الفصل الثلاثون: الكاحل

لم تكن إصابة إيليانا كبيرة، لكنها كانت كافية لتغيّر شكل يومها.

في ڤيريتاس، أي أثر على الجسد يصبح أثرًا على الصورة. ورباط مرن حول الكاحل قد يبدو عند البعض “تفصيلة”، لكنه عند سيلست قد يصبح قصة كاملة.

عادت إيليانا إلى جناحها بعد الغابة الجنوبية، جلست على طرف السرير وأخرجت الخريطة من حقيبتها. كانت أطرافها متسخة قليلًا، كأنها دليل على أن الواجهة لا تكفي دائمًا.

طرق خفيف على الباب.

دخلت جريس قبل أن تُدعى، كعادتها حين يقلقها الصمت.

توقفت حين رأت الرباط.

“ماذا حدث؟”

إيليانا قالت بهدوء:

“التويت قدمي.”

جريس اقتربت فورًا وجثت قربها، نظرت إلى الكاحل بعين خبيرة مبالغ فيها:

“هذا ليس تمرينًا… هذا فخ.”

إيليانا قالت:

“خطأ مني.”

ثم أضافت بسرعة، كأنها لا تريد أن تعطي الخطأ حياة:

“خطأ صغير.”

جريس رفعت رأسها:

“الخطأ الصغير هنا… يكبرونه.”

دخلت سيلفي وإيلارا بعد دقائق، كأن الخبر وصل عبر القلق لا عبر الكلام.

إيلارا قالت بحدة خافتة:

“كنتِ مع أوغست، صحيح؟”

أومأت إيليانا:

“نعم.”

سيلفي نظرت إلى الرباط ثم قالت:

“إذن أنتِ بخير.”

كان هذا منطق سيلفي: إذا كان أوغست حاضرًا فالخطر لم ينفجر.

نيكو دخل أخيرًا وهو يحمل كيسًا صغيرًا.

“أنا جئت بالحل.”

جريس رفعت حاجبها:

“أي حل؟”

نيكو أخرج علبة حلوى صغيرة:

“حل نفسي.”

إيلارا قالت:

“هذا ليس وقتك.”

نيكو نظر إلى إيليانا، خفف صوته:

“بل وقتها.”

ثم أضاف كأنه يهمس سرًا:

“لا تتركي الألم يأخذ مزاجك.”

ابتسمت إيليانا رغم التعب.

لكن حين حاولت أن تقف، عاد الألم، وخانت قدمها خطوة واحدة.

مدت إيلارا يدها فورًا لتسندها.

في اللحظة نفسها، اهتز هاتف إيليانا بإشعار من المسار.

فتحته.

تحديث: جلسة اليوم تم تعديلها بسبب “الحالة الجسدية”

المكان: جناح التأهيل الخاص

الوقت: بعد ساعتين

تجمدت إيليانا.

جريس قرأت الشاشة فوق كتفها:

“الحالة الجسدية؟”

ثم نظرت إليها:

“سيجعلونكِ مثالًا.”

إيليانا حاولت أن تبدو هادئة:

“إنها جلسة.”

إيلارا قالت:

“جلسة عند من؟”

لم يُكتب الاسم.

لكن إيليانا عرفت.

نهضت ببطء.

“سأذهب.”

جريس قالت بسرعة:

“أنا معك.”

إيليانا هزت رأسها:

“لا يسمحون.”

سكتت جريس، ثم قالت بشيء يشبه الرجاء:

“لا تذهبي وأنتِ خائفة.”

إيليانا قالت بصوت منخفض:

“أنا لست خائفة.”

ثم أضافت بصدق:

“أنا فقط… متعبة.”

بعد ساعتين، دخلت إيليانا جناح التأهيل الخاص.

الممر كان هادئًا أكثر من المعتاد.

كأن المكان يعرف أنها لا تستطيع الركض الآن حتى لو أرادت.

دخلت القاعة الزجاجية.

الحوض ساكن.

الطاولة خالية.

والغرفة أهدأ.

كان كايل هناك.

لم يكن يقف بعيدًا اليوم.

كان قريبًا من الكرسيين عند منطقة الجلوس، كأنه اختار أن تكون الجلسة أقل “تدريبًا” وأكثر “معاينة”.

حين رآها، لم يقل “آنسة بيلمون” فورًا.

نظر إلى الكاحل أولًا.

ثم رفع عينيه إليها.

قال بصوته المنخفض:

“اجلسي.”

جلست إيليانا ببطء.

سكت لحظة.

