مساحةٌ واسعة، بيضاء باردة، ومن دون شكّ... كانت خاليةً تمامًا.
يتوسّطها سريرٌ أبيض، يستلقي عليه ذاك الأنيس، الذي فقد حيلته في أن يُؤنس ما تبقّى منه.
في زمنٍ آخر..
على العشب البارد، كانت قدمان عاريتان تُهشّمان الحشيش من تحتهما، تركضان بعنفٍ محاولةً اللحاق بأحلامهما.
ـ أنيس! أنت سريع، أكاد ألتقط أنفاسي بصعوبة!
توقّفت إحدى القدمين، ثم لحقتها الأخرى، والتفت الجسد الضخم نحو خليله، وعلى وجهه ابتسامةٌ واسعة.
ـ كانت فكرتك! لو لم تتحدّني أن أصل قبلك، لما كنتَ متعبًا الآن!
وانطلقت ضحكاته الساخرة.
ـ بالطبع، لقد انتصرتَ يا أنيس!
تلفّظ بها رمّاح بقلة حيلة، وهو يمسح العرق عن جبينه إثر ركضه المستمر خلف نصفه الآخر.
كان رمّاح يقف خلف أنيس دائمًا... لحمايته؟ ربما. أو لأنه ظلّه؟ لعلّ الأمر كذلك.
لكن، كما كان أنيس يقول دائمًا:
" هو الأكبر، لذا من المنطقي أن يقف خلفي لحمايتي."
عقد أنيس حاجبيه، ثم اقترب من إحدى الواجهات الزجاجية للمباني، وأخذ يتأمّل انعكاسه فيها.
ـ شعري بدأ يطول، سأضطر إلى تقصيره!
ثم التفت إلى رمّاح، الذي كان يبعد عنه بضع خطوات، وأمال رأسه قليلًا.
ـ أتعلَم أين يوجد حلاق هنا؟
ـ وما حاجتك إليه؟ أعني... انظر إلى نفسك، أعتقد أن شعرك يبدو أجمل عليك بطوله الذي يلامس رقبتك.
تخطّاه رمّاح، فلحق به أنيس، وقد اقتنع ببضع كلماتٍ من صديقه؛ فهو يثق به، ويعلم أنّه لا يريد له إلا الخير، ولن يمسّه بضرر.
وفي يده، كان يحمل حذاءه الذي انتزعه قبل قليل.
مرّ الاثنان أمام مطعم، فدخل أنيس ليبتاع أحد الأطباق الشهيّة، لم يكن رمّاح كثير الاختلاط بالمجتمع، لذا كان ينتهي المطاف بأنيس قائدًا لفريقهما دائمًا.
نعم، فريق... مكوّن من شخصين فقط.
خرج الفتى ذو الواحد والعشرين عامًا، وفي يده طبقٌ دافئ، وارتسمت على وجهه ابتسامة مشرقة.
ـ هيا، لنأكل!
بلغ رمّاح في هذه السنة عامه السابع والعشرين، كان شعره أسود قصيرًا جدًا، تكاد فروة رأسه أن تُرى من شدّة قِصره، وكانت بشرته حنطية، وهو ما كان يراه عيبًا في جماله، كما يزعم هو؛ فقد كره لون بشرته.
أما أنيس، فكان يحمل لون الشعر نفسه، والبشرة ذاتها، إلا أنّه كان يحبّ لون بشرته بشدّة، بل كثيرًا ما كان يتغزّل بجمالها.
يعيش أجمل فترات حياته برفقة صديقه المقرّب، بعدما سمح له والده بالسفر معه.
لطالما حلم ذلك الفتى بالمغامرة في مختلف البلدان، واكتشاف ثقافاتها، برفقة شخصٍ يقربُه منه قلبه، ويشاركه تلك الرحلة.