابتسامة تقول إنها ربطت شيئًا بشيء

شعرت إيليانا أن معدتها تضيق

قالت جريس بصوت منخفض جدًا

"هي ستأتي"

لم تسأل إيليانا كيف عرفت، لأنها عرفت هي أيضًا

بعد دقيقة فقط، تحركت لافينيا

اقتربت من طاولتهم بخطوات ناعمة، تعطي الانطباع أنها جاءت للسلام لا للاختبار

قالت بابتسامة

"مساء الخير"

نيكو رد بمرح

"مساء الأنفاس الثقيلة"

لافينيا ضحكت ضحكة مهذبة

ثم نظرت إلى إيليانا

"إيليانا"

"أنتِ تبدين أكثر هدوءًا اليوم"

إيليانا قالت بأدب

"أحاول"

لافينيا جلست دون أن تُدعى، جلست على طرف الكرسي كأنها لن تطيل، لكنها في الحقيقة تُطيل بما يكفي لتجعل وجودها علامة

قالت لافينيا بنبرة لطيفة

"سمعت أنكِ بدأتِ مسار التأهيل الخاص"

سكتت الطاولة لثانية

جريس حاولت أن تبتسم وكأن السؤال طبيعي

"المسارات كثيرة هنا"

لافينيا قالت

"نعم، لكن ليس كلها تُكتب"

ثم نظرت إلى إيليانا

"هل تجدينه مريحًا"

كانت كلمة مريحًا تبدو بريئة، لكنها ملغومة

مريح يعني هل أنتِ محمية

أو هل أنتِ مُتحكَّم بك

أو هل لديكِ سند

تذكرت إيليانا تدريب الجمل الواحدة

وقالت بهدوء

"أجده واضحًا"

لافينيا رمشت كأنها فوجئت

"واضحًا"

إيليانا قالت

"نعم"

لافينيا ابتسمت

"هذا رد ذكي"

ثم مالت قليلاً

"ومن الذي يشرف عليكِ"

لم تجب إيليانا فورًا

نظرت إلى جريس لحظة ثم عادت تنظر إلى لافينيا

قالت بجملة واحدة

"المسار"

لافينيا ضحكت ضحكة قصيرة

"المسار لا يمشي وحده"

إيليانا قالت

"لكنني أمشي عليه"

كان الرد بسيطًا، لكنه أغلق الباب

شعرت إيليانا بارتياح صغير لأنها لم تنكشف، لكنها في الوقت نفسه شعرت أن الاختبار لم ينتهِ

لأن سيلست اقتربت الآن

اقتربت كما تفعل دائمًا، لا تتعجل، تترك للأنظار أن تسبقها

قالت بصوت دافئ

"أعتذر إن قاطعنا عشاءكم"

نيكو قال فورًا

"نحن لا نملك عشاء، نحن نملك مسرحًا، تفضلي"

سيلست ابتسمت له ثم تجاهلته بلطف، كأنها تعرف أن المزاح لا يوقفها

نظرت إلى إيليانا

"لقد أحببت ردكِ"

إيليانا قالت ببرود مهذب

"أي رد"

سيلست قالت

"واضح"

ثم أضافت

"الواضح نادر هنا"

ثم جلست هي أيضًا دون أن تُدعى، جلست كما تجلس صاحبة المكان حتى لو لم تكن صاحبة المكان

قالت سيلست وهي تنظر إلى وجوههم واحدًا واحدًا

"أحيانًا أشعر أن إيليانا لا تعرف مدى الحسد الذي تسببه"

جريس ابتسمت ابتسامة مشدودة

"الحسد كلمة كبيرة"

سيلست قالت برقة

"لا، ليست كبيرة"

"هي فقط صادقة"

ثم نظرت إلى إيليانا

"أخبريني، هل أنتِ سعيدة"

تجمدت إيليانا

السؤال يبدو رقيقًا

لكن السعادة هنا تهمة

من تكون سعيدة وهي تحت مسار وتخويل وباب واسم يتردد

قالت إيليانا بهدوء

"أنا ممتنة"

سيلست رفعت حاجبًا

"ممتنة لمن"

كانت تريد اسمًا

تريد أن تسمعه إيليانا بصوتها

لكن إيليانا لم تعطها الاسم

قالت بجملة واحدة

"ممتنة لمن أحضرني إلى هنا"

سيلست ابتسمت

"هنرييت"

