3 - الفصل الثالث: لقاء القَرَدَة الحارسة

الفصل الثالث: لقاء القَرَدَة الحارسة

الغابة المظلمة والفخ المحكم

​توغلوا في عمق الغابة، وكل خطوة كانت غرقاً في الظلام والوحول. كانت أشجار الواق واق ضخمة جداً وكثيفة الأغصان، لدرجة أن ضوء منتصف النهار كان خافتاً كأنه غروب أبدي. الأرض موحلة، والجذور ملتفّة كالأفاعي الميتة، أما الهواء فكان ثقيلاً، يحمل رائحة العفن العميق كالمقابر المفتوح.

​تصبب العرق من جبين نجدت وهو يمسحه بظهر يده، وكانت عيناه تدوران بحثاً عن مصدر الخطر. "هذه الغابة شيطانية! لا طائر يطير، ولا نسمع سوى هذا النداء الملعون."

​صوت "واق... واق..." أصبح الآن أقرب وأكثر وضوحاً، يتردد كالطبل الجنائزي في صدورهم، وكأنه نداء موجه لهم شخصياً.

​ناجي، بتركيزه الهادئ، كان يتفحص جذع شجرة ضخمة. "أبي قال إن هذه الشجرة ليست إلا رمزاً. ربما الكنز ليس ذهباً، بل شيء محظور لا يريد حراس هذه الجزر لأحد أن يراه."

​على الفور، أطلق حازم صوته الرعديد المرتعش: "حراس؟ ما دمت أملك سيفي، فلا أخشى جن أو عفريت!"

​لم تكد حروفه تستقر في الهواء حتى سقط شيء ثقيل من أعلى الأغصان، محطماً غصناً سميكاً بضجيج مدوٍ. ارتفع صوت صرير حاد يجمع بين عواء الذئب المهدد ونعيق القردة الغاضبة.

​ظهرت الكائنات المرعبة: القَرَدَةُ الحارِسة (العفاريت القردية). كانت كائنات بحجم الإنسان، ذات أجساد مغطاة بشعر بني كثيف، لكنها تقف على قدمين متينة كالمستذئب. وجوهها خليط مشوه من قرد وذئب، بأسنان طويلة بارزة، وعيون صفراء متوهجة تملؤها الوحشية. كانت سريعة جداً، تتأرجح في قفزات مذهلة بين الأغصان، تحيط بهم كشبكة مميتة.

​"ما هذا الجحيم!" صرخ نجدت بذهول، مسرعاً لإشهار فأسه. "ليسوا بقرود! وليسوا بذئاب!"

​هاجم ثلاثة من العفاريت القردية الطاقم. نجدت، رغم خوفه الجشع، ضرب بفأسه بقوة. ناجي وعمرو سحبا سيفيهما في تزامن كاد يكون عسكرياً.

​عمرو، البحار الصامت الذي كان يقاتل ببراعة هادئة لا تتناسب مع ضخامة جسده، صرخ: "تحركوا! هذه الكائنات جنود، وليست مجرد وحوش!"

​اندلعت المعركة الفوضوية. العفاريت كانت تتميز بقوة مفرطة ومخالب حادة كالشفرات. بينما تراجع حازم الجبان في ذعر مطلق، مختبئاً خلف ظهر نجدت الهائج.

​الجرح المميت وثمن الشرف

​ناجي قاتل بمهارة، مستخدماً خفة حركته لتفادي المخالب القاتلة. لكنه لاحظ أن الكائنات لا تتأثر بالضربات العادية، وكأن أجسادها مغطاة بجلد متحجر.

​"رؤوسهم!" صرخ ناجي بأعلى صوته. "استهدفوا رؤوسهم وعيونهم! إنها ضعيفة عند النظر!"

​تبع عمرو نصيحة ناجي بوفاء، ووجه طعنة خاطفة لسيفه نحو عين أحد العفاريت. أطلق الكائن صرخة مؤلمة ومرعبة، وسقط متشنجاً، وتحول جسده على الفور إلى رماد سريع التلاشي.

​"لقد نجحت!" صرخ نجدت. "أسرعوا!"

