الفصل الأربعون: راحة واجهة

في اليوم التالي أعلن المسار شيئًا نادرًا:

راحة واجهة.

ليست راحة حقيقية، طبعًا. ڤيريتاس لا يمنح راحة بلا هدف. لكنها راحة تسمح للناس أن يبدوا طبيعيين، وأن يختبروا بعضهم من غير أن يحملوا سلاحًا أو تقريرًا في أيديهم.

استيقظت إيليانا متأخرة قليلًا لأول مرة منذ أيام.

الكاحل أفضل.

والغابة الشمالية لم تترك فيها ذلك الخوف القديم، بل تركت فيها شيئًا أخف: شعور أنها لم تعد تنهار من صوت بين الأشجار.

في البهو، كانت دائرتها تنتظرها وكأنهم اتفقوا من غير كلام.

جريس قالت فورًا:

“اليوم نعيش.”

إيليانا رفعت حاجبها:

“كيف؟”

نيكو رفع ورقة كأنه يحمل وثيقة رسمية:

“بقرار منّي.”

ثم قرأ بصوت مسرحي:

“برنامج الراحة: سباق قوارب مطاطية.”

“ثم ألعاب.”

“ثم حلوى.”

“ثم… فعالية صغيرة مفاجئة.”

إيلارا قالت:

“أي فعالية؟”

نيكو ابتسم ابتسامة شريرة لطيفة:

“لن أخبركم.”

“المفاجأة جزء من العلاج.”

سيلفي قالت بهدوء:

“أنا لا أحب المفاجآت.”

نيكو رد بسرعة:

“وأنا لا أحب الهدوء.”

“إذن نحن متعادلون.”

ضحكت جريس.

حتى إيليانا ابتسمت.

اتجهوا إلى الخليج الصغير، حيث وضع النادي قوارب مطاطية للواجهة، ليست للأطفال بل للأعضاء الذين يريدون أن يضحكوا وهم يتظاهرون أنهم لا يضحكون.

كان هناك حكم رسمي للسباق، صفارة، ومسار قصير بين علامتين.

نيكو وقف على الرصيف وهو يعلن:

“أنا القائد.”

“وأنا القاضي.”

“وأنا الضحية إذا سقطت.”

إيلارا قالت:

“ستسقط.”

نيكو قال:

“هذه إساءة لسمعتي.”

جريس أضافت:

“أي سمعة؟”

ضحكوا.

قسموا أنفسهم إلى فريقين.

جريس مع إيليانا.

سيلفي مع إيلارا.

ونيكو قرر أن يكون “المعلق الرياضي” بدل أن يجدّف، بحجة أنه “يدعم من الخارج”.

قالت إيليانا:

“هذا هروب.”

نيكو وضع يده على قلبه:

“هذا ذكاء.”

بدأ السباق.

جريس كانت تجدّف بحماس أكثر مما تتوقع إيليانا.

سيلفي تجدّف بصمت وكأنها في مهمة.

إيلارا قوية، لا تتعب.

ونتيجة ذلك… تعادل قبيح انتهى باصطدام القاربين قرب العلامة الأخيرة، وصرخة نيكو وهو يصف الحادث كأنه ملحمة.

ضحكوا حتى وهم يحاولون توازن القوارب.

حين خرجوا من الماء، كانت إيليانا تضحك بصدق.

ضحك يخفف عنها ثقل الأيام القادمة.

وفي تلك اللحظة، رأت كايل.

كان بعيدًا عند نهاية الرصيف، يتحدث مع موظف من الأمن، ثم التفت للحظة نحو الخليج.

لم يكن يراقب السباق بالتفصيل، لكنه رأى إيليانا تضحك.

تلاقت عيناه بعينيها لثانية.

لم ينظر بعيدًا فورًا هذه المرة.

تردد جزءًا من الثانية.

ثم أدار وجهه وعاد لعمله.

لكن التأخير الصغير كان كافيًا لتشعر إيليانا بشيء دافئ، كأنه جزء من تلك الضحكة وصل إليه.

بعد السباق، جلسوا على المقاعد الخشبية قرب الماء.

حلوى خفيفة، عصائر، ونسيم يمر كأنه يذكّرهم أن البحر ما زال هنا، حتى لو اقترب الصيد.

قالت جريس:

“أحتاج أن أقول شيئًا.”

إيليانا التفتت إليها.

جريس قالت بجدية لطيفة:

“أنتِ أفضل مما تظنين.”

سكتت إيليانا.

ثم قالت:

“أحيانًا أشعر أنني أمشي فوق زجاج.”

سيلفي قالت:

“لكنّك تمشين.”

إيلارا أضافت:

“ولا تبتعدين.”

نيكو قال وهو يأكل:

“والأهم… أنك تضحكين.”

