الفصل الحادي والأربعون: فجر الموسم

قبل الفجر بقليل، كانت ڤيريتاس مختلفة.

الأضواء خافتة.

الممرات شبه فارغة.

حتى البحر بدا وكأنه ينتظر.

خرجت إيليانا من جناحها بملابس الموسم: معطف عملي أنيق، قفازات، وحذاء ثابت. رباط كاحلها لم تعد تحتاج أن تخفيه بقدر ما تحتاج أن تنساه. اليوم لا وقت للتفاصيل.

في البهو، كان التجمع صامتًا.

وجوه مختارة.

بعضها متوتر.

وبعضها مبتسم كأنه جاء لحفل لا لصيد.

أوغست كان حاضرًا قرب طرف البهو، يتكلم مع موظف إداري، ثم التفت إلى إيليانا حين اقتربت.

قال بهدوء:

“أنتِ في الوقت.”

إيليانا قالت:

“حاولت.”

أوغست أومأ:

“اليوم لا تحاولي.”

“اليوم نفّذي.”

لم يكن كلامه قاسيًا بقدر ما كان واقعيًا.

انضمت إيليانا إلى دائرتها.

جريس كانت أقل كلامًا من المعتاد.

سيلفي تراقب بصمت.

إيلارا تقف كحارس.

نيكو… كان يحاول أن يبدو جادًا، وهذا وحده كان يثير القلق.

قال نيكو بصوت منخفض جدًا:

“أنا لا أحب الفجر.”

جريس قالت:

“وأنا لا أحبك حين تتكلم.”

نيكو تنحنح وصمت.

فتح باب جانبي، ودخل كايل.

لم يدخل كضيف.

دخل كمن يعرف أن كل ثانية محسوبة.

يقف معه رجلان من الأمن، وأجهزة في آذانهم، وخريطة في يد أحدهم. بدا الأمر أقل كفعالية وأكثر كعملية منظمة.

تقدم كايل خطوة واحدة إلى الأمام.

قال بصوته المنخفض للجميع:

“القاعدة واضحة.”

“لا انفصال.”

“لا بطولات.”

“لا مفاجآت.”

توقفت عيناه لحظة عند أحد المتدربين الذين يبتسمون كثيرًا، ثم أكمل:

“الموسم ليس لمن يريد أن يثبت شيئًا.”

“هو لمن يعرف كيف لا يخسر.”

تحركوا نحو منطقة الانطلاق.

كانت هناك عربات صغيرة تنقل المجموعة إلى تخوم الغابة، حيث تنتظرهم مسارات محددة وعلامات مضيئة خافتة.

في الطريق، جلست إيليانا قرب النافذة.

لم يكن في رأسها خوف صريح، بل ثقلٌ هادئ.

تذكرت جزيرتهم بلا إشارة.

ثم طردت الفكرة.

اليوم ليس يوم ذكريات.

وصلوا.

كان الهواء أبرد هنا.

والضباب خفيفًا، يلتف حول الأشجار كأنه ستار مسرح.

وقف كايل عند بداية المسار، أشار إلى خط مرسوم على الأرض.

“من هنا.”

ثم قال:

“ستتحركون ضمن مجموعات صغيرة.”

“لكنكم لن تخرجوا عن مجال الرؤية.”

أحد المتدربين سأل:

“ومن يحدد مجال الرؤية؟”

كايل أجاب ببساطة:

“أنا.”

لم تكن الكلمة استعراضًا.

كانت واقعًا.

وزعوا أنفسهم.

أوغست بقي قريبًا من إيليانا، لكن ليس ملاصقًا.

كأنه يحميها بالوجود دون أن يضعها في قفص.

قال أوغست بصوت منخفض:

“تذكري.”

“لا تلتقطي طُعم الواجهة.”

إيليانا أومأت.

بدأوا السير.

في البداية، كان كل شيء مضبوطًا.

علامات واضحة.

خطوات متقاربة.

وهمسات قليلة.

ثم ظهرت “اللعبة” داخل الموسم.

لم يكن الصيد هنا إطلاقًا متواصلًا، بل مسارًا من المهام الصغيرة: العثور على رمز، تصوير علامة، جمع دليل يثبت أنكِ اتبعتِ القاعدة.

أقرب إلى اختبار مجتمع… متخفٍ في شكل فعالية.

نيكو وجد أول رمز ورفع صوته بحماس قبل أن يتذكر الفجر.

سكت فورًا، ثم همس:

“أنا رائع.”

إيلارا قالت:

“أنت محظوظ.”

جريس ضحكت بصمت.

مرّ الوقت.

والضباب صار أثقل قليلًا.

في نقطة معينة، سمعت إيليانا صوتًا خلفها.

التفتت.

لم ترَ أحدًا من دائرتها لحظة.

تجمدت.

ثم تذكرت: لا انفصال… لكن الرؤية قد تخدع.

خطت خطوة إلى الأمام لتلحق بالمجموعة، ثم توقفت.

