الفصل الثامن والثلاثون: ما قبل الموسم
عادوا من الجزيرة قبل الغروب بقليل، لكن أثر اليوم بقي على إيليانا كأنه ظلّ لا تريد أن تهرب منه.
لم يكن مجرد تعطل قارب.
كان يومًا كاملًا خارج الواجهة.
يومًا قال فيه كايل جملة لم تقلها وظيفته:
“تنفّسي… من فضلك.”
ويومًا ثبت فيه قاعدة أخرى ستعود معها كثيرًا:
“نصف خطوة فقط.”
حين وصلت إيليانا إلى جناحها، وجدت جريس تنتظرها عند الباب كما لو أنها كانت تحصي الدقائق.
رفعت جريس عينيها من كاحل إيليانا إلى وجهها:
“أنتِ بخير؟”
إيليانا أومأت:
“نعم.”
جريس لم تكتفِ.
سألت بنبرة أدق:
“وأنتِ… بخير؟”
ترددت إيليانا لحظة، ثم قالت بصوت خافت:
“أنا فقط… متعبة.”
جريس اقتربت منها واحتضنتها سريعًا.
احتضان لا يفتح أسئلة.
فقط يغلق خوفًا صغيرًا.
ثم قالت:
“حسنًا.”
“سننام اليوم مبكرًا.”
ابتسمت إيليانا رغما عنها:
“ومنذ متى نحن ننام مبكرًا في ڤيريتاس؟”
جريس رفعت حاجبها:
“منذ أن قررتُ أنا.”
في الصباح التالي، كان المسار ممتلئًا كأنه جدول ملوك.
جلسة بروتوكول
تدريب عملي قصير
مراجعة مع المرافق
ثم بند إضافي:
“بروفة ثبات أمام الجمهور المختار”
زفرت إيليانا ببطء.
في البهو، كان نيكو ينتظرهم وهو يحمل ورقة مطبوعة كأنه يحمل مرسومًا.
قال بحماس:
“أريد أن أقدّم طلبًا جديدًا.”
إيلارا نظرت إليه:
“نيكو، كفى.”
نيكو قال بجدية مصطنعة:
“لا، هذا مهم.”
ثم رفع الورقة:
“طلب فعالية جانبية قبل الصيد.”
“عنوانها: ساعة ضحك إلزامية.”
سيلفي قالت:
“لن يوافقوا.”
نيكو ابتسم:
“سيوافقون.”
“لأنني سأكتب أنها… لتخفيف توتر الأعضاء قبل الموسم.”
جريس ضحكت:
“أنت تعرف كيف تبيع الجنون باسم الصحة.”
إيليانا قالت:
“وهل ستكون هناك قواعد؟”
نيكو قال بفخر:
“طبعًا.”
ثم همس وكأنه يتآمر:
“لكنها قواعد لطيفة… لا تخيف كوستوس.”
توقفت إيليانا عند الاسم.
لكنها أخفت ذلك بابتسامة قصيرة.
في قاعة البروتوكول، كانت ماديسون تقف أمام المجموعة الصغيرة.
اليوم لم تكن تتكلم كثيرًا.
كانت تراقب أكثر.
ونواه كان حاضرًا قرب الباب، يحمل ملفًا، وجهه ساخر كعادته، كأنه الشخص الوحيد الذي يسمح لنفسه أن يبدو “غير مبهر” في هذا المكان.
حين رأت إيليانا نواه، فهمت أن التدريب سيصبح أكثر ازدحامًا بالمعاني.
بدأت ماديسون تشرح قواعد الواجهة في الصيد:
كيف تقفين حين تُسلمين السلاح.
كيف تبتسمين دون مبالغة.
كيف تشكرين دون أن تظهري امتنانًا زائدًا.
كيف تقولين جملة واحدة وتغلقين الباب.
نيكو رفع يده كطفل يزعج المعلمة.
