الفصل الثالث والثلاثون: الساحة البحرية

حين قال كايل: لا تبتعدي الليلة، لم يشرح.

ولأن ڤيريتاس لا يشرح، اكتفت إيليانا بأن تفهم بطريقتها: الليلة ليست للمرح فقط، بل للاختيار. اختيار من يقترب، ومن يُبعد، ومن يُترك ليصير قصة.

قبل الغروب، دخلت جريس جناح إيليانا ومعها حقيبة صغيرة.

قالت فورًا:

“احتفال الواجهة ليس بريئًا.”

إيليانا رفعت حاجبها:

“ولا شيء هنا بريء.”

جريس ابتسمت ابتسامة قصيرة:

“أنت تتعلمين.”

ثم أخرجت قطعة بسيطة أنيقة، ثوبًا بلون هادئ يليق بالساحة البحرية، ويجعلها تبدو حاضرة دون أن تكون صاخبة.

قالت جريس:

“لا نريد أن نعطي سيلست مادة.”

ثم أضافت:

“ولا نريد أن نبدو كمن يختبئ.”

كانت تعرف أن إيليانا تميل للاختباء حين تتوتر، وأن هذا يزيد الهمس بدل أن ينقصه.

ارتدت إيليانا الثوب، صففت شعرها، وخفتت في داخلها رجفة صغيرة: ليس خوفًا من الناس فقط، بل خوفًا من نفسها، من تلك اللمعة التي صارت تظهر كلما ظهر كايل في طرف الضوء.

في البهو كان نيكو ينتظرهم كعادته، يعلن أنه جاهز وكأنه نجم مناسبة.

قال وهو يفتح ذراعيه:

“الليلة سأكون اجتماعيًا!”

سيلفي قالت ببرود:

“أنت دائمًا اجتماعي… ضد إرادتنا.”

إيلارا كانت معهم، نظرتها ثابتة:

“ابقوا معًا.”

جريس قالت:

“هذا ما قاله المسار أصلًا.”

تحركوا نحو الساحة البحرية.

الساحة كانت مساحة واسعة قرب المرسى، أرضيتها حجرية، تحيطها فوانيس، وطاولات طعام خفيفة، وموسيقى أعلى مما اعتادت إيليانا في النهار. البحر قريب، والهواء مالح، والضحكات كثيرة بما يكفي لتبدو “طبيعية”.

وهذه هي المشكلة.

كلما بدا المكان طبيعيًا، زاد احتمال أن يحدث شيء غير طبيعي تحت الغطاء.

رأت إيليانا وجوهًا كثيرة تعرفها من بعيد، ووجوهًا لا تعرفها لكنها تشعر أنها “أهم”.

ورأت سيلست فورًا.

سيلست كانت في قلب الساحة تقريبًا، تضحك وتصافح وتتحرك كأنها مسؤولة عن مزاج الجميع. لافينيا قريبة منها كظل لطيف.

ورأت ريون أيضًا.

كان على طرف، لا يشارك كثيرًا، عيناه تراقبان أكثر مما تضحكان. حين لمح إيليانا، تغيّر شيء في وجهه، لكنه لم يقترب بعد. كأنه ينتظر لحظة مناسبة ليمرر جملة.

قالت جريس بصوت منخفض:

“تذكري… الليلة ضحك كثير.”

نيكو سمعها، فقال فورًا:

“أنا متخصص.”

ثم جرهم إلى طاولة صغيرة فيها لعبة خفيفة: بطاقات وأسئلة قصيرة، لعبة “من يعرف من؟” التي يحبها الأثرياء لأنها تبدو عفوية لكنها تكشف الكثير.

جلسوا.

بدأت اللعبة.

نيكو قرأ بطاقة:

“سؤال: ما أكثر شيء يخيفك؟”

جريس قالت بسرعة:

“الناس.”

ضحكوا.

سيلفي قالت:

“الخطأ.”

إيلارا قالت:

“الغدر.”

نظروا إلى إيليانا.

ترددت لحظة، ثم قالت بهدوء:

“أن أُفهم خطأ.”

سكتت الطاولة لثانية.

ثم قال نيكو بسرعة لينقذ الجو:

“أنا أخاف أن ينتهي الطعام.”

ضحكوا.

وعاد الهواء خفيفًا.

بعد جولة أو اثنتين، اقتربت لافينيا.

لم تأتِ وحدها.

كانت معها امرأة لا تعرفها إيليانا جيدًا، لكنها تبدو من النوع الذي يبتسم كثيرًا دون أن تشارك فعليًا.

قالت لافينيا بابتسامة:

“هل يمكنني أن أجلس معكم دقيقة؟”

نيكو قال بحماس مبالغ:

“بالطبع، نحن نحب الدقائق!”

