الفصل السابع: الماء

كان الصباح في إيل ميراج يلمع قبل أن يدفأ

الهواء رطب قليلًا، والبحر بعيد في الرؤية قريب في الرائحة، وكل شيء حول ڤيريتاس يبدو كأنه مصقول بعناية، حتى الصمت، حتى الظلال تحت الأشجار

خرجت إيليانا بيلمون من جناحها وهي تحمل حقيبة صغيرة فيها منشفة وملابس سباحة جديدة لم تخترها بنفسها، بل وُضعت لها كما تُوضع بقية الأشياء في هذا المكان، بعناية لا تسأل إن كانت تحبها

كانت قد تلقت الليلة الماضية إشعارًا قصيرًا على هاتفها الجديد

جلسة فردية، جناح التأهيل الخاص، الحوض الأولمبي

لم تعرف أن ڤيريتاس يملك حوضًا أولمبيًا، ولم تفهم كيف يمكن أن يكون الحوض “خاصًا”، لكن من تجربتها القصيرة فهمت أن كلمة خاص هنا لا تعني الرفاهية فقط، بل تعني العزلة أيضًا، تعني بابًا لا يمر منه كثيرون

سارت عبر الممرات الهادئة حتى وصلت إلى جناح لا يشبه بقية الأجنحة

الممر المؤدي إليه أضيق، الإنارة فيه أخفت، ولوحات الإرشاد أقل، كأن المكان يتعمد ألا يعلن نفسه

وقفت أمام باب معدني أنيق لا يحمل اسمًا، فقط لوحة صغيرة عليها رمز العضوية الألماسية

مررت بطاقتها

صدر صوت خفيف، وانفتح الباب

دخلت

لم يكن هناك استقبال، ولا موظفون، ولا حركة، فقط ممر قصير يقود إلى قاعة زجاجية عالية السقف، وحين وصلت إلى نهايته رأت الحوض

حوض أولمبي كامل، خطوطه تحت الماء دقيقة، والماء أزرق داكن صافٍ كأنه صفحة جديدة، وعلى الجوانب أرضية حجرية فاتحة لا تلمع كثيرًا، لكنها تبدو أغلى مما ينبغي، وفي طرف القاعة منطقة جلوس خشبية داكنة عليها مناشف مطوية بعناية، وزجاجات ماء باردة كأنها تنتظر شخصًا مهمًا

لم يكن المكان يصرخ بالفخامة

كان يهمس بها

وكان كايل هناك

واقف عند طرف الحوض، يضع ساعة بسيطة في معصمه، لا يبدو أنه جاء ليمارس رياضة، بل ليمنع الفوضى من أن تبدأ

حين رآها قال بصوته المنخفض

"آنسة بيلمون"

توقفت إيليانا لحظة، كأن الاسم صار رنينًا ثابتًا في هذا المكان

قالت

"صباح الخير"

أومأ إيماءة قصيرة، ثم قال مباشرة، كأنه يختصر كل شيء إلى نقطة واحدة

"هذه جلسة فردية"

ثم أضاف دون أن يشرح لماذا قالها

"لن يقاطعنا أحد"

شعرت إيليانا بأن صدرها يضيق ثم يهدأ، لأنها لم تكن تعرف هل تفرح للخصوصية أم تخافها

قال كايل

"اليوم سنعمل على شيء واحد"

سألته إيليانا بحذر

"ما هو"

قال

"أن تثقي بالماء"

ثم نظر إليها نظرة قصيرة

"وبنفسك"

اقتربت إيليانا من الحافة

الماء ساكن، لكن السكون هنا يخيف أكثر، لأنه يريك عمقك في انعكاسه

قال كايل وهو يقف على بعد خطوة

"انزلي من الدرج"

ترددت إيليانا

قالت بصوت منخفض

"لا أريد أن أبدو…"

قاطعها كايل فورًا، دون قسوة

"لا تكملي"

ثم أضاف

"الذي يهم هنا ليس كيف تبدين"

"بل كيف تبقين"

ابتلعت إيليانا ريقها، ثم نزلت الدرج ببطء

حين لامس الماء ساقيها شعرت بصدمة باردة، ثم بدفء ينتشر سريعًا، كأن الجسد يستسلم رغم العقل

وقفت في الماء حتى خصرها، ثم رفعت عينيها إليه

كان ينظر إليها كما لو أنه يرى ميزانًا لا فتاة، ومع ذلك كانت نظرته تثبتها بدل أن تفضحها

قال

"تنفسي"

فعلت

قال

"لا ترفعي كتفيك"

خفضتهما

قال

"جيد"

مد يده نحو لوح سباحة صغير موضوع على الحافة

قال

"خذي هذا"