لأنها رأت شيئًا صغيرًا على الأرض، بين الأوراق.

شريطًا ملوّنًا، يشبه “دليل مهمة”، يشبه شيئًا يقال عنه لاحقًا: لو التقطتهِ، ستفوزين.

مدّت يدها دون تفكير كامل.

ثم سمعت صوت أوغست خلفها:

“لا.”

توقفت إيليانا فورًا.

رفعت نظرها إليه.

أوغست اقترب نصف خطوة، نظر إلى الشريط دون أن ينحني.

ثم قال:

“هذا ليس لكِ.”

“هذا طُعم.”

تراجعت إيليانا.

شعرت بخجل بسيط.

“ظننته…”

أوغست قال:

“الذي يظن… يضيع.”

ثم أضاف بنبرة أقل حدّة:

“لن يربحوكِ بالورق.”

تحركوا من جديد.

لكن إيليانا، وهي تمشي، كانت تشعر أن الموسم بدأ يضغط على أعصابها دون أن يرفع صوته.

وفي مكان ما داخل الضباب، كانت عين أخرى تراقب المسار أيضًا.

عين لا تحتاج أن تُرى كي تُشعرها بأنها موجودة.

لم يتغير وجه سيلست كثيرًا منذ بدأت المجموعة تسير.

كانت تمشي ضمن دائرة مختارة، لا تتقدم ولا تتأخر، وتبدو كأنها تستمتع بالضباب والهواء البارد. ظاهريًا، كانت سيلست واحدة من “اللطيفات” اللاتي يعرفن كيف يحولن أي موقف إلى مناسبة.

لكن اللطف هنا لا يأتي مجانًا.

عند نقطة استراحة قصيرة، حيث توضع طاولة صغيرة عليها ماء وقطع خفيفة، توقفت المجموعة لثلاث دقائق فقط. ثلاث دقائق تكفي لتبديل مواقع الناس، وتكفي أيضًا لتبديل القصص.

اقتربت سيلست من إيليانا بابتسامة هادئة.

“كيف حال قدمك؟”

كان سؤالًا لطيفًا، ويمكن أن يكون طبيعيًا.

لكن إيليانا شعرت فورًا أنه سؤال اختبار: هل ستقولين إنك تتألمين؟ هل ستبدين ضعيفة؟ هل ستفتحين بابًا؟

قالت إيليانا بهدوء:

“أفضل.”

سيلست أومأت وكأنها مرتاحة.

“جيد.”

ثم أضافت:

“أحيانًا أخاف على الوجوه الجديدة من هذا الموسم.”

“الناس يتصرفون هنا وكأن الخطأ لا يُغتفر.”

بدت الجملة كتعاطف.

وهي فعليًا تحمل شيئًا صادقًا: سيلست تعرف قسوة المكان.

لكنها في الوقت نفسه تمهد لنصيحة يمكن أن تُقرأ ضدك إن قبلتها بطريقة خاطئة.

قالت إيليانا:

“أنا أحاول ألا أخطئ.”

ابتسمت سيلست:

“لا أحد ينجو بلا خطأ.”

ثم نظرت إلى أوغست للحظة، كأنها تضعه في الجملة دون أن تذكره:

“لكن هناك من يملك رفاهية أن يُغطّى.”

توقفت إيليانا عند كلمة “يُغطّى”.

الكلمة تبدو حماية، لكنها تلمّح إلى اعتماد.

وهذا ما كانت سيلست تزرعه: أن إيليانا ليست ثابتة وحدها.

وقبل أن ترد إيليانا، قفز نيكو من خلفها كعادته، يحمل قطعة خبز صغيرة كأنها كأس بطولة.

“السيدة سيلست!”

“هل تعلمين أن هذا الموسم يفتقد شيئًا؟”

سيلست التفتت إليه، ابتسامتها صارت أوسع:

“وماذا يفتقد؟”

نيكو قال بجدية مصطنعة:

“يفتقد موسيقى.”

“أنا أقترح أن نضع فرقة تعزف بينما نحن نبحث عن الرموز.”

ثم أضاف:

“حتى يبدو الجميع أكثر أناقة وهم يضيعون.”

ضحك بعض الواقفين قريبًا.

جريس كتمت ضحكتها بصعوبة.

حتى لافينيا ابتسمت، رغما عنها.

سيلست ضحكت ضحكة خفيفة:

“أنت تجعل كل شيء مسرحًا.”

نيكو قال بفخر:

“لأننا أصلًا في مسرح.”

ثم أشار إلى الضباب:

“هذا الديكور وحده يكفي.”

كان نيكو يقتل التلميح بالضحك، وهذه موهبته الحقيقية.

تراجعت سيلست خطوة بأناقة.

“استمتعوا.”

ثم قالت لإيليانا بهدوء:

“أراك لاحقًا.”

لم تكن جملة تهديد.

كانت وعدًا اجتماعيًا: لن أنساك.

تحركوا من جديد.