جريس لم تبتسم كثيرًا، لكنها لم تمنع.

جلست لافينيا.

ثم قالت وكأنها جاءت للتهنئة:

“سمعت أنك كنتِ ممتازة على المنصة.”

إيليانا قالت بأدب:

“شكرًا.”

لافينيا مالت قليلًا:

“المجلس يحب الثبات.”

ثم قالت جملة تبدو عابرة:

“خصوصًا حين يكون هناك… كوستوس.”

تجمدت إيليانا من الداخل.

لكن وجهها بقي هادئًا.

قالت فقط:

“أظن أن المجلس يحب القواعد.”

لافينيا ضحكت:

“نعم.”

ثم سألت بنعومة:

“هل قابلته اليوم؟”

سؤال يريد إجابة.

يريد قصة.

يريد أن تضع اسم كايل في فمها.

قبل أن ترد إيليانا، جاء صوت من خلف لافينيا:

“لافينيا.”

صوت سيلست.

اقتربت سيلست، ابتسمت لدائرتهم، ثم وضعت يدها على كتف لافينيا كأنها تقول: انتهى الوقت.

قالت سيلست لإيليانا:

“أنت تبدين جميلة الليلة.”

كانت مجاملة، لكنها تحمل في داخلها مراقبة.

إيليانا قالت:

“شكرًا.”

سيلست ابتسمت:

“أريد أن أقدم لكِ شخصًا.”

وأشارت إلى الرجل الذي كان معها منذ البداية، الرجل الهادئ الذي لا يضحك كثيرًا.

اقترب الرجل، صافح إيليانا دون أن يضغط كثيرًا.

قالت سيلست:

“هذا السيد مارو.”

لم تعطِ لقبًا آخر.

لكن نبرة اسم “مارو” وحدها جعلت إيليانا تشعر أنه ليس مجرد عضو.

قال مارو بصوت هادئ:

“آنسة بيلمون.”

ثم نظر إلى كاحلها للحظة، لا كفضول، بل كقراءة.

“أتمنى أن تكوني بخير بعد الغابة.”

ابتلعت إيليانا ريقها.

“أنا بخير.”

مارو ابتسم:

“جيد.”

ثم قال جملة قصيرة:

“الذين يخرجون إلى الغابة… يعودون عادة بأكثر من رباط.”

كانت الجملة غامضة.

لكنها حملت معنى: نحن نعرف أكثر مما تظنين.

قبل أن تستطيع إيليانا أن ترد، قاطع نيكو بضحكة:

“وأنا خرجت إلى المطبخ وعدت بأكثر من حلوى!”

ضحك البعض.

حتى سيلست ابتسمت.

لكن مارو لم يضحك كثيرًا.

قال فقط:

“ممتاز.”

ثم نظر إلى سيلست:

“دعينا نتركهم.”

ومضى.

شعرت إيليانا أن الساحة البحرية ليست احتفالًا.

هي قاعة مجلس مفتوحة، لكن مع موسيقى.

همست جريس:

“مارو… هذا من الدائرة.”

إيليانا همست:

“أي دائرة؟”

جريس قالت:

“التي لا تُسمي نفسها.”

في تلك اللحظة، اهتز هاتف إيليانا.

رسالة قصيرة، بلا اسم:

“ابقِ مع دائرتك. ولا تذهبي إلى المرسى.”

رفعت إيليانا رأسها فورًا.

لم ترَ كايل.

لكنها شعرت بوجوده، كأنه يقف خلف الضوء ويحركه.

نظرت إلى المرسى من بعيد.

كان هناك ممر يؤدي إليه، وبعض الناس يتحركون نحوه كأنهم يذهبون لالتقاط صورة أو لركوب قارب قصير.

وشعرت إيليانا أنها لو ذهبت… ستبدأ قصة.

——————

لم تستطع إيليانا أن تنسى الرسالة.

ابقِ مع دائرتك. ولا تذهبي إلى المرسى.

كأن المرسى صار بابًا جديدًا، بابًا لا يليق أن تُرى وهي تعبره.

وضعت الهاتف في جيبها، ورفعت كأس العصير ببطء، حاولت أن تبدو كأنها لم تقرأ شيئًا، كأنها لا تشعر بشيء. الواجهة لا تحب العيون المذعورة.

نيكو بدأ يرفع صوته قليلًا عمدًا، كأنه فهم أن الجو يحتاج ستارًا من الضحك:

“حسنًا! لعبة ثانية!”

جريس نظرت إليه كأنها تشكره دون أن تقول.

سيلفي قالت بهدوء:

“لا تجعلها صاخبة.”

نيكو ابتسم:

“أنا صاخب بطبيعتي.”