“وماذا لو قلتُ جملتين؟”
ماديسون نظرت إليه:
“ستصنع لنفسك مشكلة.”
نيكو قال مبتسمًا:
“أنا أصنع مشكلات بشكل طبيعي.”
نواه علّق من الخلف بصوت منخفض مسموع:
“هذا صحيح.”
ثم أضاف:
“والمصيبة أنه يفعلها بسعادة.”
ضحك بعض المتدربين.
ماديسون لم تضحك.
لكن زاوية عينها تحركت لحظة، ثم عادت للصرامة.
نواه التقطها فورًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة لنفسه، كأنه يقول: إذن أنتِ لستِ حجرًا.
بعد الجلسة، خرجت المجموعة إلى ساحة خارجية لبروفة “الثبات”.
كان من ضمن الحضور المختار بعض الوجوه التي رأتها إيليانا سابقًا.
وسيلست أيضًا، لكن هذه المرة لم تقترب.
كانت تراقب فقط، لطيفة من بعيد، كما لو أنها لا تريد أن تبدو كعدو.
وهذا… كان أذكى.
وقف كايل عند الطرف، ليس في المنتصف.
عيناه تتحركان بين المتدربين كأنه يقرأ احتمالات الخطأ قبل وقوعها.
حين جاء دور إيليانا، لم يقل لها شيئًا أمام الآخرين.
لكنه حين مرت من قربه، قال بصوت منخفض جدًا:
“نصف خطوة.”
توقفت إيليانا لثانية.
ثم فهمت.
أبطأت حركتها قليلًا، وغيّرت مكان وقفتها بحيث لا تكون في قلب الضوء تمامًا ولا في الظل تمامًا.
نصف خطوة فقط.
نجحت.
في نهاية البروفة، كان هناك تصفيق خفيف من الجمهور المختار.
ليس تصفيق إعجاب.
تصفيق تسجيل.
لكن إيليانا، لأول مرة، لم تشعر أنها تُسحق تحت التصفيق.
لأنها التقطت من بعيد، عند طرف الساحة، نظرة كايل.
نظرة قصيرة.
ثم اختفاء.
كما لو أنه يقول: أنتِ تمشين جيدًا.
وفي ذلك كان ما يكفي ليجعل قلبها يهدأ.
——————
في نفس المساء، وصل إشعار جديد على هواتف الدائرة كلها.
تمت الموافقة على فعالية: “ساعة ضحك إلزامية”
مقدم الطلب: العضو نيكو
المكان: صالة الألعاب البحرية
الوقت: 20:30
وقفت إيليانا تحدق في الشاشة، ثم رفعت عينيها إلى نيكو كأنها لا تصدق.
قالت:
“لقد وافقوا فعلًا.”
نيكو وضع يده على صدره:
“بالطبع.”
ثم قال بفخر:
“أنا لا أطلب، أنا أقترح بطريقة تجعلهم يظنون أنها فكرتهم.”
جريس ضحكت:
“أنت خطير.”
سيلفي قالت بهدوء:
“بل مفيد.”
إيلارا أومأت:
“مفيد… إلى أن يتحول إلى كارثة.”
نيكو ابتسم:
“هذه مخاطرة محسوبة.”
وصلوا إلى صالة الألعاب البحرية.
كانت أقل فخامة من الأتريوم، وأكثر حياة. نوافذ كبيرة تطل على الماء، طاولات ألعاب، ركن موسيقى خفيف، ومنطقة تحديات بسيطة: أسئلة، بطاقات، وعجلة صغيرة مكتوب عليها “قانون الضحك”.
نيكو صعد على منصة صغيرة ورفع صوته:
“أيها الأعضاء!”
“هذه الساعة ليست للسمعة.”
“هذه الساعة للنجاة.”
ضحك كثيرون.
حتى بعض الوجوه المختارة ابتسمت، كأنها تعترف لنفسها أنها بحاجة إلى استراحة أيضًا.
