الفصل الخامس: الموعد

لم تنم إيليانا بسهولة

لم يكن القلق وحده، بل تلك الجملة التي كتبتها الجدة كأنها أمر بسيط، غدًا صباحًا، ستكونين في موعد مع عائلتنا

موعد

الكلمة بدت كأنها جلسة شاي، لكنها في ڤيريتاس تحمل معنى آخر، معنى لا يضحك معه نيكو كثيرًا، ولا تقدر جريس أن تخففه بجملة واحدة

في الصباح، استيقظت قبل أن يرن المنبه مرة أخرى

الضوء كان أبيض وناعمًا خلف الستائر، والجزيرة بدت ساكنة كما لو أنها لم تنم أصلًا

فتحت الخزانة التي أعدّتها الجدة لها، أو بالأصح أعدّها من أعدّته الجدة

ملابس مرتبة، ألوان هادئة، قطع بسيطة لكنها ليست رخيصة، كل شيء يقول إن صاحبة هذا الجناح ليست ضيفة عابرة

وقفت إيليانا أمام المرآة

بياض بشرتها ظهر أكثر تحت ضوء الصباح، وعيناها السوداوان بدتا أوسع، كأنهما لا تزالان تحاولان فهم المكان

اختارت فستانًا بسيطًا بلون داكن، عنق مغلق، أكمام خفيفة، شيء لا يدعو للانتباه لكنه لا يطلب الاختفاء

ثم تذكرت السطر الثاني في رسالة الجدة

ولا تتركي لأحد فرصة أن يسميك بدلًا منك

تنفست، وخرجت

في الممر، قابلت موظفة تحمل عربة صغيرة، وقفت فورًا وأومأت

قالت الموظفة

"صباح الخير، آنسة بيلمون"

ردت إيليانا

"صباح النور"

قالت الموظفة

"السيارة الكهربائية ستنتظرك عند الباب الجانبي خلال خمس دقائق"

تفاجأت إيليانا

"أنا لم أطلب"

الموظفة ابتسمت ابتسامة قصيرة

"أُبلغنا"

ثم مضت، كأن الأمر عادي، كأن في ڤيريتاس لا أحد يطلب، بل يُبلَّغ

سارت إيليانا إلى الباب الجانبي

وكانت السيارة بالفعل هناك، سوداء صغيرة، لا صوت لها تقريبًا، والسائق رجل في منتصف العمر لا ينظر طويلًا إلى أحد

فتح الباب الخلفي دون كلمة

جلست إيليانا، وحين تحركت السيارة داخل ممرات خضراء بين الأشجار، بدأت ترى جانبًا آخر من الجزيرة

فلل منخفضة بين الشجر، نوافذ واسعة، شرفات تطل على الماء، طرق حجرية تبدو كأنها مصنوعة لتُرى لا لتُستخدم

مروا بجانب حديقة فيها تماثيل صغيرة، ثم بجانب نافورة لا تصدر صوتًا قويًا، كأن الماء هنا أيضًا يتعلم الهدوء

توقفت السيارة أمام مبنى أقل فخامة من القصر الذي في الصورة، لكنه أكثر رهبة، لأنه لا يبتسم

مدخل واسع، أعمدة حجرية، باب خشبي ثقيل، وحارسان بملابس رسمية يقفان دون حركة

نزلت إيليانا

فتح أحد الحراس الباب، وقال بأدب

"مدام دي لافونتين تنتظرك"

دخلت

كانت رائحة المكان مختلفة، أقل عطرًا، أكثر خشبًا وورقًا، كأن المبنى يحتفظ بأعوام لا بأزهار

قادها أحد الموظفين إلى صالة صغيرة فيها مدفأة غير مشتعلة، وأرائك داكنة، وطاولة عليها ملف جلدي

وقفت الجدة قرب النافذة

لم تلتفت فورًا، كأنها تمنح إيليانا لحظة لتستوعب المكان

ثم قالت

"اقتربي"