لكن وسط الضحك، جاءت الحركة التي كانت سيلست تنتظرها.

لافينيا عادت، هذه المرة لا تجلس.

وقفت خلف إيليانا نصف خطوة، بصوت لطيف كأنه اقتراح بريء:

“إيليانا، تعالي معي.”

“فقط دقيقة.”

“هناك شيء جميل عند المرسى… منظر لا يفوت.”

تجمدت إيليانا من الداخل.

لم تقل “المرسى” بعشوائية.

قالتها كمن يضغط زرًا.

جريس تدخلت بسرعة:

“إيليانا لا تبتعد الليلة.”

لافينيا ابتسمت:

“لماذا؟”

ثم رفعت حاجبيها كأنها تتساءل ببراءة:

“هل هناك من يمنعها؟”

كان السؤال يلمع كدبوس.

إذا قالت إيليانا “نعم”، صار هناك اسم.

إذا قالت “لا”، ذهبت للفخ.

ابتلعت إيليانا ريقها.

قالت بهدوء:

“أنا لا أحب الابتعاد.”

ثم أضافت:

“خصوصًا حين يكون المكان مزدحمًا.”

لافينيا ضحكت ضحكة قصيرة:

“الازدحام أجمل ما في الواجهة.”

ثم مالت قليلًا:

“صدقيني… فقط دقيقة.”

في طرف الساحة، كانت سيلست تراقب المشهد بعين هادئة.

لا تتدخل.

تترك لافينيا تدفع.

وتنتظر النتيجة.

نيكو نهض فجأة، كأنه قرر أن ينقذ القصة بالسخف:

“دقيقة؟”

“أنا سأذهب معكن!”

ثم أضاف بجدية مصطنعة:

“أنا مسؤول رسمي عن المناظر الجميلة.”

لافينيا ابتسمت، لكن ابتسامتها ضاقت:

“لا، نيكو.”

“هذا… خاص بالبنات.”

نيكو وضع يده على قلبه:

“أنا أشعر أني بنت اليوم.”

ضحكت بعض الطاولات القريبة.

وارتبكت لافينيا للحظة.

استغلت إيليانا اللحظة، وقالت بهدوء ثابت:

“لن أذهب.”

“يمكنكِ أن تصفيه لي.”

سكتت لافينيا ثانية.

ثم قالت بنبرة خفيفة لكنها تحمل ضغطًا:

“أنتِ تعاندين.”

إيليانا رفعت عينيها:

“أنا أختار.”

كان الرد بسيطًا.

لكنه قطع الخيط.

لافينيا ابتسمت، ثم قالت كأنها تتراجع بأناقة:

“حسنًا.”

“اختاري.”

ومضت.

تنفست جريس ببطء.

همست:

“جيد.”

إيلارا قالت بهدوء:

“كانت تريد أن تجرك.”

سيلفي لم تقل شيئًا، لكنها كانت تراقب جهة المرسى.

لكن الفخ لم ينتهِ.

بعد دقائق، انطفأت بعض الفوانيس القريبة من الطرف المؤدي إلى المرسى للحظات قصيرة، كأن الكهرباء تعثرت.

الناس ضحكوا.

أحدهم قال إنها “لمسة رومانسية”.

ثم عادت الإضاءة.

تلك اللحظات الثلاث كانت كافية ليبدأ بعض الناس بالتحرك نحو المرسى، كأن هناك شيئًا يحدث.

وقالت امرأة من طاولة قريبة، بصوت مسموع:

“سمعت أن هناك قاربًا صغيرًا سيأخذ المختارين لجولة قصيرة.”

ابتسمت سيلست.

لم تتكلم.

لكن ابتسامتها قالت: الآن سيذهبون بأنفسهم.

تحركت جريس فورًا لتبقي دائرتها في مكانها:

“نحن سنبقى هنا.”

ثم قالت لنيكو:

“اصنع ضجيجًا.”

نيكو أومأ بحماس.

قفز على كرسي صغير قرب طاولتهم بلا خجل، ورفع كأسه:

“أيها الناس!”

“أعلن افتتاح مسابقة الليلة!”

“أجمل كذبة قيلت في ڤيريتاس!”

ضحك كثيرون.

التفتت عيون كثيرة.

الضجيج ارتفع.

وهذا كان المطلوب.

بين الضحك، رأت إيليانا سيلست تتحرك أخيرًا.

لم تتجه إليها.

توجهت نحو المرسى.

كأنها تقول: لا بأس، سأذهب أنا، وسأرى من يتبع.

لافينيا لحقت بها.

ومعهن بعض المختارين.

ثم حدث الشيء الذي لم تتوقعه إيليانا.

طفل.