ثم قالتها بثقة، كأنها أثبتت شيئًا

إيليانا لم تنفِ ولم تؤكد

هذا النوع من الصمت صار سلاحها الوحيد

في هذه اللحظة، تدخل نيكو بحركة مسرحية

قال لسيلست بجدية كاذبة

"سيدتي"

"هل يمكنني أن أسألك سؤالًا"

سيلست نظرت إليه

"تفضل"

نيكو قال

"لماذا أنتِ دائمًا تعرفين كيف تفسدين هدوء الطاولة"

ضحكت لافينيا

ضحكت إحدى السيدتين

حتى سيلست ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها لم تُبعد عينها عن إيليانا

قالت سيلست

"أنا لا أفسد"

"أنا فقط أرى"

ثم مالت قليلًا، وخفضت صوتها بما يكفي ليصبح الحديث شبه سري

"وقد رأيت شيئًا آخر الليلة"

شعرت إيليانا بوخزة في صدرها

قالت بهدوء

"ماذا رأيتِ"

سيلست قالت

"أنكِ لا تنهِين عشاءك بسرعة"

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا

"هذا يعني أنكِ تتلقين نصائح جيدة"

تجمدت إيليانا

كيف عرفت

هل كانت الرسالة مراقبة

أم كانت سيلست تقولها لتخيفها فقط

قالت إيليانا بجملة واحدة، ببطء

"أنا أحب أن آكل ببطء"

نيكو قال فورًا

"وأنا أحب أن آكل بسرعة"

ثم التفت إلى سيلست

"هل تريدين أن تحاسبي طريقتي في الأكل أيضًا"

سيلست قالت بلطف

"لا"

ثم نهضت كما لو أنها اكتفت

قالت لإيليانا قبل أن تبتعد

"استمتعي بالواجهة"

ثم أضافت

"لكن لا تنسي أن الواجهة مرآة"

ومضت

تركت وراءها أثرًا باردًا رغم أن صوتها كان دافئًا

تنفست جريس ببطء

قالت بصوت منخفض

"هي تحاول دفعك لتخطئي"

إيليانا همست

"أنا أشعر أنها تعرف أكثر مما يجب"

سيلفي قالت بهدوء

"هي تعرف ما تريد أن تعرفه"

إيلارا قالت

"وهذا يكفي لها كي تؤذي"

نيكو قال وهو يرفع كأس الماء

"إذن نؤذيها نحن بالضحك"

رفع كأسه كأنه يحتفل

ثم قال

"اقتراح"

"نذهب إلى الصالة الصغيرة بعد العشاء"

"هناك لعبة قديمة"

جريس قالت

"أي لعبة"

نيكو قال

"لعبة جعل سيلفي تضحك"

سيلفي نظرت إليه نظرة باردة

"مستحيل"

نيكو قال بثقة

"لا شيء مستحيل"

ضحكوا

ومع أنهم كانوا يضحكون فعلًا، شعرت إيليانا بأن الضحك هذه المرة ليس فقط للمرح، بل للنجاة

بعد العشاء، ذهبوا إلى صالة صغيرة قرب البهو

كانت الصالة فيها أرائك، طاولة بلياردو، وبعض الألعاب الخفيفة التي تضعها ڤيريتاس لتبدو طبيعية، ولتترك الناس ينسون أنهم مراقبون

بدأ نيكو لعبة سخيفة، رهان على من يستطيع أن يصف شخصًا من الموجودين بثلاث كلمات دون أن يقول اسمه

قال نيكو وهو يضحك

"أنا سأبدأ"

"فتاة، كتاب، سكين"

سكتوا

جريس قالت

"سيلفي"

سيلفي رفعت حاجبًا

"أنا لا أملك سكينًا"

نيكو قال

"لكنك تقتلين بالكلمات"

ابتسمت سيلفي ابتسامة صغيرة جدًا، كأنها كادت تضحك ثم تراجعت

قالت جريس

"دوري"

ثم نظرت إلى إيليانا

"بياض، عيون، عناد"

احمر وجه إيليانا

قالت

"هذا ليس عادلًا"

جريس قالت وهي تضحك

"بل صادق"

ثم جاء دور إيليانا

ترددت

لم تكن تريد أن تلعب، لكنها شعرت أنها تحتاج هذا النوع من الخفة

نظرت حولها

ثم قالت ثلاث كلمات ببطء

"صمت، حدود، ظل"

سكتوا

نيكو ضحك أولًا

"هذا ليس شخصًا، هذا قصر"

إيلارا قالت بجدية

"هي تقصد شخصًا"

جريس نظرت إلى إيليانا

"من"

