الفصل الثامن والعشرون: البروفة
لم تقل إيليانا لأحد ما قاله كايل في نهاية الجلسة السابقة.
لا.
ليست مشكلة.
احتفظت بالكلمة في صدرها كضوء صغير لا تريد أن يتحول إلى حكاية، لأن الحكايات هنا لا تبقى كما هي. تُعاد صياغتها ثم تتسرب.
في الصباح جاء المسار كعادته، باردًا وواضحًا:
تدريب عملي، جناح التأهيل الخاص
حضور واجهة، ساعة واحدة
مراجعة مع المرافق الرسمي، مساءً
كانت “المراجعة مع المرافق الرسمي” تعني أوغست، وهذا وحده كفيل أن يعيد إلى عقل إيليانا ثقل الجزيرة بعد لحظة الضوء القصيرة.
وجدت دائرتها تنتظرها عند البهو.
جريس تكلمت أولًا، وكأنها تحميها بالكلام قبل الحضور:
“اليوم ستتعبين.”
إيليانا رفعت حاجبها:
“من التدريب؟”
جريس قالت:
“ومن نفسك.”
نيكو كان يحمل قهوة ويتصرف كأنه خبير في كل شيء:
“أنا أؤمن أن التدريب الحقيقي هو تدريب الصبر على هذا المكان.”
سيلفي نظرت إليه:
“أنت لا تملك صبرًا.”
نيكو ابتسم:
“لهذا أحتاج تدريبًا.”
إيلارا كانت صامتة أكثر من المعتاد، تراقب الوجوه والفراغات. ثم قالت لإيليانا جملة واحدة:
“لا تذهبي وحدك.”
أومأت إيليانا:
“لن أفعل.”
لكنها تعرف أن جناح التأهيل الخاص لا يسمح بمرافقة، وأن بعض الأبواب هنا تُفتح لها وحدها كي يُرى إن كانت ستثبت أم ستنهار.
دخلت إيليانا وحدها.
رائحة المكان كانت نظيفة، بلا عطر، وبرد خفيف في الممر. كأن الهواء نفسه يصرّ على أن يبقى محايدًا.
هذه المرة لم تتجه إلى القاعة الزجاجية للحوض.
قادها المسار إلى ممر جانبي أضيق، باب آخر، ثم غرفة لم تدخلها من قبل.
غرفة الرماية الداخلية.
كانت فخمة بطريقة لا تستعرض: خشب داكن، أرضية تمتص الصوت، حواجز زجاجية، وأهداف إلكترونية بعيدة تُظهر النقاط على شاشة صغيرة. لا شيء يصرخ “سلاح”، كل شيء يهمس “انضباط”.
كان كايل عند الطاولة.
وقفته ثابتة، وجهه حاد كما اعتادت، لكن هدوءه اليوم يحمل شيئًا إضافيًا، كأن الجلسة ليست تدريبًا فقط، بل بروفة لشيء أكبر.
قال بصوته المنخفض:
“ستكون هذه بروفة.”
إيليانا قالت:
“للصيد؟”
كايل قال:
“للموسم.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“وللعين التي تراقب.”
لم تسأله عن العين.
كانت تعرف أن الأسئلة هنا تفتح أبوابًا لا تريد دخولها.
اقتربت من الطاولة.
اليوم لم تكن ترتجف مثل أول مرة، لكنها كانت متوترة بطريقة مختلفة: توتر أن التدريب صار جزءًا من صورتها، لا جزءًا منها فقط.
قال كايل:
“الهدف اليوم ليس أن تصيبي المنتصف.”
إيليانا رفعت حاجبها:
“إذن ماذا؟”
كايل قال:
“أن تصيبي دون أن يروك ترتجفين.”
ابتلعت إيليانا ريقها:
“حتى لو ارتجفت.”
كايل قال:
“حتى لو.”
ثم قال بهدوء متقن:
“إذا ارتجفت يدك، سيضحكون.”
“إذا ارتجف صوتك، سيكتبون.”
“إذا ارتجف وجهك… سيقررون.”
سألته إيليانا بصوت منخفض:
“من سيقرر؟”
كايل قال:
“من يظن أن الحق له.”
ثم أشار إلى خط على الأرض:
“قفي هنا.”
وقفت.
وضع سماعة صغيرة على الطاولة.
إيليانا نظرت إليها:
“ما هذه؟”
كايل قال:
“صوت.”
ثم أضاف:
“سأشغل همسًا.”
رفعت إيليانا حاجبها:
“لماذا؟”
كايل قال:
“لأنهم سيفعلون هذا غدًا.”
“ليس همسًا حرفيًا.”
“لكن كلمات حولك.”
ثم قال جملة خرجت كأنها تخصها أكثر مما تخص التدريب:
“وأنا أريدك أن تتعلمي كيف تظلين أنتِ.”
رفعت إيليانا البندقية.