ثم أشار إلى نفسه:

“هذا دليل على أنك بخير، لأنني معيار عالمي للضحك.”

ضحكت إيليانا.

ثم قال نيكو فجأة:

“والآن… المفاجأة.”

تأوهت سيلفي.

“لا.”

نيكو ابتسم:

“نعم.”

أخرج صندوقًا صغيرًا، بداخله بطاقات.

وقال بحماس:

“هذه ليست الليلة الممنوعة.”

“هذه النسخة النهارية.”

“اسمها: خمس دقائق بلا أقنعة.”

جريس رفعت حاجبها:

“نيكو…”

نيكو قال بسرعة:

“قواعد بسيطة.”

“كل شخص يقول شيئًا واحدًا صادقًا.”

“شيئًا لا يُستخدم ضدّه.”

“لأننا سنختار أشياء صغيرة.”

إيلارا قالت:

“من يقرر أنها لا تُستخدم؟”

نيكو أشار إلى نفسه:

“أنا.”

ثم أضاف:

“وهذا طبعًا غير مطمئن.”

ضحكوا.

بدأ هو:

“أنا… أخاف أن يملّ الناس مني.”

ساد صمت قصير.

ثم ابتسمت جريس:

“هذا صادق.”

سيلفي قالت:

“لن نمل.”

نيكو تنحنح كأنه تأثر، ثم قال بسرعة:

“حسنًا، التالي.”

جريس قالت:

“أنا… أتعب حين أرى إيليانا تتألم.”

إيليانا شعرت بغصة لطيفة.

مدت يدها وضغطت على يد جريس.

سيلفي قالت:

“أنا… لا أحب أن أرتبك.”

ثم أضافت بعد لحظة:

“ولهذا أرتبك بسهولة.”

إيلارا قالت:

“أنا… لا أثق بسهولة.”

ثم نظرت إليهم:

“لكنني أحاول.”

ثم جاء دور إيليانا.

ترددت.

ثم قالت بصوت خافت:

“أنا… أرتاح حين يقول لي أحد: تنفّسي.”

تجمدت جريس لحظة.

ثم فهمت أنها جملة صغيرة، لكنها تحمل معنى كبيرًا.

ابتسمت دون سؤال.

نيكو قال فورًا ليخفف:

“ممتاز.”

“الآن سأقول لك: تنفّسي.”

ثم صفّر:

“انتهى العلاج.”

ضحكوا.

لكن إيليانا شعرت بحرارة في وجهها.

لأنها لم تقل الاسم.

ومع ذلك، قالت الكثير.

——————

لم تدم “خمس دقائق بلا أقنعة” طويلًا.

في ڤيريتاس، الصدق حين يطول يصبح خطرًا. لكن نيكو كان ذكيًا بما يكفي ليقطع اللحظة قبل أن تتحول إلى شيء ثقيل.

صفّق مرة واحدة وقال:

“انتهى.”

“ومن يتأثر… يذهب ليأكل.”

تأوهت سيلفي:

“هذا أفضل قانون وضعته.”

نهضوا من المقاعد، واتجهوا إلى مساحة مفتوحة قرب الإسطبلات الصغيرة التابعة للنادي. كانت الواجهة اليوم تمنحهم “لعبة كنز” بسيطة، مسار قصير فيه رموز مخفية، وأوراق صغيرة تحمل ألغازًا تافهة عمدًا كي لا تصبح اللعبة امتحانًا جديدًا.

نيكو قرأ اللوحة بصوت عالٍ:

“لعبة: أثر الموسم.”

“كل فريق يجد ثلاث إشارات، ثم يعود.”

جريس قالت:

“وكأنهم لا يتركوننا.”

إيلارا قالت:

“على الأقل اليوم بشكل لطيف.”

قسموا أنفسهم إلى فريقين مرة أخرى.

إيليانا مع جريس ونيكو.

وسيلفي مع إيلارا.

بدأت اللعبة.

نيكو كان يركض بلا سبب واضح، يصرخ كلما رأى ورقة كأنه اكتشف كنزًا حقيقيًا.

جريس تحاول أن تفهم اللغز بجدية ثم تنهار ضاحكة لأن اللغز سخيف.

وإيليانا تمشي بينهما، تلتقط العلامات بهدوء، تشعر أنها عادت طفلة لساعة واحدة.

بينما كانوا يبحثون عن “الإشارة الثانية”، سمعوا صوت خطوات خلفهم.

التفتت إيليانا… ورأت ريون.

كان وحده، لا يحمل ابتسامة كاملة، لكنه لم يأتِ بنظرة عدائية هذه المرة.

اقترب بمسافة محترمة وقال:

“أنتم تبحثون في المكان الخطأ.”