ثم قال:

“أوغست أخبرني.”

لم تسأل كيف.

هي تعرف أن المعلومات تتحرك هنا قبل البشر.

قالت إيليانا:

“أنا بخير.”

كايل لم يرد عليها.

مد يده بهدوء نحو رباط الكاحل.

توقف قبل أن يلمسه.

ثم رفع نظره إليها، كأنه يسأل دون كلمات.

قالت إيليانا بصوت خافت:

“نعم.”

فكّ الرباط بهدوء، فحص الكاحل سريعًا، لمسة قصيرة، دقيقة.

لم يكن في لمساته شيء زائد.

ومع ذلك، كانت قريبة بما يكفي لتجعل إيليانا تشعر بحرارة في وجهها، لأن وجوده بهذه المسافة وهو صامت يجعلها تسمع قلبها أكثر.

قال كايل:

“التواء خفيف.”

إيليانا قالت:

“أعرف.”

كايل رفع نظره إليها:

“لا، أنتِ لا تعرفين.”

ثم أضاف:

“أنتِ تتظاهرين أنك تعرفين كي لا يقال إنكِ ضعيفة.”

تجمدت إيليانا.

قالت بحدة صغيرة:

“أنا لست ضعيفة.”

كايل قال بهدوء:

“لم أقل إنكِ ضعيفة.”

ثم توقف لحظة، كأنه يختار كلمة لا تفضحه:

“قلت إنكِ عنيدة.”

شعرت إيليانا أن كلمة “عنيدة” خرجت منه أقرب مما ينبغي.

كأنها وصف يخصها وحدها.

سكتت.

كايل أعاد الرباط، لفّه بشكل أفضل من لفّ أوغست، شدّه بمقدار محسوب.

ثم نهض.

قال:

“اليوم لا تدريب سلاح.”

إيليانا رفعت حاجبها:

“إذن ماذا؟”

كايل قال:

“كيف تمشينين دون أن يروكِ تتألمين.”

كانت جملة قاسية، لكنها حقيقية.

نهضت إيليانا بحذر.

حاولت أن تخطو خطوة.

كايل وقف أمامها، ليس قريبًا جدًا، لكنه قريب بما يكفي ليكون حاجزًا لو تعثرت.

قال بصوته المنخفض:

“انظري أمامك.”

فعلت.

قال:

“لا تنظري إلى قدمك.”

قالت إيليانا بصوت خافت:

“هذا صعب.”

كايل قال:

“أعرف.”

ثم، لأول مرة منذ أيام، قال جملة قصيرة لا تشبه التدريب وحده:

“أنا رأيتكِ تتعثرين.”

تجمدت إيليانا.

“كنت هناك؟”

لم يجب فورًا.

نظر إلى الأرض لثانية، ثم رفع عينيه إليها:

“أنا لا أحب أن أبحث.”

كانت نفس الجملة.

لكنها اليوم حملت معنى أوضح.

حاولت إيليانا أن تمشي.

خطوة.

ثم ثانية.

ألم خفيف.

لكنها تماسكت.

كايل قال:

“جيد.”

ثم أضاف بصوت أخفض:

“لا تكرري الغابة وحدك.”

قالت إيليانا:

“لم أكن وحدي.”

ثم توقفت.

ثم أكملت بصوت منخفض:

“كنت مع أوغست.”

كايل سكت لحظة.

ثم قال:

“نعم.”

كانت كلمة قصيرة.

لكن إيليانا شعرت فيها بشيء يشبه الغيرة المكبوتة، شيء لا يعترف به، لكنه يمر تحت الصوت.

ثم عاد البرود إلى وجهه.

قال:

“الواجهة اليوم ستكون صعبة.”

“سيلست ستسأل.”

“لافينيا ستبتسم.”

“وريوّن سيختبر.”

ابتلعت إيليانا ريقها:

“وأنا؟”

كايل نظر إليها:

“أنتِ ستضحكين مع دائرتك.”

ثم قال بهدوء:

“وتتركينهم يملّون.”

كانت نصيحة جريس نفسها.

شعرت إيليانا أن خيوطًا كثيرة تلتقي عند نقطة واحدة: كيف تبقى هي.

وقبل أن تغادر، قالت بصوت خافت:

“كايل.”

رفع نظره.

قالت:

“شكرًا.”

لم يبتسم.

لكنه قال:

“لا تشكريني.”

ثم أضاف، وكأنه يضع الحقيقة في قالب عمل كي يقدر أن يقولها:

“هذا ضمن المسار.”

لكن عيناه قالت شيئًا آخر للحظة.