أخذته إيليانا، تشبثت به فورًا، شعرت أنها تحتاج شيئًا ملموسًا

كايل قال بنبرة ثابتة

"لا تضغطي عليه كأنه قارب نجاة"

ارتبكت

"ماذا أفعل إذن"

قال

"اجعليه دليلًا فقط"

"النجاة هنا ليست في اللوح"

"النجاة في طريقة تنفسك"

تحركت إيليانا ببطء، دفعت نفسها مسافة قصيرة، كانت الحركة جميلة لثانيتين فقط، ثم جاء الخوف فجأة، ذلك الخوف القديم الذي يعلو من مكان لا يملكه المنطق

أحست أن قدميها لم تعد تلمس الأرض

رفعت رأسها بسرعة، ابتلعت ماءً، سعلت، وحاولت أن تستعيد الهواء لكنها لم تجده سريعًا

في لحظة قصيرة صار كل شيء ماءً وصوتًا مكتومًا، وصار عقلها يقول كلمة واحدة

لا أستطيع

سمعت صوت كايل، هذه المرة أقرب، ليس لأنه رفع صوته، بل لأنه وصل

"إيليانا"

ثم كان هناك ذراع تحت كتفها، ويد تثبت ظهرها حتى لا تنقلب

قال بصوت منخفض جدًا قرب أذنها، حتى الماء لم يقطعه

"أنا معك"

سعلت إيليانا مرة أخرى، ثم تشبثت به

كان التشبث غريزيًا، ليس قرارًا، تشبثت كما يتشبث الطفل بأول شيء يراه حين يخاف

التصقت به كحضن

وشعرت أن جسده ثابت وسط الماء، وأن صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وأن وجهها يحترق رغم برودة الحوض

رفعت عينيها إليه في ارتباك صريح

رأت أذنه تحمر قليلًا، احمرارًا خفيفًا سريعًا كأنه فضيحة صغيرة في وجه لا يفضح شيئًا

لم يبتسم

لم يوبخها

فقط قال بهدوء

"تنفسي الآن"

تنفست

قال

"جيد"

ثم أضاف فورًا، كأنه يضع قاعدة قبل أن تتكرر الفوضى

"لا تعتذري"

همست إيليانا بصوت مبحوح

"أنا… آسفة"

قال كايل

"قلت لكِ لا تعتذري"

ثم أبعدها عنه قليلًا بحركة مدروسة، لا يرميها ولا يتركها تلتصق أكثر، كأنه يعيد المسافة دون أن يجرحها

ظل ممسكًا بها من تحت مرفقها، تثبيتًا لا احتضانًا

قال قبل أن يفعل أي شيء آخر

"سأضع يدي تحت مرفقك"

"حتى ترفعي ذراعك بشكل صحيح"

"هل تسمحين"

ارتبكت إيليانا من السؤال، لأنه جاء في لحظة كانت فيها ضعيفة جدًا، ومع ذلك شعرت أنه يحفظ لها شيئًا من القرار

قالت بصوت خافت

"نعم"

وضع يده تحت مرفقها، رفع ذراعها قليلًا، ثم حرّك كتفها بحذر حتى يستقيم

كانت اللمسات كثيرة، لكنها لم تكن فوضوية، كانت لمسات تعلم، تصلح، تمنعك أن تغرقي، لكنها في الوقت نفسه تجعل جسدك يعي نفسه أكثر مما اعتاد

شعرت إيليانا بحرارة خفيفة تتجمع في وجهها، خجل لا تعرف من أين جاء

قال كايل

"اسندي نفسك على الماء"

"لا تقاتليه"

سألته وهي تحاول أن تسيطر على صوتها

"كيف"

قال

"هكذا"

اقترب خلفها نصف خطوة، دون أن يلتصق، لكنه صار قريبًا بما يكفي لتشعر بوجوده كحرارة على ظهرها

رفع يده نحو كتفها، توقف في الهواء لحظة كما لو أنه يستأذن مرة أخرى، ثم قال

"سأصحح كتفك"

"قولي لا إن لم ترتاحي"

قالت إيليانا بسرعة، وكأن كلمة لا ممنوعة في فمها

"لا، لا بأس"

لمس كتفها لمسة سريعة، ثم تركه فورًا، لكن المكان الذي لمسه بقي كأنه لم يتركه

قال كايل، وعيناه على الماء لا عليها

"أنتِ تتعلمين بسرعة حين تخافين"

قالت إيليانا بصدق مرتبك

"أنا لا أحب الخوف"

قال

"ولا أحد"

ثم أضاف

"لكن البعض يجيد استخدامه"

لم تفهم هل يقصد ريون، أم يقصد هذا العالم كله

قال كايل

"سنكرر"

"لكن هذه المرة لا تتعلّقين بي"