​تمكنوا من قتل اثنين آخرين، لكن الكائنات كانت لا تزال تتدفق من بين الظلال الكثيفة. في خضم محاولة للهروب، تعثر حازم الجبان في أحد الجذور، وسقط ليجد عفريتاً يقف فوقه.

​"ساعدوني! أرجوكم!" صرخ حازم بفزع مخجل.

​هرع عمرو، دون تردد، لإنقاذ صديقه. دفع عمرو العفريت القردي بقوة، لكن المخلوق نجح في توجيه ضربة خاطفة بمخلبه إلى صدر عمرو قبل أن يُطرح أرضاً. سُمع صوت تمزق قوي يليه صوت اندفاع الدم كالنبع.

​ناجي صرخ باسمه: "عمرو!" وهو يرى الدماء تسيل بغزارة.

​أدرك نجدت أن الموقف ميؤوس منه. سحب حازم مذعوراً، ثم التفت يصرخ في يأس: "انسوا الكنز الآن! اهربوا! لن نعود بالذهب لكن لن نموت بلا شرف!"

​انطلق الأربعة في هروب مذعور من الغابة، تاركين خلفهم أصوات صرير العفاريت القردية التي كانت تلاحقهم. وصلوا إلى الشاطئ بجروح وكدمات، لكن الكارثة الحقيقية كانت معهم.

​ الوفاء الأخير في حضرة المد

​أخيراً، أسند ناجي ونجدت عمرو على رمال الشاطئ. كان جرحه عميقاً جداً وكبيراً، وكان النزيف غزيراً لدرجة لا يمكن إيقافها.

​عمرو (بصوت ضعيف بالكاد يُسمع، لكن بعينين تليقان بصفة الوفاء الأبدي): "يا ناجي... انظر... الميدالية... أبيك... لم يكن كاذباً..."

​أشار عمرو نحو الميدالية النحاسية في يد ناجي. ثم حول عينيه إلى نجدت، الذي كان ينظر إليه بعجز مُحتقن.

​عمرو: "يا نجدت... العدل... لا يكون... إلا بالوفاء لرجالنا..."

​ثم أغمض عينيه. وضع ناجي يده على نبض عمرو، وبقي يده ساخنة على الجلد البارد لوهلة طويلة. ثم هز رأسه بحزن صامت. مات عمرو، البطل الصامت والمخلص، الذي اختار الوفاء على الهروب.

​نجدت (صوت متكسر بين الصدمة والغضب): "لم يعد هناك وقت للحزن! المد بدأ بالعودة! يجب أن نغادر الآن، أو نصبح طعاماً لهذه الجزر!"

​هدر البحر بعنف. الأمواج بدأت بالصعود بسرعة جنونية، تقترب من حافة الغابة. "الواق واق" كانت تستعد لابتلاع نفسها مرة أخرى، لتخفي السر.

​لكم ناجي الأرض بقبضته، صوته كان هادئاً، لكنه يحمل قوة تصميم تزلزل الجبال. "لن نذهب."

​نظر ناجي إلى نجدت، وعيناه تحملان حقدًا مقدساً. "ليس قبل أن نعرف ما الذي حصد حياة عمرو! هذه الجزيرة تخفي شيئاً أكثر قيمة من الذهب، شيئاً يستحق الموت أو القتال. سأجد الشجرة!"

​نظر نجدت إلى ناجي بصدمة غير مصدقة. حازم يرتجف كالورقة. زينب ظهرت فجأة من بين الصخور، وقد رأت كل شيء.

​زينب: "لا يمكنك! الموج سيعود، وسنغرق جميعاً! المد قادم كالطوفان!"

​ناجي (بعزم مطلق لا رجعة فيه): "فلنغرق إذن. لكن ليس قبل أن يكشف لنا هذا المكان سر وجوده وسبب قتل أخي. لن أترك الوفاء لعمرو يذهب سدى!"

​كانت الأمواج تندفع بعنف نحو الشاطئ. بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم، كأن الغضب القادم ليس من البحر، بل من الجزيرة ذاتها.

​في تلك اللحظة، لم تعد هناك رحلة للبحث عن الذهب؛ لقد أصبحت حرباً مقدسة باسم الوفاء والعدل المفقود.

2025/11/26 · 5 مشاهدة · 803 كلمة
Aiden Crow
نادي الروايات - 2026