هذه المرة لم يقف خلفها فورًا. تركها وحدها أولًا، يراقب، يختبر.
شغّل الصوت.
لم يكن كلامًا واضحًا، بل خليط جمل بعيدة، ضحكات صغيرة، نبرة توحي بالتهكم دون أن تقول كلمة صريحة. كأن المكان يصنع وهم جمهور لا تراه.
شعرت إيليانا بقشعريرة، لكنها ثبتت.
قال كايل من خلفها:
“تنفسي.”
تنفست.
“إصبعك.”
وضعت إصبعها.
“ببطء.”
ضغطت.
صوت الطلقة كان مكتومًا أكثر هنا. ارتدت كتفها قليلًا، لكن رجفتها لم تخرج عن السيطرة.
نظرت إلى الشاشة.
النقطة قريبة من الدائرة، ليست مثالية، لكنها ثابتة.
قال كايل:
“مرة ثانية.”
رفعت.
زاد الهمس قليلًا.
جملة مبتورة عن “الوريثة”، ثم ضحكة.
شعرت إيليانا برغبة أن تلتفت لترد على لا أحد.
لكنها لم تفعل.
ضغطت.
كانت النقطة أقرب.
قال كايل سريعًا:
“جيد.”
ثم اقترب أخيرًا، وقف خلفها. قربه غيّر الهواء.
لم يلمسها فورًا.
قال فقط:
“اثبتي.”
في الثالثة، شعرت إيليانا أن يدها ستخونها.
فجأة، شعرت بيد كايل على معصمها.
لمسة قصيرة وثابتة، كأنها تعطي يدها قرارًا لا قوة.
توقفت الرجفة.
ضغطت.
أصابتها هذه المرة كانت في المنتصف تقريبًا.
خفضت إيليانا البندقية ببطء، كأنها لا تريد أن تفسد اللحظة بحركة زائدة.
التفتت إليه.
لم يبتسم، لكن عينيه كانتا تحملان رضًا واضحًا.
قال بصوته المنخفض:
“هذا هو.”
إيليانا همست:
“ماذا؟”
كايل قال:
“أن لا يملكونك وأنت تقفين أمامهم.”
سكتت إيليانا لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
“هذا… منك.”
تراجع كايل نصف خطوة كأنه يعيد المسافة إلى مكانها.
قال ببرود:
“هذا تدريب.”
لكن صوته لم يعد يقنعها كما كان.
اهتز هاتفه بإشعار.
نظر إليه سريعًا.
ثم تصلب.
رفع عينيه إليها:
“ستذهبين إلى الواجهة الآن.”
إيليانا قالت:
“الآن؟”
أومأ:
“نعم.”
ثم أضاف:
“وسأكون هناك… من بعيد.”
خرجت إيليانا من غرفة الرماية وهي تشعر أن قلبها يضرب.
ليس بسبب الطلقات.
بل بسبب العبارة الأخيرة.
قريب بما يكفي ليحمي.
بعيد بما يكفي ليظل ظلًا.
——————
كانت الواجهة اليوم في الأتريوم، سقف زجاجي يملأ المكان ضوءًا، وأرضية رخامية تجعل الخطوات تُسمع أكثر مما ينبغي.
طاولات قهوة.
نافورة صغيرة.
موسيقى خفيفة.
ووجوه تتقن أن تبدو مرتاحة وهي تراقب.
وجدت إيليانا دائرتها عند طرف القاعة.
نيكو كان يروي قصة عن سباق القوارب وكأنها بطولة عالمية:
“كنت على وشك الفوز، ثم قررت أن أترك لهم فرصة كي لا يصابوا بصدمة.”
سيلفي قالت بهدوء:
“أنت خسرت لأنك نسيت تجدّف.”
نيكو وضع يده على صدره:
“أنا لم أنسَ، أنا اخترت التأمل.”
ضحكت جريس.
حتى إيليانا ابتسمت، وسمحت للضحك أن يخفف عنها، ولو قليلًا.
إيلارا مالت نحو إيليانا:
“كيف كان التدريب؟”
لم ترد إيليانا أن تعطي تفاصيل.
قالت فقط:
“كان أصعب مما توقعت.”
جريس فهمت من نبرتها أكثر مما فهمت من الكلمات:
“تمام. إذن اليوم نخفف.”
ثم أشارت إلى طبق صغير على الطاولة:
“تذوقي هذا، يقال إنه يجعل الناس ألطف.”
نيكو قال:
“لا شيء يجعل الناس ألطف هنا.”
ثم أضاف:
“لكن يمكن أن يجعلهم أبطأ، وهذا يكفي.”
بين ضحكة وأخرى، كانت عين إيليانا تنسحب نحو أطراف القاعة دون إرادة.
تبحث عن ممر جانبي.
عن ظل لا يجلس.
عن رجل قال: سأكون هناك من بعيد.
