فجأة، ومن دون أن يهب نسيم أو تمتد يد، بدأت صفحات الكتاب بالتقلّب من تلقاء نفسها. كانت تُرفرف بهدوء، كما لو كانت تحتضنها قوّة خفيّة. ثم، ومن دون أن تُمهل سورين فرصة للرد، بدأت الصفحات بالتقلب بسرعة، عابرةً فصولًا كثيرة بدت وكأنها فارغة تمامًا. بدا وكأن الكتاب بأكمله خالٍ، باستثناء الصفحة الأولى التي تحتوي على معلومات حالته. الهواء من حول الكتاب بدأ يلمع بتوهج خافت، وصوت تقليب الصفحات كان يهمس برسالة خفية: لقد استجاب لرغبته في استخدام مهارة [تسجيل] المعرفة في صفحاته.

«أفهم الآن... طريقة تفعيل مهاراتي لا تكون من خلال أوامر صوتية، بل أحتاج فقط أن أُفكر في ما أريد استخدام المهارة من أجله…»

استمرت الصفحات في التقليب لبضع ثوانٍ أخرى، ثم توقّفت فجأة. وما إن استقرّت على صفحة معيّنة، حتى ظهر قلم حبر أسود اللون في الهواء فوق الكتاب، من دون سابق إنذار. كان يطفو بثبات، محاطًا بسحابة من الضباب، سرعان ما تلاشت كما لو أنها لم تكن أبدًا. رمش سورين عدّة مرّات، مذهولًا من هذا التطوّر. «هل هذه هي طريقة عمل مهارة [التسجيل]؟ هل من المفترض أن أستخدم هذا القلم لكتابة المعلومات داخل الكتاب؟»

مدّ يده بتردّد نحو القلم وأمسكه، ولكن مهما حاول، لم يتحرّك القلم قيد أنملة. حتى عندما حشد كامل قوّته في المحاولة، بقي القلم ساكنًا في موضعه، عائمًا في الهواء بلا حراك. أرخى قبضته، وفرك صدغيه وهو يقطّب حاجبيه.

«كيف من المفترض أن أكتب به إذا لم أستطع حتى أن أُحرّكه؟» بدا أن لا شيء في هذا "السلاح الروحي" يُقدّم تفسيرًا بسيطًا.

ثم خطرت له فكرة. إذا كانت المهارات تحتاج إلى تفكير لتفعيلها، فهل يُمكن أن يكون استخدامها كذلك؟ ووفقًا للوصف، فإن [تسجيل] تُمكّنه من تسجيل المعلومات المحيطة. فإذا لم يكن قادرًا على التسجيل باستخدام القلم مباشرةً، فربما كل ما يحتاجه هو تعلّم أو تحليل المعلومة بنفسه كي تُسجّل.

لمعرفة الحقيقة، عليه أن يُجرب. نظر سورين حوله. المروج الصغيرة المُغلقة التي وجد نفسه فيها لم تكن تحتوي على شيء يُذكر. عدا الحشائش السيانية الباهتة، وحدود الأشجار الحمراء الملتفّة، لم يكن هناك أي معالم تُثير الفضول.

وفجأة خطرت له فكرة… «النباتات! يُمكنني أن أُجرب تحليل العشب وهذه الأشجار الغريبة!»

انحنى بسرعة على ركبتيه. وبشيء من القوة، اقتلع بعض الأعشاب من الأرض وبدأ يُمعن النظر فيها. لونها السياني الفاتح كان يتلاشى كلّما اقترب من الجذور، وسيقانها كانت أكثر إشراقًا من باقي الأوراق. وبناءً على ما يتذكره من دروس الأحياء، فإن النباتات عادةً ما تكتسب لونها الأخضر بسبب مادة داخل خلاياها تمكّنها من امتصاص ضوء الشمس. ولكن بما أن هذا العشب كان لونه سيانيًّا، فلا بد أن المادة المسؤولة عن لونه مختلفة.

أمسك بذقنه متأملاً، وقال: «هل يعني هذا أنها لا تحتاج إلى ضوء الشمس؟ فبِمَ تتغذى إذن؟»

قربها إلى أنفه واستنشق. الرائحة كانت قريبة جدًا من رائحة الحشائش العادية. ورغم أنه كان يُدرك أن عليه تحليل الأمور وتوثيقها داخل "سلاحه الروحي"، إلا أنه لم يكن يعرف الطريقة الدقيقة لفعل ذلك. لذا، الاستنتاج المنطقي الوحيد هو أن يستخدم حواسه الخمس لتحليل الموضوع، لعل ذلك يكون كافيًا لتفعيل المهارة. فهو ليس عالم أحياء، ولا نباتات. وأخيرًا، قرر تذوّق العشب، وكانت النتيجة أنه تقيّأ على الفور وتفل ما في فمه.

قطّب حاجبيه، ثم التفت إلى الكتاب. ولدهشته، حدث تفاعل. فالقلم العائم بدأ يتحرّك من تلقاء نفسه وبدأ يكتب بأناقة على الصفحة المتوهجة. كان الحبر يشعّ وكأنه نور يخترق الورق.

اتّسعت عينا سورين؛ فلم يكن أي من الرموز التي ظهرت على الصفحة يشبه أي لغة مألوفة لديه. كانت الحروف تبدو كأنها مبانٍ صغيرة متراصّة، تذكّره ببعض الحروف الصينية أو الماندرين. لكن الطاقات السحرية التي انبعثت منها كانت لا تخطئها الحواس. وكلما حاول أن يحدّق فيها، كلما شعر بقلق داخلي غامض يتراكم في قلبه.

ثم، فجأة، توقّف القلم عن الكتابة وعاد إلى حالته الساكنة في الهواء. ابتسم سورين وسرّح شعره الطويل إلى الوراء. "يبدو أن الأمر نجح. كتاب السجلات لا يُمكنه تخزين إلا ما قمت بتحليله أو تعلّمه بنفسي. لكن… كم من هذه المعلومات صحيحة فعلاً؟ لقد كانت مجرّد استنتاجات، فهل يتم تسجيل المعلومات الخاطئة كذلك؟"

2025/05/15 · 11 مشاهدة · 625 كلمة
الفينيق
نادي الروايات - 2025