في قارة "شين-جياو"، الأخبار السيئة لا تنتقل عبر الرسل، بل عبر أسراب الغربان التي تتبع الجيوش المنهزمة
في قاعة العرش الكبرى لمملكة "دا-ووي"، لم يكن هناك حداد على الملك المقتول "لونغ باي". بدلًا من ذلك، كانت رائحة البخور الثقيل تحاول عبثاً تغطية رائحة الخيانة.
وقف الوزير "جينغ سو" بملامحه الثعلبية الهادئة، يمسك بيد طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، يرتجف رعباً وهو يرتدي تاجاً ذهبياً أوسع من رأسه. كان هذا الطفل هو "لونغ يي"، ابن عمومة بعيد للملك السابق.
"أيها السادة،" تحدث جينغ سو بصوت رخيم تردد في القاعة التي غصت بقادة الجيوش وكهنة الكنيسة الحديدية بعباءاتهم الرمادية. "لقد سقط ملكنا الشجاع شهيداً وهو يقاتل المسخ 'وي لان'. لكن المملكة لا تموت بموت رجالها. عاش الملك الشاب!"
انحنى الجميع، ليس احتراماً للطفل، بل خوفاً من الوزير.
في زاوية مظلمة خلف العرش، اقترب الكاهن الأعظم "فانغ" من جينغ سو وهمس: "هل أنت متأكد أن 'وي لان' نجا من السقوط؟ البوابة لن تُفتح إذا مات المفتاح."
ابتسم جينغ سو ابتسامة جليدية. "الشياطين لا تموت بالغرق يا فانغ. دعه يلعق جراحه، دعه يظن أنه يختبئ. غيابه سيعطينا الوقت لتوحيد الممالك الثلاث المتبقية تحت راية هذا الطفل الأحمق. عندما يعود وي لان للانتقام، سيجد نفسه يحارب القارة بأكملها.. وحينها سيضطر لفتح الختم السادس، وبذلك تكتمل طقوس البوابة."
بعيداً تحت الأرض، في كهوف لا يصلها نور الشمس، كان هناك نوع آخر من العروش يُبنى.. عرش من الدماء والعرق.
وقف وي لان عارياً من النصف الأعلى، يلهث بشدة. لم يكن يشعر بأي ألم، لكن جسده كان يخبره بأنه وصل للحد الأقصى.
أمامه، وقف الجزار الأعمى "غاو لي"، يمسك بعصا خشبية غليظة.
"هاجم،" قال غاو لي ببساطة.
اندفع وي لان بسرعة مرعبة، موجهاً لكمة شيطانية قادرة على اختراق درع فولاذي نحو رأس الرجل الأعمى. لكن غاو لي لم يكن هناك. بحركة انسيابية تكسر قوانين الفيزياء لرجل بحجمه، مال غاو لي جانباً، وضرب عصاه الخشبية بقوة ساحقة في الجانب الأيسر لركبة وي لان.
سُمع صوت طقطقة عظام مرعب. التوت ساق وي لان للخلف بطريقة غير طبيعية، وسقط على وجهه.
نهض وي لان فوراً، ملامحه لم تتغير، ولم يخرج منه أي أنين. حاول الهجوم مجدداً، لكن ساقه المكسورة خانته، ليسقط مرة أخرى.
"أرأيت؟" قال غاو لي وهو يطرق بعصاه على الأرض. "أنت تظن أن فقدانك لحاسة الألم هو درعك المنيع. أنت أحمق. الألم هو بوصلة الجسد. هو الذي يخبرك أن العضلة تتمزق، وأن العظم ينكسر، وأنك تنزف حتى الموت. بدون الألم، أنت لست مقاتلاً.. أنت مجرد لحم ميت يتحرك."
نظر وي لان إلى ساقه المكسورة، والتي بدأت تلتئم ببطء مقزز عبر خيوط دموية سوداء. "وما هو الحل إذن؟ إذا لم أكن أشعر بجسدي، فكيف أتحكم فيه؟"
جلس غاو لي القرفصاء، ووجه عينيه البيضاوين نحو وي لان وكأنه يرى روحه. "عليك أن تنقل الإحساس من 'الجلد' إلى 'العين'. استخدم الختم الأول (الإدراك). لا تنظر إلى خصمك فقط، انظر إلى تدفق الدماء داخل جسدك أنت. انظر إلى عضلاتك وهي تنقبض. عوض اللمس بالبصيرة. عندما تقاتل، يجب أن تحسب وزنك، توازنك، ومقدار الضرر في كل مفصل رياضياً وهندسياً، لأن جسدك لن يرسل لك إشارات إنذار بعد الآن."
استمر التدريب لأسابيع في الظلام. كان غاو لي يمزق جسد وي لان حرفياً ليعلمه كيف "يرى" الضرر ويستجيب له دون الشعور به. تعلم وي لان ألا يعتمد على القوة الغاشمة العشوائية، بل على الحركات الدقيقة، كسر المفاصل، الإسقاط التكتيكي، وخنق الخصم بجهد أقل. أصبح أسلوبه القتالي خليطاً مرعباً بين وحشية الشيطان وهندسة الجزارين.
في أحد الأيام، دخلت "شين مياو" الكهف، وقناعها الخزفي يعكس ضوء المشاعل.
"لقد انتهى وقت التدريب تحت الأرض،" قالت بصوتها الهادئ. ألقت على الأرض لفافة جلدية تحمل ختماً أحمر. "الكنيسة الحديدية أعلنت عن 'بطولة الدماء المقدسة' في مدينة 'خو-يان'. الفائز سيحصل على منصب قائد الحرس الملكي للملك الجديد... وسيتمكن من الوصول المباشر إلى الوزير جينغ سو."
وقف وي لان. كانت العروق السوداء تحت جلده تنبض بإيقاع هادئ ومنتظم، لم تعد فوضوية كما كانت. لقد روض الكلب المسعور في دمه.
"أراد جينغ سو أن يضعني على رقعته كبيدق،" قال وي لان وهو يلتقط نصله العظمي الأسود الذي صقله غاو لي ليصبح أكثر حدة وفتكاً. "سأذهب إلى بطولته.. لكنني لن ألعب بقواعده. سأحصد رؤوس قادته واحداً تلو الآخر، أمام عينيه."
التفت وي لان نحو الجزار الأعمى. "شكراً لك يا غاو لي. لم تعلمني فقط كيف أقاتل.. بل علمتني كيف أموت وكيف أحيا في نفس اللحظة."
"لا تشكرني،" همهم غاو لي. "عندما تفتح الختم السادس وتفقد عقلك تماماً.. سأكون أنا من يأتي لقطع رأسك. هذا هو ثمن تدريبي لك."
ابتسم وي لان ابتسامته الباردة. "أتمنى أن تحاول."