قال نيكو:
“القانون الأول: ممنوع الكلام الجاد!”
“أي شخص يتكلم بجدية… يُعاقب بقبعة!”
وخرجت قبعات سخيفة من صندوق كبير.
ضحك الناس أكثر.
بدأت التحديات.
كانت جريس ممتازة في لعبة “إكمال الجملة” وتحوّل كل عبارة إلى نكتة أنيقة.
سيلفي فازت في “تخمين الكلمة” لأنها لا تتوتر.
إيلارا تفوقت في لعبة توازن ثانية كأنها ولدت تتحدى.
أما إيليانا… فكانت تضحك فقط.
تضحك من غير أن تحسب كل ثانية.
ومن غير أن تفكر في المجلس.
ومن غير أن تنتظر فخًا في كل زاوية.
وبين الضحك، لاحظت شيئًا.
ماديسون كانت في الصالة.
لم تكن مشاركة، لكنها لم تغادر أيضًا.
وقفت عند طرف بعيد، تراقب كعادتها.
ونواه كان قريبًا منها، يتصرف كأنه جاء مصادفة، لكنه في الحقيقة كان يراقبها هي أكثر مما يراقب اللعبة.
سمعت إيليانا نواه يقول لماديسون بصوت منخفض:
“هل ستبقين واقفة طوال الساعة؟”
“هذا مخالف لروح الفعالية.”
ماديسون أجابت ببرود:
“أنا هنا للملاحظة.”
نواه ابتسم:
“إذن لاحظي هذا.”
وسحب قبعة مضحكة من الصندوق، ووضعها قربها على الطاولة دون أن يلمسها.
قبعة كبيرة مكتوب عليها: “جدية ممنوعة”.
ماديسون نظرت إلى القبعة.
لم تبتسم.
لكنها قالت:
“تصرف طفولي.”
نواه قال بسهولة:
“ممتاز.”
“هذا يعني أنه نجح.”
تركت ماديسون القبعة على الطاولة، لم تلبسها.
لكنها لم تدفعها بعيدًا أيضًا.
وهذه كانت أول علامة.
بعد نصف ساعة، أعلن نيكو تحديًا جديدًا:
“تحدي الرسالة!”
“كل شخص يكتب رسالة قصيرة لشخص لا يعرفه جيدًا.”
“رسالة لطيفة.”
“ثم نعلقها دون أسماء.”
تململ بعض الأعضاء.
لكن الجو كان خفيفًا بما يكفي ليجعلهم يشاركون.
كتبت إيليانا رسالة بسيطة:
“أنت لست وحدك في هذا المكان، حتى لو بدا كذلك.”
علّقتها ثم ابتعدت.
نيكو علق رسالته طبعًا بطريقته:
“إذا رأيتني جادًا… اتصلوا بالإسعاف.”
ضحكوا.
أما نواه، فكتب رسالة ولم يعلّقها فورًا.
وقف لحظة ينظر إلى الورقة، كأنه يفكر هل هذا مكان مناسب لشيء صادق.
ثم ذهب إلى الطاولة التي تقف عندها ماديسون، ووضع الورقة تحت القبعة دون كلمة.
ماديسون لاحظت.
رفعت عينيها إليه:
“ما هذا؟”
نواه قال بهدوء:
“جزء من التحدي.”
ثم أضاف:
“اقرئيه أو لا… كما تشائين.”
كان يبتسم عادة حين يقول شيئًا كهذا.
لكنه هذه المرة لم يبتسم كثيرًا.
ابتعد.
ماديسون ترددت ثانيتين، ثم رفعت الورقة.
قرأتها بسرعة.
لم تتغير ملامحها كثيرًا.
لكن يدها ضغطت على الورقة لحظة، كأنها تماسكت كي لا يظهر شيء.
إيليانا لم تسمع ما كتبه نواه.
لكنها رأت أثره.