إيليانا لم تجب

لكن سيلفي قالت بهدوء، كأنها تسمي دون أن تسمي

"المدرب"

تجمدت إيليانا

نيكو قال فورًا وهو يرفع يديه

"لا، لا"

"لن نفتح هذا الباب"

ضحكوا مرة أخرى، وخفّ التوتر للحظة

لكن إيليانا رأت شيئًا في طرف الصالة

انعكاسًا في زجاج

كايل كان يمر في الممر الخارجي

لم يدخل الصالة

لم يقترب

كان يمشي بسرعة رجل عنده عمل، لا عنده سهر

لكن حين مرّ قرب الزجاج، التقت عينا إيليانا بعينيه للحظة

لحظة قصيرة جدًا

ثم خفض نظره كما لو أنه لم يقصد

وشعرت إيليانا أن قلبها يتحرك قبل عقلها

وبأنه، رغم كل القيود، كان قريبًا بالفعل كما وعد

قالت جريس فجأة وهي تضع يدها على ذراع إيليانا

"لا تذهبي بعيدًا الليلة"

إيليانا همست

"وصلتني نفس الرسالة"

جريس قالت

"وصلتك رسالة"

إيليانا لم تجب

لأنها فجأة رأت كايل يقف عند نهاية الممر

ينظر إليها

ثم يشير بإصبعه إشارة صغيرة جدًا، ليست دعوة، ليست أمرًا علنيًا

إشارة تقول: دقيقة واحدة

وقفت إيليانا

قالت لجريس بصوت منخفض

"سأعود حالًا"

إيلارا قالت فورًا

"سأذهب معك"

إيليانا ترددت، ثم تذكرت بند المرافق، وتذكرت شرط الباب

قالت

"لا"

ثم أضافت بسرعة كي لا يبدو الرفض قسوة

"دقيقة فقط"

وقفت إيلارا، لم تتحرك، لكنها لم تبد راضية

خرجت إيليانا إلى الممر

كان الضوء هناك أضعف، والهواء أبرد

وجدت كايل يقف قرب زاوية لا يمر بها أحد

قال بصوته المنخفض

"لا تبقي وحدك"

إيليانا رفعت حاجبها

"وأنت تستدعيني وحدي"

كايل لم يبتسم

قال

"هذه ليست وحدة"

ثم أضاف

"هذه ثوانٍ"

اقترب خطوة، ثم توقف عند مسافة مدروسة

قال

"سيلست تراقبك"

إيليانا قالت

"أعرف"

كايل قال

"لا تفتحي المسار أمام أحد"

إيليانا قالت بصدق

"لم أفعل"

كايل سكت لحظة، ثم قال

"جيد"

ثم نظر إلى وجهها، نظرة قصيرة لكنها عميقة، كأنه يتأكد أنها لم تنكسر الليلة

قال بصوت أخفض

"وإذا وصلتك رسالة أخرى…"

توقفت إيليانا

"ماذا"

كايل قال

"لا تردّي"

شعرت إيليانا أن صدرها يضيق

سألته

"أنت من يرسل"

لم يجب

فقط شد فكه قليلًا، ثم قال بجملة واحدة

"أنا أحاول أن أبقيكِ في المسار"

كانت الجملة رسمية، لكنها تحمل شيئًا آخر تحتها

شيئًا يخصه

قالت إيليانا بصوت خافت

"هل المسار لك… أم لي"

توقف كايل لثانية

ثم قال ببرود أخف

"الليلة انتهت"

ثم أضاف

"ارجعي"

استدارت إيليانا لتعود

لكن قبل أن تبتعد، قال كايل بصوت منخفض جدًا، كأنه قاله لنفسه

"أنتِ لا تعرفين كم هو سهل أن يخطئ الناس هنا… باسم اللطف"

التفتت إيليانا، أرادت أن تسأله ماذا يقصد

لكن كايل كان قد ابتعد

كأنه ترك لها جملة لتفكر، ثم اختفى قبل أن تتحول الجملة إلى اعتراف

عادت إيليانا إلى الصالة

جلست بين أصدقائها

ضحكت حين قال نيكو إن هدف حياته أن يرى سيلفي تضحك علنًا

لكن قلبها كان في الممر

في كلمة واحدة

المسار

لأنها بدأت تفهم أن المسار ليس جدولًا فقط

بل حبلًا

وحبلًا كهذا قد يسحبها إليه قبل أن تعترف لنفسها أنها تريد أن تُسحب

انتهى الفصل

2026/02/23 · 1 مشاهدة · 2564 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026