احمر وجه إيليانا

قالت بسرعة

"لم أقصد"

كايل قال

"أعرف"

ثم أضاف بجملة قصيرة، كأنه يبتلع شيئًا في صدره

"لكن لا تفعليها"

تحركت إيليانا مرة أخرى

هذه المرة حاولت أن تتذكر كل كلمة قالها

قسّمي الهواء

لا ترفعي كتفيك

لا تعتذري

دفعت نفسها مسافة قصيرة، ثم أطول، ثم توقفت لتلتقط أنفاسها

في كل مرة كانت تتوتر، كان كايل يلمس مرفقها ليعيد الحركة، أو يثبت كتفها ثانية، أو يضع يده على أعلى ظهرها ثواني معدودة حتى لا تنقلب

لمسات كثيرة

كلها تبدو غير متعمدة

لكنها تترك في جسد إيليانا أثرًا من حرارة لا يبررها الماء

وحين نجحت أخيرًا أن تعوم لحظات دون أن ترتعب، ضحكت ضحكة صغيرة خرجت منها رغمها

قال كايل

"جيد"

كانت كلمة قليلة، لكنها جعلت قلبها يهدأ

اقتربت من الحافة، خرجت من الماء ببطء، لفّت المنشفة حول كتفيها بسرعة كأنها تريد أن تخفي الخجل قبل أن يراه أحد، رغم أنه لا يوجد أحد

وقفت على الأرض الحجرية، وشعرت للحظة أن رجليها ما زالتا تتحركان كالماء

قال كايل وهو واقف على بعد مسافة

"تحسنتِ"

قالت إيليانا، وهي تحاول أن تجعل صوتها عاديًا

"لأنك كنت… قريبًا"

توقفت الكلمة في فمها كأنها انزلقت

كايل سكت لحظة

ثم قال

"القرب ليس دائمًا مساعدة"

ثم أضاف بنبرة أقل جمودًا، كأنه يعترف بحقيقة صغيرة

"لكنه اليوم كان ضروريًا"

رفعت إيليانا طرف المنشفة أكثر، كأنها تختبئ من حرارة وجهها لا من الهواء

قالت بعد تردد

"كنت في موعد مع جدتي صباحًا"

لم يرفع رأسه فورًا

قال فقط

"أعرف"

تجمدت إيليانا

"كيف تعرف"

رفع كايل رأسه ببطء

كانت عينيه ثابتتين، لكن في عمقهما شيء لا يحب أن يفسر نفسه

قال

"هنا… الأشياء معروفة"

إيليانا قالت

"قالوا إنني وريثة محتملة"

لم يعلّق مباشرة

قال بعد ثانية

"لهذا ينظرون"

ثم أضاف

"ولهذا سيحاولون الاقتراب منكِ بلا إذن"

سألت إيليانا

"وأنت"

توقف السؤال في حلقها، لكنها أكملته، لأن الماء أعطاها جرأة لا تعرفها

"هل تحاول الاقتراب بلا إذن"

نظر كايل إليها لحظة طويلة

ثم قال بهدوء شديد

"أنا أطلب الإذن"

كانت الجملة بسيطة، لكنها جعلت قلب إيليانا يدق مرة أخرى

قالت بصوت منخفض

"وأحيانًا لا أعرف ماذا أقول"

كايل قال

"لذلك تتدربين"

ثم نظر إلى الساعة في معصمه

"انتهت الجلسة"

اتجه نحو الباب الجانبي

فتح لوحة صغيرة على الجدار، ضغط شيئًا، فانطفأت بعض الإضاءات الخفيفة التي كانت تزين الحوض كأنها تودع، وبقي الضوء الطبيعي وحده

لاحظت إيليانا الحركة أكثر مما يجب

لأنها حركة شخص يملك المكان أو يملك حق إطفائه

سارت خلفه نحو الممر

قبل أن تخرج، التفتت إلى الحوض مرة أخيرة

كان ساكنًا كما كان

لكنها لم تعد كما كانت

وفي اللحظة التي انغلق فيها الباب خلفهما، سمعت صوتًا بعيدًا من آخر الممر، صوت رجل لا تراه، يقول لآخر بسرعة

"كوستوس يريد الجناح خاليًا خلال عشر دقائق"

توقفت إيليانا خطوة

التفتت نحو كايل

كايل لم يتغير وجهه

لكنه قال بنبرة لا تحمل تفسيرًا ولا اعتذارًا

"لا تستمعي"

ثم فتح لها الباب الخارجي

وتركها تخرج وحدها، والماء ما زال على جلدها، والكلمة ما زالت في رأسها، وكأنها قطرة أثقل من كل ما ابتلعت في الحوض

انتهى الفصل السابع

2026/02/23 · 1 مشاهدة · 1454 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026