شيئًا يشبه:

وأنا أيضًا.

——————

خرجت إيليانا من جناح التأهيل الخاص وهي تمشي ببطء محسوب.

الكاحل يوجعها قليلًا، لكنه لم يعد يوجعها كما كانت تتوقع. ليس لأن الألم اختفى، بل لأن كايل جعل الألم “منظمًا”، كما ينظم كل شيء: رباط أفضل، خطوة محسوبة، عين للأمام.

كانت تمشي في الممر وكأنها تطبق درسًا جديدًا: لا تنظري إلى قدمك، لأنهم سيقرؤون نظرتك قبل أن يقرؤوا خطوتك.

عند البهو وجدت جريس تنتظرها.

لم تسأل كثيرًا، فقط نظرت إلى وجه إيليانا، ثم إلى كاحلها، ثم قالت:

“حسنًا… أنتِ ما زلتِ أنتِ.”

إيليانا ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“تقريبًا.”

سارتا معًا إلى الواجهة المسائية الخفيفة التي وضعها المسار، جلسة شاي في صالة تطل على الماء، حيث يختلط ضوء الغروب بالزجاج ويجعل كل شيء يبدو أجمل مما هو.

كان نيكو هناك قبلهم، كعادته، يتصرف كأنه صاحب المكان.

لوّح بيده:

“أخيرًا!”

ثم أشار إلى قدم إيليانا:

“من فعل بكِ هذا؟ سأقاتله.”

إيلارا قالت ببرود:

“هي فعلت بنفسها.”

نيكو وضع يده على صدره:

“إذن سأقاتلها.”

ضحكت جريس.

حتى إيليانا ضحكت، لكن الضحكة توقفت حين شعرت بنظرة تلتقط الرباط من بعيد.

سيلست كانت موجودة.

لم تتقدم بعد، لكنها كانت تراقب، والرباط حول كاحل إيليانا صار نقطة مضيئة في عينيها، كأنه فرصة لا تفوت.

همست سيلفي، التي جلست بصمت كالعادة:

“ستسأل.”

جريس همست:

“دعها.”

جلست إيليانا في ركن دائرتها.

وضعت قدمها بطريقة لا تُظهر الألم كثيرًا.

رفعت كأس الشاي.

ابتسمت ابتسامة واحدة فقط.

ثم جاءت سيلست.

اقتربت بصوت دافئ، وبعطر خفيف، وبابتسامة لا تُظهر الأسنان كثيرًا.

“إيليانا، حبيبتي… سمعت أنكِ كنتِ في الغابة.”

كلمة “حبيبتي” هنا لم تكن حنانًا.

كانت علامة ملكية.

قالت إيليانا بهدوء:

“بروفة.”

سيلست نظرت إلى الكاحل، ثم رفعت نظرها:

“يا للأسف.”

ثم قالت كأنها تعاتب القدر:

“الغابة لا ترحم البريئات.”

توقفت كلمة “البريئات” في صدر إيليانا كإبرة.

جريس تدخلت بسرعة، بابتسامة لطيفة:

“إيليانا ليست بريئة لهذه الدرجة.”

ثم أضافت بخفة:

“هي فقط لا تحب الأحذية السيئة.”

ضحك خفيف خرج من الطاولة.

نيكو استغل اللحظة فورًا:

“أنا أؤيد هذا الرأي. الأحذية سبب سقوط الحضارات.”

سيلست ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها لم تترك موضوعها.

قالت وهي تنظر إلى إيليانا:

“ومن كان معكِ؟”

السؤال الحقيقي.

قالت إيليانا بلا تردد:

“أوغست.”

سيلست رفعت حاجبها:

“أوغست… رجل ممتاز.”

ثم أضافت بنبرة ناعمة:

“إذن أنتِ محمية جيدًا.”

لم تجب إيليانا على كلمة “محمية”.

اكتفت برشفة شاي.

سيلست ابتسمت:

“أحيانًا أقول… الحماية نعمة.”

ثم توقفت، وكأنها تزن السم:

“وأحيانًا تكون قيدًا.”

رفعت إيليانا عينيها.

قالت بهدوء:

“كل شيء هنا قيد، أليس كذلك؟”

توقف وجه سيلست لثانية.

ثم ابتسمت كأنها أعجبتها الجرأة:

“تتعلمين بسرعة.”

ثم مالت قليلًا، وهمست بصوت لا يسمعه إلا القريب:

“لكن لا تنسي… أن القيد الذي لا تختارينه، يختارك.”

ثم استقامت.