في منتصف المسار، جاءت مهمة صغيرة جديدة عبر المسار، ظهرت على هواتف المختارين:

“التقاط رمز الموسم: ورقة ختم”

“يُسلّم الرمز في نقطة النهاية خلال 20 دقيقة”

“المحاولة واحدة”

تبدلت الوجوه.

المهام التي تُعطى بهذه الصيغة لا تكون لعبة فقط.

هي اختبار: من يضبط وقته؟ من يقرأ الخريطة؟ من ينهار؟

نيكو رفع هاتفه وقال بصوت منخفض:

“محاولة واحدة… هذا ظلم.”

سيلفي قالت:

“هذا هو المقصود.”

إيلارا قالت:

“دعوني أقرأ الاتجاه.”

لكن موظفًا من الإدارة ظهر وأعلن:

“بعض المتدربين سيؤدون المهمة ضمن توجيه كوستوس.”

تجمدت إيليانا لثانية.

ثم قرأ الموظف اسمها ضمن القائمة المختصرة.

“الآنسة بيلمون… ستسلم الرمز تحت إشراف كوستوس.”

تبادلت جريس وسيلفي نظرة سريعة.

إيلارا شدّت فكها.

نيكو فتح فمه ثم أغلقه كما فعل سابقًا.

أوغست قال لإيليانا بصوت منخفض:

“اذهبي.”

ثم أضاف:

“ولا تجعليها قصة.”

أومأت إيليانا.

تحركت نحو المسار الجانبي المحدد.

هناك كان كايل ينتظر، لا يقترب من المجموعة، لكنه يقف في مكان يراه الموظفون ويصعب على الضيوف أن يقتربوا منه.

لم يقل لها شيئًا رومانسيًا أو لطيفًا.

قال فقط:

“الوقت يبدأ الآن.”

سارت إيليانا بجانبه.

المسار هنا أضيق، والضباب أثقل، لكن العلامات أكثر وضوحًا لمن يعرفها.

قالت إيليانا بهدوء:

“هل هذا… طبيعي؟”

كايل قال:

“نعم.”

ثم أكمل دون أن ينظر إليها:

“الذين يريدون خطأ… يضعون الوقت.”

فهمت فورًا.

هذا ليس مساعدة فقط.

هذا اختبار تحت ضغط.

سارت إيليانا، وجدت العلامة الأولى، ثم الثانية.

لمست جذع شجرة، قارنت الرموز.

توقفت عند مفترق صغير.

كايل لم يعطها الحل.

وقف فقط.

قالت إيليانا بعد ثانيتين:

“يمين.”

تحركا يمينًا.

بعد خمس دقائق، رأت صندوقًا خشبيًا صغيرًا مخفيًا بين الجذور.

داخل الصندوق ورقة مختومة.

مدّت يدها لتأخذها، ثم ترددت لحظة.

كأنها تذكرت طُعم أوغست الصباحي.

نظرت إلى كايل.

لم يبتسم.

لكنه قال بهدوء:

“هذا صحيح.”

أخذت الورقة.

وفي طريق العودة، قال كايل جملة واحدة، كأنه يشرح لها العالم دون أن يطيل:

“سيلست لن تؤذيكِ مباشرة.”

“ستؤذي صورتك.”

“لأن الصورة أسهل من الدم.”

تجمدت إيليانا عند الجملة.

“ولماذا تفعل؟”

كايل أجاب بعد ثانية:

“لأنها تظن أنها تحمي شيئًا.”

ثم أضاف:

“ولأنها لا تحب المفاجآت.”

لم يقل أكثر.

لكنها فهمت: سيلست ليست عدوة، هي جزء من آلة تخاف التغيير.

عادا إلى نقطة النهاية في الوقت.

سلّمت إيليانا الورقة المختومة إلى الموظف.

سجّلها فورًا.

ثم قال ببرود:

“تم.”

هذه الكلمة وحدها كانت كافية لتعيد الجميع إلى واقع الموسم.

عادت إيليانا إلى دائرتها.

جريس قالت بصوت منخفض:

“كيف كان؟”

إيليانا قالت:

“سريع.”

نيكو قال:

“سريع؟”

ثم أضاف بفخر:

“أنا لو كنت مكانك لاحتجت ثلاث ساعات وخمس وجبات.”

ضحكوا بخفة، لكنهم كلهم كانوا يشعرون أن الضحك اليوم صار أصعب.

في نهاية المسار، ظهر إشعار جديد:

“تدريب إضافي مختار قبل يوم الصيد الرئيسي”

“المكان: جناح التأهيل الخاص”

“الحضور: كوستوس + المتدربة”

قرأته إيليانا مرة.

ثم مرة ثانية.

لم يكن تدريبًا عاديًا.

كان خطوة محسوبة نحو شيء أكبر.

شيء سيجعل الغابة تضيق أكثر.

والضوء يشتد أكثر.

وهذه المرة، لن يكون هناك ضباب فقط.

سيكون هناك جمهور.

نهاية الفصل الحادي والأربعون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 1377 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026