الفصل الثاني: العهد والكنز
أثر الذاكرة والنداء المجهول
كانت نجوم الظل تمخر البحر بصعوبة، تضربها أمواج شاهقة كأنها جبال ماء تنهار فوق مقدمتها.
ثم… فجأة تغيّر كل شيء.
هدأت الريح.
سكنت الأمواج.
وصار البحر نفسه يتحرك بطريقة غير طبيعية، وكأنه يُسحب بعيدًا عن السفينة بقوة لا تُرى.
صرخ أحد البحارة:
"انظروا! الأرض… ترتفع!"
أمام أعينهم، بدأ قاع البحر يرتفع ببطء، وظهر جزء مظلم من الأرض.
ومع استمرار انحسار الماء، خرجت الجزيرة من الأعماق ككائن قديم يستيقظ من سبات عميق:
صخور داكنة… أشجار ملتوية… غابة كثيفة تكاد تبتلع الضوء.
وفور اكتمال ظهورها، انطلق الصوت.
كان الصوت أشبه بأنفاس تتردد من قلب الجزيرة نفسها:
{"وَاق... وَاق..."}
{"وَاق... وَاق..."}
لم يكن مجرد صوت. كان نداءً.
غامضًا… ساحرًا… مخيفًا.
ارتجف البحارة. تبادلوا النظرات بخوف حقيقي.
رفع ناجي يده وربت على كتف عمرو ليطمئنه، لكن عمرو—البحار الصامت—كان مصدومًا تمامًا، يشد على رمحه بيد ترتجف.
أما نجدت… فكان الوحيد الذي اشتعلت عيناه بلمعانٍ غريب.
أطلق ضحكة عالية وقال:
"إنه النداء! الشجرة! يا إلهي… إنها حقيقية! هيا! الذهب ينتظر!"
اندفع مسرعًا نحو الشاطئ، يتبعه حازم الذي خاف أن يبقى وحيدًا على السفينة.
مدّت زينب يدها نحو ناجي وأمسكت ذراعه بقوة.
قالت بصوت منخفض لكنه مليء بالتحذير:
"اسمعني يا ناجي… أبوك كان على حق! النداء ليس مجرد صوت. إنه رغبة… يدعو من في قلبه طمع. لا تتبع نجدت!"
رفع ناجي كفّه، يلمس الميدالية النحاسية التي ورثها عن والده.
وقال بثبات:
"أعرف. أبي قال إن الكنز هو البصيرة… لكن البصيرة غالبًا تختبئ تحت جبل من الخطر. لا أستطيع ترك نجدت يجد هذا الشيء، أيًّا كان. قد يجلب كارثة للعالم."
سحب ذراعه من قبضتها، وانطلق خلف نجدت والطاقم نحو الغابة المظلمة، بينما النداء يزداد قوة…
وكأنه يدعوه باسمه.
وقفت زينب وحيدة على الشاطئ، تنظر إلى البحر الذي تراجع عن الجزيرة بشكل غير طبيعي، ثم إلى الظلام الذي ابتلع الناجين بين الأشجار.
همست لنفسها:
"البحر ينتظر عودتهم… أما الرجال، فسيجدون ما يستحقون. فالواق واق لا يعطي إلا ما سُلب منه."
وفي تلك اللحظة، لمعت حركة خفيفة قرب الصخور.
اعتقدت أنها مجرد ظلال… لكنها لم تكن كذلك.
خرجت مجموعة من القرود الصغيرة، لكن ملامحها لم تكن طبيعية:
أجساد نحيلة مشعرة… عيون حمراء تتوهج… وأيدي تحمل بقايا عظام بشرية.
كانت هذه القردة الحارسة.
نظرت مباشرة نحو زينب، ثم اختفت بين الأشجار في صمت مرعب.
وانغلقت الغابة على ناجي ورفاقه…
ليبدأ العهد… قبل أن يُعرف ثمنه.