“استمتعي بالشاي.”

ومضت.

تنفست إيليانا ببطء.

جريس ضغطت على يدها تحت الطاولة:

“جيد.”

إيلارا قالت بصوت منخفض:

“هي تريد أن تُشعرك أنكِ صغيرة.”

نيكو قال فورًا:

“وأنا أريد أن أشعر أني كبير.”

ثم وقف فجأة:

“لنلعب.”

جريس نظرت إليه:

“هنا؟”

نيكو قال:

“نعم.”

ثم أشار إلى مجموعة أكواب على طاولة جانبية، لعبة صغيرة يضعها المكان للواجهة: ترتيب الأكواب بسرعة وبحركة واحدة، شيء سخيف يضحك الناس.

قال نيكو بصوت عالٍ قليلًا:

“تحدي! من يقدر يرتب الأكواب دون أن يسقطها!”

ضحك بعض الجالسين.

تقدمت جريس أولًا، فشلت عمدًا وضحكت.

سيلفي فعلتها بهدوء وفازت في ثانيتين.

إيلارا حاولت بجدية ونجحت بشكل مفاجئ.

نيكو فشل فشلًا دراميًا وجعل الجميع يضحك.

ثم جاء دور إيليانا.

قالت جريس:

“لا تقفي، كاحلك.”

إيليانا ابتسمت:

“سأفعلها جالسة.”

فعلت.

ببطء.

لا بسرعة سيلفي، لكن بدقة.

ولأول مرة شعرت أن الناس يضحكون معها، لا عليها.

ضحك نيكو بصوت عالٍ:

“إيليانا ربحت!”

ثم نظر إلى الجميع:

“هل سمعتم؟ المصابة فازت!”

ضحكوا.

حتى بعض الطاولات القريبة ابتسمت.

كانت لحظة صغيرة، لكنها سحبت الضوء بعيدًا عن الرباط.

بعيدًا عن “البريئة”.

بعيدًا عن قصة سيلست.

بعد انتهاء اللعبة، حين عادوا لطاولتهم، اهتز هاتف إيليانا بإشعار من المسار.

بروفة علنية للموسم

المكان: منصة الرماية الخارجية

الوقت: بعد غد

الحضور: مختار

اختيار كلمة “مختار” جعل قلبها يضيق.

مختار يعني نخبة.

يعني عيون أكثر.

يعني اختبار أمام من يقررون فعلًا.

رفعت إيليانا عينيها، وكأنها تشعر أن أحدًا يراقب رد فعلها.

لم ترَ كايل.

لكنها سمعت صوته خلفها بعد دقيقة، صوت منخفض قريب، كأنه لم يرد أن يقترب أمام الناس.

“لا تجعلي وجهك يفضحك.”

التفتت إيليانا.

كان كايل واقفًا عند ممر جانبي في الصالة، ليس داخل الضوء، لكن قريب بما يكفي لتسمع منه كلمة وتفهم منها ثلاث.

قالت بصوت خافت:

“وصلتني بروفة علنية.”

أومأ.

“أعرف.”

سألت:

“هل ستكون هناك؟”

توقف لحظة، ثم قال:

“سأكون حيث يجب.”

كانت هذه جملة كايل المفضلة.

لكن إيليانا صارت تفهمها:

يعني سيكون حاضرًا، لكنه لن يُرى.

قالت بصوت خافت:

“وكاحلي؟”

نظر إلى قدمها نظرة سريعة ثم رفع نظره.

“ستقفين.”

ثم أضاف بصوت أخفض:

“وأنا لن أتركك تسقطين.”

لم يقلها كحب.

لم يقلها كغزل.

قالها كقرار.

وهذا ما جعلها أخطر من أي كلمة لطيفة.

ثم ابتعد قبل أن يلتقطه أحد وهو قريب منها.

اختفى في الممر كما يختفي دائمًا.

بقيت إيليانا لحظة تنظر إلى الفراغ الذي تركه.

ثم عادت إلى دائرتها.

ضحكت حين قال نيكو إنه سيحضر بروفة الرماية فقط ليصفق إذا لم يصب أحد قدمه.

لكنها كانت تعرف أن اليوم التالي لن يكون للضحك فقط.

هناك بروفة علنية.

وهناك عيون.

وهناك رباط حول كاحلها سيحاولون تحويله إلى قصة.

إيليانا لم تعد تريد أن تكون قصة أحد.

كانت تريد أن تكون هي.

نهاية الفصل الثلاثون

2026/02/24 · 0 مشاهدة · 1671 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026