الفصل الأول :

كانت تالين تقف أمام مرآة غرفتها تتأمل عينيها للمرة العاشرة في ذلك اليوم، ونظراتها فارغة كأنها لا تنتمي إليها.

استدارت ببطء، وتمايل شعرها المنسدل حتى خصرها مع حركتها. حدّقت من نافذة غرفتها إلى الجبال البعيدة التي ارتدت الربيع، وإلى الحقول الممتدة حول منزلها. بقيت تحدق طويلًا قبل أن تطلق تنهيدة خافتة.

ارتدت ملابسها الرسمية بهدوء، وكأنها ترتدي قناعًا جديدًا، ثم عادت إلى المرآة.

في الانعكاس ظهرت امرأة أخرى تمامًا؛ ابتسامة ناعمة ورقيقة، ونظرة هادئة توحي بسعادة مستقرة، كأن الفراغ الذي كان يملأ عينيها قبل لحظات لم يكن موجودًا قط.

خرجت من المنزل واستقلت سيارتها.

وأثناء القيادة، رن هاتفها بنغمة مألوفة. عرفت فورًا أنه مساعدها. رفعت الهاتف دون تردد، وقبل أن تتكلم وصلها صوته القَلِق.

كان يحثها على الحضور بسرعة، فهناك مشكلة جديدة تخص ابن أخيها الذي لا يكف عن إثارة المتاعب .

لكن قبل أن ترد، تابع قائلًا إن مدير شركة Vertex Robotics قد وصل بنفسه إلى مكتبها، وأن حضوره غير متوقع إطلاقًا.

تمتمت تالين بضيق:

"لا يفوّت فرصة لرؤيتي والشماتة بي، أليس كذلك؟ ربما هو سعيد لأنه وجد سببًا مشروعًا للمجيء واستفزازي. تبا."

سكتت لحظة ثم أعطت أوامر سريعة؛ تنظيم الاستقبال، وتأجيل أي اجتماع غير ضروري، وجمع كل التفاصيل المتعلقة بالمشكلة قبل وصولها.

كانت على وشك إنهاء المكالمة عندما لمحت شيئًا أمامها.

شاحنة مسرعة اندفعت نحوها على الطريق الجبلي الضيق.

حاولت الانحراف بسرعة، لكن المسار لم يكن يسمح بالهرب.

دوّى صوت بوق حاد في أذنيها، ثم اجتاح رؤيتها ضوء أبيض كثيف ابتلع كل شيء.

كان آخر ما شعرت به هو دفء دمائها الذي تناقض مع البرودة التي بدأت تزحف إلى جسدها، وصوت مساعدها القَلِق يتلاشى تدريجيًا في الخلفية.

---

استيقظ وعي تالين ببطء على صوت بعيد يحثها على النهوض.

في البداية بدا الصوت مشوشًا، ثم أخذ يقترب شيئًا فشيئًا حتى استطاعت تمييز الكلمات.

"يا كسولة، استيقظي وإلا فانسي أمر الإفطار. هيا! اللعنة، لدي أطفال آخرون لأوقظهم. ابقي في غيبوبة إن شئتِ."

شعرت بابتعاد صاحبة الصوت، ففتحت عينيها ببطء.

حدقت في السقف للحظات، ثم جلست على السرير المتهالك دون كلمة.

رفعت الغطاء المهترئ عن جسدها ونظرت حولها بصمت.

الغرفة صغيرة وبسيطة، والجدران باهتة، والهواء يحمل رائحة مألوفة لم تستطع تحديدها.

أنزلت بصرها إلى يديها.

يدان صغيرتان.

أخذت تفتح أصابعها وتغلقها ببطء، وكأنها تختبر وجودها.

كان المشهد ليبدو مضحكًا لولا النظرة الفارغة في عينيها.

"ليس مجددًا... حقًا ليس مجددًا."

انزلقت دموع ساخنة على خديها الباردين.

لم تتغير ملامحها الخالية من الروح، ولم تستطع ارتداء ابتسامتها المعتادة أو قناعها الذي لازمها سنوات طويلة.

وصلت إلى أذنيها أصوات الأطفال الآخرين وهم يستيقظون. ضجيج أقدام صغيرة، وأصوات أسرّة تُرتّب بسرعة، وأطفال يتسابقون إلى المغاسل ثم يركضون نحو غرفة الطعام خوفًا من فوات الإفطار.

أغلقت تالين عينيها للحظة.

ثم نهضت.