ورأته.
كايل قرب ممر جانبي، نصفه ضوء ونصفه ظل. لا يتقدم، لا يشارك، لكنه حاضر بما يكفي لتشعري به.
لم ينظر إليها فورًا.
لكن حين رفعت عينيها، التقت عيناه بعينيها لثانية واحدة فقط.
لم تكن نظرة طويلة.
كانت نظرة تأكد.
ثم عاد إلى الممر، كأنه لم يكن موجودًا.
دخلت سيلست.
جلست في الوسط تقريبًا، حيث يمكنها أن ترى الجميع دون أن تبدو كأنها تراقب أحدًا بعينه.
لافينيا معها، تضحك وتتحرك وتبدو كأنها مجرد لطافة.
قالت جريس بصوت منخفض:
“سيبدؤون.”
إيليانا قالت بهدوء:
“ليبدأوا.”
قالت الجملة قبل أن تفكر، ثم فوجئت أن صوتها خرج ثابتًا.
اقتربت لافينيا بعد دقائق.
ابتسامتها لطيفة، لكنها لا تأتي من البراءة وحدها.
“إيليانا. كيف كان تدريبك اليوم؟”
ابتسمت إيليانا ابتسامة خفيفة، كما تدربت:
“جيد.”
لافينيا رفعت حاجبها:
“جيد فقط؟”
إيليانا قالت:
“جيد يكفي.”
تدخل نيكو فورًا:
“وأنا تدريبي كارثي.”
“تدربت على ألا أقول شيئًا غبيًا… وفشلت.”
ضحك بعض الجالسين.
ضحكت لافينيا، ثم نهضت كأنها اكتفت.
قبل أن تبتعد، قالت بنعومة:
“الذين يتعلمون الثبات بسرعة… عادة لديهم شخص يعلّمهم.”
ثم مضت.
شعرت إيليانا بوخزة.
لم تلتفت إلى كايل.
الالتفات اعتراف.
لكنها شعرت بنظرة من الطرف.
نظرة قصيرة جدًا، كأن شخصًا فهم الفخ ويرفض أن تقع فيه.
قالت جريس:
“كانت تريد كلمة زيادة.”
إيليانا أومأت:
“لن تأخذها.”
كي يغيروا الهواء، سحبهم نيكو إلى ركن لعبة خفيفة وضعها النادي للواجهة.
لعبة حلقات تُرمى على أعمدة قصيرة.
قال نيكو بحماس:
“الفائز يأخذ… لا شيء.”
ثم أضاف:
“لكن يأخذ كرامة.”
إيلارا قالت:
“كرامتك ضائعة أصلًا.”
ضحكوا.
بدأت اللعبة.
رمي حلقات.
تعليقات سخيفة.
ضحك حقيقي.
وسيلفي تفوز بهدوء دون أن يبدو أنها تحاول.
قال نيكو وهو يضع يده على قلبه:
“أنا مظلوم.”
سيلفي قالت:
“أنت ضعيف.”
ضحكت إيليانا بصوت مسموع هذه المرة، ثم توقفت فجأة حين اهتز هاتفها.
إشعار من المسار:
تمت إضافة بند جديد: “بروفة ميدانية” للموسم
المكان: الغابة الجنوبية
الموعد: صباح الغد
الحضور: المرافق الرسمي + المتدربة
تجمدت إيليانا.
اقتربت جريس فورًا:
“ماذا؟”
أرتها الشاشة.
جريس قرأت ثم زفرت ببطء:
“هذا اختبار قبل الاختبار.”
إيلارا قالت:
“غابة؟ هذا ليس لعبًا.”
سيلفي قالت:
“الذين يريدون خطأ… يختارون مكانًا يسمح بالخطأ.”
حاول نيكو أن يمزح، ثم ابتلع مزحته حين رأى وجه إيليانا.
همست إيليانا:
“لماذا الغابة؟”
لم يجب أحد.
لأن الجميع يعرف: في الغابة تضيع القصص بسهولة.
وفي اللحظة نفسها، جاء إشعار ثانٍ.
ليس من المسار.
سطر واحد فقط:
“خذي الخريطة التي أعطاكِ أوغست.”
رفعت إيليانا رأسها بسرعة.
التفتت حولها.
لم ترَ كايل.
ولم ترَ أحدًا يبدو أنه أرسل شيئًا.
لكن قلبها عرف.
وضعت الهاتف في جيبها.
وحاولت أن تعود للواجهة، للضحك، للكلام.
لكن الغد صار واقفًا أمامها مثل باب جديد.
غدًا في الغابة الجنوبية.
ومعها أوغست.
ومع ذلك، كان هناك شيء آخر يتشكل بصمت:
أن كايل، حتى وهو بعيد، يضع يده في مسارها دون أن يراه أحد.
وهذا… خطير
نهاية الفصل الثامن والعشرون