نيكو قال فورًا:

“ومن قال إننا نبحث؟”

“نحن نتنزه.”

ريّون نظر إليه، ثم قال ببرود أقل:

“التنزه لا يمنح نقاطًا.”

جريس رفعت حاجبها:

“هل جئت لتفوز علينا؟”

ريّون قال:

“جئت لأن هذه اللعبة ستجعل بعض الناس يبدون أغبياء.”

ثم نظر إلى إيليانا للحظة:

“وأنا لا أريدك أن تبدين كذلك.”

تجمدت إيليانا عند الجملة.

نيكو فتح فمه ليعلق، لكن جريس ضغطت على ذراعه، كأنها تقول: دعه يمر.

قالت إيليانا بهدوء:

“شكرًا.”

ثم أضافت:

“لم أتوقع هذا منك.”

ريّون لم ينفِ ولم يعترف.

قال فقط:

“لا تبني توقعات.”

ثم أشار إلى شجرة قريبة:

“الإشارة هناك.”

وجدوا الورقة فعلًا.

قرأتها إيليانا:

“إن كنت تريد أن تنجو من الموسم… فتذكر أن العين لا تنام.”

نيكو قال:

“هذه ليست لعبة.”

“هذه تهديد.”

ضحكوا.

حتى ريون تحركت زاوية فمه حركة صغيرة، كأنه كاد يضحك ثم تراجع.

قالت إيليانا، بصدق بسيط:

“أنت لست كما ظننت.”

ريّون نظر إلى الأرض لحظة.

ثم قال:

“وأنتِ أيضًا.”

ثم استدار وغادر قبل أن يطول الكلام.

تنفست إيليانا.

لم تكن مصالحة.

لكنها كانت أول شق صغير في الجدار.

في الطريق للعودة، لمحوا نواه وماديسون عند طرف الساحة، قرب لوحة القواعد.

كان نواه يقرأ شيئًا بصوت منخفض، وماديسون تقف بجانبه كعادتها.

لكن الفرق اليوم… أنها لم تكن تبتعد.

قال نيكو وهو يهمس:

“انظروا.”

“الحب يولد.”

إيلارا قالت من بعيد:

“هذا ليس حبًا.”

“هذا حرب.”

جريس ابتسمت:

“الحب عند ماديسون سيكون حربًا بالتأكيد.”

اقتربت إيليانا قليلًا، دون أن تزعجهما.

سمعت ماديسون تقول لنواه بنبرة رسمية:

“الذين سيشاركون في الصيد… يجب أن يثبتوا أنهم يعرفون الحدود.”

نواه أجاب بسخرية أقل:

“وأنتِ تعرفين الحدود أكثر من أي أحد.”

ماديسون قالت:

“لأنني مضطرة.”

نواه سكت لحظة.

ثم قال بصوت أهدأ:

“وأنا… لست مضطرًا.”

ثم أضاف:

“لكنني سأكون هنا.”

تجمدت ماديسون لثانية.

لم تبتسم.

لكنها قالت:

“لا تقل هذا أمام الآخرين.”

نواه رفع حاجبه:

“لماذا؟”

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة:

“هل تخافين أن يصدقوا؟”

ماديسون نظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت:

“أخاف أن يستعملوه.”

توقف نواه عن المزاح للحظة.

ثم قال بهدوء:

“إذن لن أعطيهم شيئًا.”

“سأقولها لك فقط.”

لم تسمع إيليانا البقية، لأن نيكو شدّهم بعيدًا وهو يضحك:

“حسنًا، لا نريد أن نتحول إلى جواسيس.”

عادوا إلى نقطة النهاية، سلّموا الإشارات الثلاث، واحتفل نيكو بأنه “أنقذ الفريق” رغم أنه لم يحل لغزًا واحدًا.

في المساء، عاد المسار إلى صوته الحقيقي.

إشعار رسمي:

جدول اليوم الأول من الصيد السنوي

التجمع: 05:40

اللباس: موسمي

الحضور: إلزامي للمختارين

ملاحظة: يمنع الانفصال عن المجموعة

قرأت إيليانا السطر الأخير أكثر من مرة.

يمنع الانفصال عن المجموعة.

رفعت إيليانا رأسها.

في الطرف البعيد من الممر، رأت كايل للحظة.

كان يمر سريعًا مع أحد موظفي الأمن.

لا يقف.

لا يراقب طويلًا.

لكن حين التفتت عيناه إليها، قال بعينيه شيئًا واحدًا واضحًا:

غدًا… ليس مثل اليوم.

وفي صدر إيليانا، تحركت العبارة التي قالتها في الصباح دون أن تقصد أن تعلنها:

تنفّسي.

ثم تذكرت قاعدته الأخرى.

نصف خطوة فقط.

نهاية الفصل الأربعون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 1308 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026