اقتربت إيليانا، ووقفت كما تعلمت، لا اعتذار في العينين، لا تراجع في الكتفين

التفتت الجدة أخيرًا، ونظرت إليها نظرة فاحصة

قالت بعد لحظة

"جيد"

كانت كلمة صغيرة، لكنها جعلت إيليانا تشعر أنها نجحت في أول اختبار

جلست الجدة، وأشارت لإيليانا أن تجلس

جلست إيليانا

وضعت الجدة الملف الجلدي على الطاولة دون أن تفتحه

قالت

"اليوم ستسمعين أشياء قد لا تعجبك"

ثم أضافت

"لكنها ستفيدك"

ابتلعت إيليانا ريقها

"هل أنا… في مشكلة"

الجدة قالت

"أنتِ في فرصة"

ثم نظرت إلى الباب

"وسيصل أوغست بعد لحظات"

كأن الاسم وحده جعل الغرفة أكثر رسمية

لم تمر دقيقة حتى فُتح الباب

دخل رجل أطول مما تخيلت إيليانا، في أواخر العشرينات أو بدايات الثلاثينات، وجهه صارم، ملامحه مرتبة كما لو أنها جزء من وظيفة، لا يظهر عليه أنه يبتسم بسهولة

قال بصوت هادئ

"جدتي"

ثم انحنى قبلة على يدها دون مبالغة

الجدة أومأت

"أوغست"

ثم أشارت إلى إيليانا

"هذه إيليانا"

نظر أوغست إلى إيليانا نظرة واحدة، طويلة بما يكفي لتشعرك أنه يسجل كل شيء، ثم قال

"مرحبًا"

صوته لم يكن قاسيًا، لكنه كان خاليًا من الزينة

قالت إيليانا

"مرحبًا"

جلس أوغست على المقعد المقابل

سأل بهدوء

"هل كان يومك الأول صعبًا"

ترددت إيليانا، ثم قالت الحقيقة كما هي

"لم أفهم كثيرًا"

أوغست قال

"هذا طبيعي"

ثم نظر إلى الجدة

"ريّون بدأ يتحرك"

الجدة قالت

"كما توقعت"

قال أوغست

"هو يظن أن وجودها هنا إشارة"

رفعت إيليانا عينيها

"إشارة لأي شيء"

صمتت الجدة لحظة، ثم قالت

"لأنكِ… لستِ مجرد ضيفة"

لمحت إيليانا الملف الجلدي على الطاولة، كأنه قلب الحقيقة

قال أوغست بوضوح

"أنتِ وريثة محتملة"

ثم أضاف دون أن يرفع صوته

"ليس لأننا نريد حربًا داخل العائلة"

"بل لأن القانون، والاسم، والمال، كلها لا تعترف بالمشاعر"

شعرت إيليانا بأن صدرها ضاق

"أنا لم آتِ من أجل المال"

الجدة قالت

"أعرف"

ثم قالت كأنها تضع الحقيقة على الطاولة

"لكن المال جاء إليك"

سكتت إيليانا

لأنها لم تعرف كيف تجادل جملة بهذه البساطة

أوغست فتح الملف أخيرًا، أخرج ورقة واحدة، ووضعها أمام إيليانا دون أن يدفعها بقوة

قال

"هذا ليس عقدًا"

"هذا شرح"

نظرت إيليانا إلى الورقة

كانت كلمات كثيرة، أسماء، تواريخ، بنود لا تفهمها كلها، لكنها فهمت شيئًا واحدًا واضحًا

اسمها مكتوب هناك بطريقة رسمية، كأنه صار بندًا في حياة الآخرين

قالت بصوت منخفض

"لماذا الآن"

الجدة قالت

"لأن أمك ماتت"

ثم أضافت بصرامة لا قسوة فيها

"والفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا"

أوغست قال

"هناك من سيحاول ملء مكانك قبل أن تفهمي أنكِ تملكين مكانًا أصلًا"

رفعت إيليانا رأسها

"من"

الجدة قالت

"ليس مهمًا الآن"

ثم أضافت

"المهم هو ما سنفعله نحن"

