الفصل التاسع والعشرون: الغابة الجنوبية
لم تنم إيليانا جيدًا تلك الليلة.
الخريطة التي أعطاها أوغست كانت على الطاولة قرب السرير، مفتوحة على نصفها، كأنها عين لا تغمض. وكلما حاولت إيليانا أن تغلقها، شعرت أنها تغلق معها فرصة النجاة في الغد.
وقبل الفجر بقليل، اهتز هاتفها بإشعار من المسار:
التجمع 06:10
نقطة الانطلاق: البوابة الجنوبية
اللباس: عملي
الحضور إلزامي
نهضت إيليانا بصمت، ارتدت ملابس داكنة مريحة، وحذاءً مناسبًا للمشي. ربطت شعرها بإحكام. ثم حملت الخريطة ووضعتها في حقيبة صغيرة، كأنها تحمل قلبها معها.
في البهو كان الجو مختلفًا عن أي صباح.
لا ضحك.
لا موسيقى.
ولا موظفين يبتسمون.
فقط حركة مدربة، صامتة، كأن النادي لا يستيقظ… بل يفتح عينه.
أوغست كان ينتظر عند بوابة صغيرة في طرف البهو.
بدلة عملية، معطف خفيف، وجه لا يحمل أي أثر للنوم، كأنه لا ينام أصلًا حين يكون هناك شيء يجب أن يُدار.
حين رآها، قال بهدوء:
“أنتِ مبكرة.”
إيليانا قالت:
“لم أستطع النوم.”
أوغست أومأ كأن هذا طبيعي:
“الخوف يجعل النوم رفاهية.”
لم تحب الجملة.
لكنها كانت حقيقة.
خرجوا عبر ممرات جانبية لا تمر على الأماكن الجميلة.
الطريق إلى الجنوب كان أطول مما ظنت إيليانا، لكنه كان واضحًا على الخريطة: مسار حجري، ثم بوابة خشبية، ثم مساحة خضراء تبدأ بعدها الغابة.
عند البوابة الجنوبية، كانت سيارة دفع رباعي صغيرة تنتظر. ليست فاخرة، لكنها قوية.
جلس أوغست في المقعد الأمامي.
إيليانا جلست خلفه، نافذة مفتوحة قليلًا، هواء بارد يضرب وجهها ويوقظها بالقسوة اللازمة.
تحركت السيارة.
الجزيرة من هذا الجانب لم تكن كواجهة ڤيريتاس.
هنا الأشجار كثيفة.
الأرض أكثر خشونة.
والبحر لا يُرى، كأنكِ خرجتِ من عالم اللمعان إلى عالم يبتلع الصوت.
بعد عشر دقائق توقفوا.
قال أوغست:
“نزلنا.”
نزلت إيليانا.
رأت مساحة واسعة أولًا، ثم مدخل الغابة كفم مظلم بين الأشجار.
كانت هناك علامات صغيرة على جذوع بعيدة، رموز لا يفهمها إلا من يتدرب هنا.
قال أوغست:
“هذه بروفة.”
إيليانا قالت:
“لبروفة الصيد؟”
أوغست نظر إليها:
“للبقاء في المسار حين يكون المسار أرضًا.”
ثم أشار إلى حقيبتها:
“الخريطة.”
أخرجت إيليانا الخريطة بسرعة.
فتحها أوغست على حجر مسطح.
ثبتها بيده.
ثم قال:
“ستسيرين معي.”
“لا تتقدمي أمامي كثيرًا.”
“ولا تتأخري خلفي كثيرًا.”
إيليانا قالت بهدوء:
“مثل المسافة.”
أوغست نظر إليها لحظة:
“نعم.”
ثم أضاف:
“لكن هنا… المسافة ليست شعورًا.”
“هي سلامة.”
بدأوا السير.
الهواء في الغابة أبرد.
أكثر رطوبة.
ورائحة التراب هنا صادقة، لا عطر يغطيها.
في البداية كان المسار واضحًا: طريق ضيق بين الأشجار، حجارة صغيرة، أوراق يابسة، صوت طيور بعيد.
ثم، بعد مسافة قصيرة، بدأ المسار يختفي.
قال أوغست دون أن يلتفت:
“الناس يضلون حين يظنون أنهم يعرفون.”
ابتلعت إيليانا ريقها:
“هل تقول إنني سأضل.”
أوغست قال:
“أقول إنكِ يجب ألا تثقي بثقتك.”
لم تحب الجملة أيضًا.
لكنها فهمت.
أخرجت إيليانا الخريطة، حاولت أن تمشي وهي تنظر ثم ترفع رأسها كي لا تتعثر.
