كان الصمت في "مضيق النمر الساقط" أثقل من الجبال المحيطة به. جثة "لونغ باي"، الملك الذي ظن نفسه إلهاً، كانت ملقاة ككيس من اللحم الفاسد، بينما وقف الوزير "جينغ سو" يبتسم ببرود، محاطاً بآلاف الرماة الذين يوجهون سهامهم المسمومة بدم الشياطين نحو "وي لان".
"أنت مفتاحنا يا وي لان،" تردد صوت جينغ سو في الوادي. "كل ألمك، كل غضبك، كل تضحياتك.. كانت مساراً رسمناه لك بعناية لتنضج قوة الشيطان داخلك. والآن، حان وقت الحصاد."
في تلك اللحظة، شعر وي لان بشيء لم يشعر به منذ سنوات: الهزيمة. ليس هزيمة الجسد، بل هزيمة العقل. لقد سُلب منه حتى حق اختيار أعدائه. انتقامه كان مجرد مسرحية، وهو كان الممثل الرئيسي الذي يجهل النص.
نظر وي لان إلى يديه الملطختين بدماء أخيه. كان جسده يرتجف، ليس من الخوف، بل من غضب بارد، غضب أعمق من قاع المحيط.
"مفتاح؟" همس وي لان، وابتسامة مرعبة بدأت ترتسم على وجهه المشوه. "تريدون استخدامي لفتح بوابة العدم؟ أنتم نسيتم قاعدة واحدة في لعبة الشطرنج يا جينغ سو..."
رفع وي لان رأسه، وعيناه السوداوان تشتعلان بجنون خالص.
"... البيدق الذي يصل إلى نهاية الرقعة، يمكنه أن يقلب الطاولة بأكملها
أدرك وي لان أنه لن ينجو من هذا الفخ بجسده الحالي. للتفوق على جيش كامل، كان عليه أن يغوص أعمق في لعنة دماء الشيطان. أدخل يده المتحولة في صدره، مباشرة حيث ينبض قلبه، وضغط على "النخاع الأسود" المستقر هناك.
لفتح الختم الرابع، كان الثمن باهظاً. ضحى وي لان بـ "حاسة اللمس والشعور بالألم". للأبد.
لن يشعر بعد اليوم بحرير الثياب، ولا ببرودة الماء، ولا بحرارة النار، ولا بألم الجروح. أصبح جسده مجرد أداة ميتة تحركها إرادة وحشية.
صرخ وي لان صرخة لم تكن بشرية؛ كانت زئيراً مزق طبلة أذن الجنود القريبين. انفجرت شبكة من العروق السوداء النافرة لتغطي جسده بالكامل، وتحولت عظامه البارزة إلى درع شوكي.
"أمسكوه حياً! لا تقتلوه!" صرخ جينغ سو، وقد تلاشت ابتسامته وحل مكانها ذعر حقيقي.
انطلقت آلاف السهام، انغرس العشرات منها في ظهر وي لان وفخذيه وكتفيه. لكنه لم يرمش. بلا ألم، لم يكن هناك ما يعيق حركته.
اندفع وي لان كقذيفة مدفعية بشرية نحو صفوف المشاة الثقيلة. لم يستخدم سيفاً، بل أمسك بأول جندي يقابله من عنقه، وبحركة واحدة، اقتلع عموده الفقري واستخدمه كسوط دموي ليحطم به وجوه الجنود الآخرين.
كانت مجزرة لا تخضع لأي تكتيك عسكري. كان وي لان يغوص في بحر من الرماح والسيوف، تُقطع أجزاء من لحمه، تُكسر أضلاعه، لكنه يستمر في التقدم والتمزيق. غرس أحد الجنود رمحاً في معدة وي لان لتثبيته في الأرض، فما كان من وي لان إلا أن أمسك الجندي بيديه العاريتين، وشق صدره نصفين كأنه يمزق ورقة.
وسط الفوضى، أمر "لو هينغ" (قائد وي لان المخلص) ما تبقى من قواته بالهجوم الانتحاري لفتح ثغرة لسيدهم.
"لتحيا دماء العدم!" صرخ لو هينغ وهو يندفع بفرسه نحو الرماة، قبل أن يسقط ممزقاً بمئات السهام. تضحية لو هينغ لم تذهب سدى؛ لقد أحدثت فوضى لثوانٍ معدودة.
استغل وي لان تلك الثواني. التفت نحو المنحدر الصخري الهش الذي يرتكز عليه المضيق. ركز كل قوته الشيطانية في يده اليمنى، وضرب الجدار الصخري بضربة خلقت موجة تصادمية هائلة.
انهار الجبل.
سقطت أطنان من الصخور العملاقة لتسحق جيش جينغ سو، وانهارت الأرض تحت قدمي وي لان، ليسقط في الهاوية المظلمة لنهر "التنين الأعمى" الذي يجري تحت المضيق.
الماء البارد لم يعنِ شيئاً لوي لان.. فهو لم يعد يشعر بالبرودة. جرفه النهر العنيف لأميال في الكهوف الجوفية، بينما جسده الممزق يحاول ببطء التئام جروحه المميتة.
عندما استعاد وعيه، لم يكن في الماء. كان مقيداً بسلاسل من الحديد الصلب المدمج بالرصاص (المعدن الوحيد الذي يضعف دماء الشيطان). كان في كهف مضاء بمشاعل خافتة.
"لو لم أقيدك، لكان جسدك قد استمر في التهام نفسه حتى تتحول إلى غبار."
جاء الصوت خشناً كصوت طحن الحجارة.
من بين الظلال، خرج رجل ضخم البنية، أصلع الرأس، يغطي النصف الأسفل من وجهه فك معدني من الحديد الصدئ. عيناه كانتا بيضاوين بالكامل.. أعمى.
"من أنت؟" سأل وي لان بصوت جاف، محاولاً كسر السلاسل دون جدوى.
"اسمي غاو لي (Gao Lei)،" قال الرجل وهو يجلس القرفصاء أمامه، ويضع رمحاً أسود ضخماً بجانبه. "أنا الجزار السابق للكنيسة الحديدية، والرجل الذي قتل أول شيطان ظهر في هذه القارة منذ مئة عام. وأنا من سيعلمك كيف تروض الكلب المسعور الذي ينبح داخل دمك، قبل أن يلتهمك كلياً."
تقدمت خطوة من خلف غاو لي امرأة ترتدي قناعاً من الخزف الأبيض.. إنها "شين مياو".
قالت بهدوء: "لقد خسرنا معركة يا وي لان، وخسرنا جيشاً. لكننا الآن خارج رقعة الشطرنج الخاصة بجينغ سو. حان الوقت لنتعلم كيف نصنع رقعتنا الخاصة."