ظهر طفل صغير يركض بين الطاولات، يضحك ضحكة صافية لا تعرف الواجهة.

كان شعره أشعث قليلًا، وثيابه مرتبة أكثر مما ينبغي لطفل، لكن حركة قدميه تقول إنه لا يهتم.

اصطدم بقدم نيكو تقريبًا.

نيكو صرخ بتمثيل:

“آه!”

“هجوم!”

الطفل ضحك أكثر.

جريس قالت بدهشة:

“تيو؟”

تيو.

نفس الاسم الذي كان في خلفية الڤيريتاس مثل لطخة ضوء.

وقف الطفل حين سمع اسمه، ثم نظر إلى إيليانا فجأة.

حدّق فيها كأنه يتذكرها، أو كأنه عرفها من حكاية سمعها من الكبار دون أن يفهمها.

ثم ركض نحوها بلا تردد.

تجمدت إيليانا.

لم تكن تعرف ماذا تفعل مع طفل يركض نحوها بهذه الثقة.

تيو توقف أمامها، رفع رأسه، وقال بصوت واضح:

“أنتِ إيليانا.”

لم يكن سؤالًا.

كان إعلانًا.

ضحك نيكو بصوت منخفض:

“يا للهول… أصبحتِ مشهورة حتى عند الأطفال.”

إيليانا انحنت قليلًا، ابتسمت:

“نعم… أنا إيليانا.”

تيو قال بجدية طفولية:

“أمي قالت إنكِ لا تحبين أن تضيعين.”

تجمدت إيليانا.

جريس فتحت فمها لتقول شيئًا، ثم سكتت.

سيلفي رفعت عينها.

إيلارا شدّت فكها.

قالت إيليانا بهدوء:

“من أمك؟”

تيو تردد، ثم قال:

“أوديت.”

الاسم خرج مثل حجر صغير في الماء.

أوديت ڤيريتاس.

أم كايل.

شعرت إيليانا أن قلبها ضرب مرة واحدة.

قبل أن تستطيع أن تسأل أكثر، التفت تيو نحو المرسى فجأة، ثم قال بقلق:

“سيلست… راحت هناك.”

وأشار بيده الصغيرة نحو الممر المؤدي للمرسى.

قال تيو بسرعة:

“وقالوا… في قارب صغير.”

ثم نظر إلى إيليانا بعينين واسعتين:

“أنتِ لا تروحين.”

كان كلامه بريئًا.

لكنه بدا كأنه يكرر تحذيرًا سمعه.

تجمدت إيليانا، ثم قالت برفق:

“لن أذهب.”

تيو تنفس كأنه ارتاح.

ثم قال فجأة:

“أبي يقول… لا تمشين وحدك.”

توقفت إيليانا عند كلمة “أبي”.

كان “أبي” بالنسبة لتيو واضحًا.

لكن بالنسبة لإيليانا، الكلمة فتحت ألف باب.

سألت بهدوء:

“وأين أبوك؟”

تيو نظر حوله، ثم قال بثقة:

“هناك.”

وأشار إلى جهة الممرات الخلفية.

رفعت إيليانا نظرها.

في الطرف البعيد، قرب ممر الخدمة، كان هناك رجل واقف لثانية واحدة فقط، ثم اختفى.

لم ترَ وجهه.

لكن الوقفة… وقفة كايل.

وشعرت إيليانا، لأول مرة في ليلة مزدحمة، أن الازدحام كله صار بعيدًا، وأن طفلًا صغيرًا كشف لها شيئًا كبيرًا دون قصد.

تيو التفت إليها وابتسم:

“تعالي نأكل.”

ثم قال بنبرة أمر طفولي:

“لا تفكرين كثير.”

ضحك نيكو:

“تيو حكيم.”

جريس ابتسمت ابتسامة مشدودة، ثم قالت لتيو:

“حسنًا، سنأكل.”

جلس تيو معهم.

بدأ يأكل بسعادة.

يحكي عن حصان رآه، وعن كيف يريد أن يركب “مثل الكبار”، وعن كيف يكره السكون.

الضحك عاد قليلًا.

الواجهة رجعت.

لكن في قلب إيليانا، كان شيء جديد يتشكل.

أوديت.

وأبي يقول.

ولا تمشين وحدك.

وفي تلك اللحظة، اهتز هاتف إيليانا برسالة جديدة، بلا اسم:

“أبعديه عن المرسى.”

رفعت إيليانا عينيها فورًا، تبحث عن ظلّ يكتب لها التعليمات.

لم ترَ أحدًا.

لكنها فهمت.

الليلة لم تنتهِ بعد.

والمرسى ما زال فخًا… حتى لطفل.

نهاية الفصل الثالث والثلاثون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 1719 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026