قال أوغست:
“لا تمشي ورأسكِ في الورق.”
إيليانا قالت:
“إذن كيف أستخدمها؟”
أوغست قال:
“توقف.”
“انظري.”
“ثم تحركي.”
توقفت إيليانا.
رفعت الخريطة.
قارنتها بعلامة صغيرة على شجرة قريبة.
ثم رفعت رأسها.
شعرت لأول مرة أنها تفعل شيئًا صحيحًا في هذا العالم.
ساروا.
بعد نصف ساعة تقريبًا، سمعوا صوتًا.
ليس صوت طيور.
صوت خطوات بعيدة.
توقفت إيليانا تلقائيًا.
أوغست رفع يده إشارة أن تقف.
اقترب الصوت ثم ابتعد.
كأن شخصًا يمر في مسار موازي.
همست إيليانا:
“من هناك؟”
أوغست قال بهدوء:
“دورية.”
تجمدت إيليانا:
“دورية لمن؟”
أوغست قال:
“للنادي.”
لم يقل الأمن.
لم يقل الحراس.
قال للنادي، كأن النادي كيان حي له عين في الغابة.
أكملوا السير.
ثم حدث شيء صغير لكنه خطير.
إيليانا، وهي تقلب الخريطة، لاحظت خطًا أزرق صغيرًا.
ظنته جدولًا موسميًا.
لكن الخريطة كانت قديمة، والخط الأزرق كان علامة لمجرى ماء ضيق لا يظهر إلا في بعض الفصول.
ظنت أنها في مكان آخر.
قالت بسرعة:
“نحن… يجب أن ننعطف هنا.”
أوغست توقف.
نظر إلى النقطة التي تشير إليها.
ثم رفع عينيه إليها:
“لماذا؟”
إيليانا قالت بثقة خفيفة:
“لأننا لو أكملنا سنصل إلى…”
سكتت.
لم تكن متأكدة.
أوغست لم يوبخها.
لم يسخر.
قال فقط:
“قولي: لست متأكدة.”
شعرت إيليانا بحرارة في وجهها.
قالت بصوت منخفض:
“لست متأكدة.”
أوغست أومأ:
“هذا أفضل من يقين كاذب.”
ثم أشار إلى شجرة بعلامة مختلفة قليلًا:
“هذه العلامة لا تطابق ما تعتقدين.”
اقتربت إيليانا.
نظرت.
وعرفت أنها أخطأت.
خطأ بريء.
بسيط.
لكن لو كانت وحدها… لكان يكفي ليحرفها.
تنفست.
ثم قالت:
“حسنًا.”
أوغست قال:
“الخطأ ليس عيبًا.”
“العيب أن تتمسكي به.”
واصلوا السير.
وبينما كانوا يقتربون من منطقة أكثر كثافة بالأشجار، رأت إيليانا شيئًا يلمع بعيدًا بين الأغصان.
لم يكن ضوء شمس.
كان انعكاس عدسة.
توقف قلبها لحظة.
التفتت بسرعة.
لم ترَ أحدًا.
لكنها عرفت شعور المراقبة.
قالت بصوت خافت:
“هناك من يتبعنا.”
أوغست لم يبدو مفاجأ:
“نعم.”
إيليانا نظرت إليه:
“من؟”
أوغست قال:
“لا تسألي.”
ثم أضاف:
“طالما هو بعيد… فليكن بعيدًا.”
تذكرت إيليانا جملة كايل: سأكون هناك من بعيد.
هل هو؟
لم تقل الاسم.
لكن قلبها قاله.
استمروا.
ثم سمعوا صوتًا أقرب.
صوت غصن ينكسر.
تجمدت إيليانا.
أوغست رفع يده مرة أخرى.
توقفا.
وهنا، للمرة الأولى، شعرت إيليانا أن الغابة لا تختبرها فقط.
الغابة تبتلع اليقين.
وفي هذا المكان، كان عليها أن تختار:
هل تثق بالخريطة… أم تثق بالخطوات… أم تثق بالظل الذي يراقب من بعيد؟
——————
الفصل التاسع والعشرون: الغابة الجنوبية
الجزء الثاني
لم يتحرك أوغست مباشرة بعد صوت الغصن المنكسر.
رفع يده، وبقيت اليد في الهواء ثانية أطول، كأنها تُثبّت الصمت نفسه. إيليانا وقفت خلفه نصف خطوة، تحاول أن تجعل أنفاسها لا تُسمع. كانت الغابة قريبة جدًا من وجهها الآن: أوراق رطبة، جذوع داكنة، ورائحة تراب كأنها تذكّرها بأنها ليست في الأتريوم.