سألت إيليانا

"وماذا ستفعلون"

أوغست قال

"سنجهزك"

"لا لتقاتلي أحدًا"

"بل لتكوني ثابتة حين ينظرون"

شعرت إيليانا بأن الجملة تشبه تدريب كايل، الهدوء تحت النظر

سألت ببطء

"ولماذا نادي ڤيريتاس"

أوغست نظر إلى الجدة، ثم قال

"لأن ڤيريتاس ليس مكانًا للتدريب فقط"

"هو المكان الذي تُصنع فيه القرارات، دون أن يراها الناس"

سكتت إيليانا

قالت الجدة

"وهناك شيء آخر"

نظرت إيليانا إليها

الجدة قالت

"أنتِ أنثى"

لم تنطقها كعيب، بل كحقيقة سياسية

ثم أضافت

"وهذا يغير الحسابات"

تجمدت إيليانا

أوغست قال بهدوء

"أنتِ الأنثى الوحيدة في هذا الجيل القريب"

"وهذا يعني أن وجودك لا يتعلق بالإرث فقط"

"بل بالتحالفات"

شعرت إيليانا ببرودة في أطرافها

"أي تحالفات"

الجدة قالت

"ستفهمينها لاحقًا"

ثم نهضت، كأنها تغلق الموضوع قبل أن ينهار

"اليوم يكفي"

أوغست نهض كذلك، ثم قال لإيليانا

"سأكون واضحًا"

"أنا لم أطلب حضورك إلى هنا لتخسري"

"ولا لأجعلك سلاحًا"

ثم توقف لحظة

"لكن إن بقيتِ بريئة كما أنتِ… سيجعلك الآخرون هدفًا"

ابتلعت إيليانا ريقها

قالت

"أنا لا أعرف حتى من الآخرون"

أوغست قال

"ستعرفين"

ثم نظر إلى الجدة

"وأقترح أن نخبر ريون جزءًا"

الجدة قالت

"ليس بعد"

ثم أضافت بنبرة لا تقبل الجدل

"سيُخبر نفسه بما يريد، هذا أسهل له"

فتح أوغست الباب ليخرج

وقبل أن يخرج، التفت إلى إيليانا مرة أخيرة

قال

"لا تظهري خوفك لرويون"

"هو يتغذى عليه"

ثم خرج

بقيت إيليانا مع الجدة وحدها

قالت إيليانا بصوت خافت

"هل أنتِ تحبين هذا"

الجدة نظرت إليها لحظة، ثم قالت

"أنا أحب أن تبقي حيّة"

ثم أضافت بنبرة أقل صلابة، كأنها تسمح بصدق قصير

"وأحب أن لا يكتب الآخرون قصتك"

نهضت الجدة، وأخذت الملف، ثم وضعت الورقة في داخله وأغلقت عليه

قالت

"الآن عودي إلى النادي"

"وابتسمي في المكان الصحيح"

سألت إيليانا

"ما هو المكان الصحيح"

الجدة قالت

"حين تختارين أنتِ"

خرجت إيليانا من المبنى

كانت السيارة تنتظرها كما لو أنها لم تغادر

وعندما تحركت عبر الطريق الأخضر نحو ڤيريتاس، رأت في السماء هليكوبتر تمر بعيدًا

لم يكن صوتها قويًا، لكنه كان كافيًا ليذكّرها أن الجزيرة ليست فقط شجرًا وماء

هي أيضًا حركة خفية

قرارات تُتخذ

وأسماء تُكتب

وعندما وصلت إلى بوابة النادي، كان ريون يقف هناك

كأنه كان ينتظر لحظة عودتها

نظر إليها نظرة واحدة، ثم قال بصوت منخفض يسمعه من يقترب فقط

"إذن بدأتِ"

توقف قلب إيليانا لحظة

لأنها أدركت أن سوء الفهم ليس رأيًا عنده

بل خطة

انتهى الفصل الخامس

2026/02/23 · 1 مشاهدة · 1167 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026