فتح أنيس عينيه ببطء، لتلتقي عيناه بوجه صديقه النائم إلى جواره، إنتفض فزعًا للحظة، وكأنّه نسي أنّهما قد سافرا معًا، ثم سرعان ما عاد إلى مكانه، وأطلق ضحكة خافتة على خوفه من تلك الملامح التي تكاد تماثل ملامحه.
رمى نفسه على الفراش، وبدأ بإزعاج النائم إلى جواره.
ـ سحقًا لك، بالكاد إستطعت النوم بالأمس! كانت الرحلة طويلة حقًا...
فرك رمّاح عينيه البنيتين، ثم مدّ جسده بتثاقل، محاولًا استعادة نشاطه الصباحي.
ـ لكنني إستمتعت! هيا، انهض... أنا متحمس للتزلج!
قفز أنيس من الفراش بحماس، وإلتقط ثيابه مسرعًا، ثم دخل ليستحم بعدما قضى ليلة طويلة في النوم، وبعد أن خرج، دخل رمّاح ليستحم بدوره.
وبينما كان أنيس يرتب ملابسه، رنّ هاتفه فجأة.
ـ رقم غريب.
انعقد حاجبا رمّاح، وألقى نظرة على شاشة الهاتف، ثم رفع عينيه إلى أنيس.
ـ لن نذهب للتزلج اليوم.
تجمّد الحماس على وجه أنيس.
ـ ماذا؟
أمسك هاتفه بعصبية، ثم رماه على الفراش، إلا أنّه سقط على الأرض وارتطمت شاشته بقوة حتى إنفطرت.
مسح أنيس على شعره المبلل، وزفر بضيق.
ـ لماذا فجأة؟ رمّاح، أرجوك ..
اقترب رمّاح منه حتى أصبحت عيناه بمحاذاة عدسة أنيس مباشرة، ثم قال بصرامة:
ـ كان من ضمن اتفاقنا أن تستمر في مراجعتك الطبية، أيها الفتى، لن أتورط مع والدك إن أصابك مكروه ما.
خفض أنيس عينيه، وابتلع ريقه بتوتر.
ـ لا يهم.
شعر أنيس أمام رمّاح وكأنّه كتلة صغيرة لا حول لها ولا قوة؛ بالرغم من أنه يفوق رماح ضخامةً بقليل، إلا أنه كما كان يحتجّ دائمًا، فإن كونه الأكبر سنًا يمنحه الحق في القلق عليه كلما نشب بينهما جدال.
التقط رمّاح كأسًا من الماء كان قد بقي طوال الليل، وشرب منه رشفة.
وما إن ابتلعها حتى تعقّدت ملامحه اشمئزازًا.
انفجرت ضحكات أنيس.
ـ إنها مياه أسناني الاصطناعية!
بصق رمّاح الماء فورًا، ثم اندفع نحو المطبخ ليغسل فمه ويشرب ماءً باردًا، وبعد لحظات، عاد وهو ينظر إلى أنيس بنظرة ضيق مصطنعة.
ـ تُجيد الانتقام، أليس كذلك؟ انهض الآن، ولنذهب إلى المستشفى، أعدك أنّنا سنذهب للتزلج غدًا.
ارتدى أنيس سترةً بيضاء ذات قبعة، تعلوها سترة جلدية سوداء، ثم ارتدى بنطالًا أسود، وغطّى شعره بالقبعة.
أما رمّاح فاكتفى بقميص بني وسترة بنية، مع بنطال أسود، وكعادته لم يهتم كثيرًا بمظهره ما دام يستطيع الخروج من المنزل دون لفت الأنظار.
قاد أنيس السيارة، بينما ظل رمّاح إلى جواره صامتًا طوال الطريق.
كان اتفاقهما واضحًا؛ ما إن يصلا إلى المستشفى، فعلى رمّاح أن يتصرف وكأنّه غير موجود. يتولى أنيس الحديث، ويجيب عن الأسئلة، ويقدّم نفسه نيابةً عن صديقه، فشخصية رمّاح الانطوائية لم تكن تسمح له بخوض الأحاديث مع الغرباء بسهولة.
توقفت السيارة أمام المستشفى.
ترجّل أنيس، ثم وقف أمام المدخل للحظات، يحدّق في الباب الزجاجي وكأنّ خلفه شيئًا يخشاه.
لاحظ رمّاح توتره، فاقترب منه وربت على كتفه بخفة.
ـ هيا، لا تفكر كثيرًا، غدًا سأأتي لاصطحابك، اتفقنا؟
رفع أنيس عينيه إليه.
ابتسم رمّاح مطمئنًا.
ـ اعتنِ بنفسك.
تردد أنيس لحظة، ثم أومأ ودخل.
انغلق الباب خلفه، وتلاشى صدى خطواته في الممر.
كان التوتر واضحًا على وجهه، والقلق قد طغى على حماسه الذي ملأه قبل ساعات قليلة.
أما رمّاح، فظل واقفًا للحظات أمام المستشفى، يراقب الباب بصمت.
ثم استدار وغادر المكان، متلاشيًا عن الأنظار، كما لو أنّه لم يكن هناك قط.