مرّت ثوانٍ.
ثم سمعا صوتًا آخر، أخف.
ليس حيوانًا كبيرًا.
ليس إنسانًا يتقدم بثقة.
أقرب إلى حركة شخص يتراجع حين يظن أنه كُشف.
همست إيليانا:
“إنه شخص.”
أوغست قال بهدوء:
“نعم.”
سألته بصوت خافت:
“هل هو خطر؟”
أوغست لم ينظر إليها:
“الخطر في ڤيريتاس لا يأتي دائمًا من الذي يقترب.”
ثم أضاف:
“أحيانًا يأتي من الذي يجعلك تلتفتين.”
ابتلعت إيليانا ريقها.
أشار أوغست بيده إلى اليمين:
“نغيّر المسار قليلًا.”
سارت إيليانا خلفه. حاولت أن تركز على الأرض كما قال: توقفي، انظري، ثم تحركي. كانت خطواتها محسوبة، لكنها لا تستطيع أن تمنع جسدها من توتر خفيف في الركبتين.
بعد دقائق، مرّوا قرب منخفض صغير في الأرض، كأنه مجرى قديم جفّ. القفز فوقه سهل، لكنه يصبح خطيرًا حين تفكرين كثيرًا.
قفز أوغست أولًا بلا تردد.
حين جاء دور إيليانا، توقفت ثانية واحدة أطول. نظرت إلى الحافة، ثم إلى الخريطة في ذهنها، ثم إلى لا شيء.
قال أوغست دون أن يلتفت:
“لا تترددي.”
حاولت أن تقفز كما قفز هو.
لكن قدمها لامست الحافة بزلة صغيرة. لم تسقط، لكنها التوت لحظة، وخرج منها صوت قصير رغما عنها.
“آه…”
ثبتت نفسها بسرعة، وأخفت الألم في وجهها فورًا، كما تعلمت. لكنها شعرت بوخز حاد عند الكاحل.
استدارت لتكمل كأن شيئًا لم يحدث.
لكن أوغست توقف.
نظر إلى قدمها نظرة واحدة فقط، ثم قال:
“اجلسي.”
قالت إيليانا بسرعة:
“لا داعي.”
أوغست قال ببرود:
“اجلسي.”
جلست إيليانا على حجر قريب، لا لأن الألم أسقطها، بل لأن نبرة أوغست لا تترك مساحة للجدال. رفعت ساقها قليلًا، وفكت رباط الحذاء بحذر.
كان الالتواء خفيفًا.
لكن خفيف في الغابة قد يصير كبيرًا في ساعة.
أوغست انحنى، نظر إلى الكاحل دون أن يلمسه كثيرًا، ثم فتح حقيبة صغيرة كان يحملها وأخرج رباطًا مرنًا.
قال:
“هذا سبب وجودي.”
ثم أضاف وهو يلف الرباط بحركات دقيقة:
“المجلس لا يحب الصدف.”
شعرت إيليانا بمرارة صغيرة:
“إذن هم يتوقعون أن أتأذى.”
أوغست شد الرباط بثبات، ثم قال:
“هم يتوقعون أن يحدث شيء.”
“لا يهمهم ما هو الشيء، بقدر ما يهمهم كيف ستظهرين بعده.”
كانت الجملة قاسية، لكنها واضحة.
قالت إيليانا وهي تحاول أن تبتلع الألم:
“وكيف يجب أن أظهر؟”
أوغست رفع عينيه إليها:
“كما أنتِ الآن.”
ثم أضاف:
“صامتة… لكن واعية.”
توقفت إيليانا عند كلمة واعية.
نهضت ببطء.
جربت قدمها.
الألم موجود، لكنه محتمل.
قال أوغست:
“نعود ببطء.”
سألته إيليانا:
“لن نكمل؟”
قال:
“البروفة لا تعني إثبات الشجاعة.”
“تعني العودة قبل أن يصير الخطأ قصة.”
سارت إيليانا معه. كانت تحاول أن تجعل مشيتها طبيعية، لكنها شعرت أن كل خطوة تُكتب في جسدها.
مرّوا بين الأشجار من مسار مختلف عن مسار الدخول.
وهنا حدث الشيء الذي جعل قلب إيليانا يتوقف ثانية.
من بعيد، بين غصنين، لمحت حركة.
ليس وجهًا واضحًا.
ليس جسدًا كاملًا.
فقط ظل، يقف ثم يختفي بسرعة.
لكنها رأت ما يكفي لتعرف أنه كان قريبًا ثم تراجع.
شعرت بأن صدرها يضيق.
همست:
“هو ما زال معنا.”
أوغست قال بهدوء:
“نعم.”