وهذه كانت ثاني علامة.
بعد دقائق، حدث موقف صغير جعل كل شيء أوضح.
أحد الأعضاء المختارين، رجل شاب من دائرة الواجهة، بدأ يسخر من لعبة نيكو بصوت أعلى من اللازم.
ليس سخرية لطيفة.
سخرية تجرح.
قال:
“هذه ليست فعالية للنخبة.”
“هذه حضانة.”
الضحك خفّ فجأة.
لأن كلمة “حضانة” هنا إهانة مقصودة.
نيكو حاول أن يرد بنكتة، لكنه شعر أن النكتة لن تكفي.
جريس نظرت إلى إيليانا.
إيلارا شدّت فكها.
وفي اللحظة التي كان الجو فيها سيتحول إلى توتر، تقدمت ماديسون خطوة واحدة.
لم ترفع صوتها.
لم تهاجم.
قالت للرجل بنبرة رسمية باردة:
“هذه فعالية معتمدة ضمن برنامج تخفيف الضغط قبل الموسم.”
“إن لم تناسبك، يمكنني تسجيل انسحابك.”
تجمد الرجل.
لأن كلمة “تسجيل” هنا تعني تقريرًا.
وتقرير ماديسون لا يحب أحد أن يراه.
ابتسم ابتسامة متكلفة:
“لم أقصد.”
ماديسون قالت:
“حسنًا.”
ثم عادت إلى مكانها.
التفت نواه إليها، لأول مرة من دون سخرية:
“شكرًا.”
ماديسون نظرت إليه:
“لا تشكرني.”
ثم أضافت بصرامة أقل:
“ولا تجعل الأمر عادة.”
نواه قال بهدوء:
“هذا وعد لا أستطيع تقديمه.”
هذه كانت ثالث علامة.
والأوضح.
ضحك نيكو بسرعة ليعيد الجو:
“حسنًا!”
“من يريد قبعة؟”
“من يريد أن ينسى أنه شخص مهم لمدة عشر دقائق؟”
عاد الضحك.
وإيليانا، وهي تضحك، رأت من بعيد كايل يدخل الصالة للحظة.
لم يدخل ليشارك.
دخل ليراقب… أو ليطمئن.
كان قرب الباب، عيناه تدوران سريعًا، ثم ثبتت على إيليانا ثانية واحدة.
لم يقترب.
لم يبتسم.
لكنه بقي لحظة أطول من المعتاد… ثم خرج.
كأن حضوره صار عادة:
يأتي حين تحتاج أن تتذكر أنها ليست وحدها، ثم يختفي قبل أن يراه أحد كثيرًا.
في نهاية الساعة، أعلن نيكو بفخر:
“نجونا!”
ضحكوا.
وصفق بعضهم.
ثم اقترب من إيليانا وهمس:
“غدًا سأطلب فعالية أصعب.”
إيلارا قالت فورًا:
“لا.”
نيكو ابتسم:
“نعم.”
ثم أضاف:
“لأن الصيد قريب.”
“ونحن نحتاج ضحكًا أكثر قبل أن يبدأ المسرح.”
خرجت إيليانا من الصالة وهي تشعر بخفة مؤقتة.
لكنها حين فتحت هاتفها عند الممر، وجدت إشعارًا جديدًا من المسار:
بروفة ميدانية أخيرة
المكان: الغابة الشمالية
الوقت: صباح الغد
الحضور: المتدربون المختارون + كوستوس
توقفت إيليانا.
الغابة مرة أخرى.
لكن هذه المرة… مع كوستوس رسميًا.
رفعت إيليانا رأسها ببطء.
شعرت أن غدًا لن يكون للضحك وحده.
وسيكون بداية الطريق الطويل نحو لحظة أكبر.
لحظة يتحرك فيها كايل قبل أن يفكر… ثم يدفع ثمن الحركة.
نهاية الفصل الثامن والثلاثون