سألته بصوت منخفض:
“لماذا لا تطرده؟”
أوغست نظر إلى الأمام:
“لأن الطرد إعلان.”
ثم أضاف:
“وأنا لا أريد إعلانًا.”
سكتت إيليانا.
ثم قالت، دون أن تقصد أن تقولها:
“أظن أنه يحاول أن يحميني.”
لم يرد أوغست فورًا.
مرّت ثوانٍ وهو يمشي، ثم قال بجملة واحدة:
“لا تعلقي قلبك على الظلال.”
شعرت إيليانا بوخزة.
لم يكن كلامه قاسيًا من أجل القسوة.
كان تحذيرًا، لكنه خرج ببرود.
قالت إيليانا:
“أنا لا أعلّق قلبي.”
أوغست قال:
“جيد.”
ثم أضاف:
“علّقي عقلك.”
ساروا قليلًا، ثم توقف أوغست عند شجرة عليها علامة مختلفة: خطان متقاطعان.
قال:
“هنا ينتهي التدريب.”
سألت إيليانا:
“لماذا؟”
قال:
“لأن هذه علامة حدود.”
ثم التفت إليها أخيرًا:
“والذي يتجاوز الحدود هنا… لا يُعاقَب فقط.”
“يُستعمل.”
ابتلعت إيليانا ريقها:
“يستعمل كيف؟”
أوغست قال:
“تتغير قصته.”
ثم أضاف:
“ويصبح مثالًا.”
شعرت إيليانا بقشعريرة.
قالت:
“إذن الصيد السنوي…”
أوغست قال:
“ليس صيدًا فقط.”
“هو عرض.”
ثم قال الكلمة بوضوح:
“هو مسرح.”
تذكرت إيليانا الهمس في السماعة.
تذكرت الواجهة.
تذكرت كيف يريدون أن يروها ثابتة.
قال أوغست:
“في المسرح، لا يهمهم إن كنتِ تكرهـين السلاح.”
“يهمهم إن كنتِ تتقنين الوقفة.”
ثم أضاف:
“وهذا ما كان يدرّبك عليه كايل.”
تجمدت إيليانا عند الاسم.
لم تقل الاسم من فمها.
هو الذي قاله.
نظرت إلى أوغست بصدمة صغيرة:
“أنت…”
أوغست قطعها فورًا:
“لا تكملي.”
ثم قال بهدوء:
“أنا لا أذكره كثيرًا.”
“لكنني لن أتظاهر أنني لا أرى.”
سكتت إيليانا.
سألت أخيرًا:
“هل هو… سبب الشائعة؟”
أوغست قال:
“الشائعة لا تحتاج سببًا.”
ثم أضاف:
“تحتاج فقط ثغرة.”
ونظر إلى قدمها المربوطة:
“والثغرة قد تكون خطوة.”
شعرت إيليانا بالغضب من العجز:
“وماذا يريدون؟”
أوغست قال:
“أن تبقي داخل الصورة التي تناسبهم.”
قالت إيليانا:
“وأنا؟”
أوغست نظر إليها لحظة أطول:
“أنتِ ستتعلمين أن تكوني داخل الصورة… وخارجها في الوقت نفسه.”
لم تفهم تمامًا، لكنها شعرت أنه يقول: عيشي هنا دون أن يبتلعك هنا.
حين عادوا إلى السيارة، كان الهواء أخف قليلًا.
لكن إيليانا كانت تشعر بتعب غير جسدي: تعب من أن كل خطوة قد تصبح أداة لأحد.
في الطريق، لم تتكلم.
وأوغست لم يحاول أن يخفف بالصوت.
هو يخفف بالفعل، بالقرار.
عند البوابة الجنوبية، قبل أن يدخلوا البهو، قال أوغست فجأة:
“بالمناسبة.”
رفعت إيليانا عينيها.
قال:
“الذي كان في الغابة… لن يظل ظلًا إلى الأبد.”
ثم أضاف:
“لكن لا تجبري الحقيقة على الظهور.”
توقف قلب إيليانا.
لم تسأله من يقصد.
لأنها تعرف.
دخلت إلى البهو وهي تمشي ببطء بسبب الكاحل، تحاول ألا يظهر الألم في وجهها.
ورأت عند الطرف، بعيدًا، قرب ممر الخدمة، رجلًا يقف لثانية واحدة ثم يختفي.
لم ترَ وجهه.
لكنها رأت هيئته وظله
وشعرت، رغم التعب، بشيء دافئ صغير.
شيء يقول إن “الظل” لم يتركها حين صارت الأرض أصعب من الواجهة.
نهاية الفصل التاسع والعشرون