لم تكن بحاجة إلى وقت طويل لترتيب سريرها. لطالما كانت تنام بهدوء دون أن تتحرك كثيرًا.

عدّلت الغطاء بعناية، وربطت شعرها سريعًا، ثم خرجت من الغرفة وركضت في الممر خلف بقية الأطفال.

فمهما كانت الكارثة التي حلت بها...

كانت جائعة للغاية.

وما زال جسدها يتذكر ألم الحادث حتى الآن.

وأثناء محاولتها النزول بسرعة عبر الدرج العتيق، اجتاحها دوار حاد.

ترنحت ساقاها القصيرتان، وانزلقت قدمها على إحدى الدرجات.

أمسكت بالسياج الخشبي بصعوبة قبل أن تتدحرج أكثر، لكن جسدها الصغير لم يخرج من السقوط دون ثمن.

انبعث منها أنين خافت، وتردد ألم حاد في أطرافها الرقيقة.

توقفت لثوانٍ تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما كانت النجوم تدور أمام عينيها.

"تبًا..."

همست بها دون وعي.

لكنها نهضت مجددًا بإصرار.

وصلت أخيرًا إلى غرفة الطعام، لتدرك أن الوقت لم يكن يسمح بالتردد.

لم تكن هناك مقاعد محجوزة أو حصص مضمونة.

في هذا المكان، كان الحصول على وجبة جيدة مهارة أساسية للبقاء على قيد الحياة.

وقفت أمام المائدة بخبرة غريبة لا تناسب طفلة في مثل عمرها.

ملأت طبقها باللحوم والخضروات بعناية، دون أن تستأثر بأفضل القطع أو تأخذ أكثر من اللازم.

فلفت الانتباه لم يكن أمرًا جيدًا.

كما أن استفزاز الجائعين كان أسوأ.

تحسن لون بشرة تالين قليلًا بعد الطعام.

غسلت يديها بسرعة، ثم توجهت إلى عملها اليومي.

أجل... كان عليها أن تعمل.

توقفت في منتصف الممر تحاول التذكر.

"كانت المكنسة في الرواق الأخير من السكن... صحيح؟"

اتجهت إلى هناك وأخذتها.

بدأت تكنس أوراق الشجر المتناثرة في الساحة الصغيرة أمام المبنى.

كان العمل بطيئًا ومرهقًا. فكلما دفعت المكنسة للأمام، احتاجت إلى لحظة قصيرة لتستعيد أنفاسها. لم يكن جسد طفلة في السادسة قادرًا على مجاراة عقل اعتاد العمل لأيام متواصلة دون راحة.

راقبت الأوراق وهي تتجمع أمامها بصمت.

ولأول مرة منذ استيقاظها، سمحت لنفسها بالتفكير فيما حدث.

لِمَ عدت بالزمن؟

ولِمَ إلى هنا تحديدًا؟

خمسة وعشرون عامًا كاملة إلى الماضي...

خفضت رأسها وحدقت في كفيها الصغيرتين.

"أهي عقوبة؟"

تحركت المكنسة ببطء فوق الأرض الترابية.

"عقوبة

على كل الدماء التي أُريقت للوصول إلى القمة؟"

ضحكت ضحكة قصيرة خاوية.

"أم أن القدر قرر ببساطة أن يعيدني إلى البداية لأعيش كل هذا مجددًا؟"

ــ ــ ـــ ــ ــ ـ ــ ــ ـ ــ

مرت عدة أيام قبل أن تبدأ آثار حادث الشاحنة بالاختفاء من جسد تالين، أو على الأقل ما بدا أنه اختفاء.

في دار الأيتام، كانت هناك تجهيزات جديدة. ملابس أنظف قليلًا، غرف أكثر ترتيبًا، وأطفال يحاولون الظهور بشكل أفضل مما هم عليه عادة.

حتى الشعر لم يسلم من التغيير.

طلبت تالين أن يُقص شعرها الطويل الأشعث.

كان متعبًا، بلا فائدة، ويثقل رأسها أكثر مما يحتمل جسدها الصغير.

لكن المربية لم تسمح بقصه أقصر من مستوى الكتفين.

"هذا يكفي."

انتهى الأمر عند هذا الحد.

---

خارج المبنى، توقفت سيارات سوداء فاخرة عند البوابة.

حراس شخصيون يملؤون المكان، يحيطون بسيارة واحدة أكثر فخامة من البقية.

نزل رجل يبدو أنه ليس من هذا المكان.

استقبلته مديرة الدار بابتسامة واسعة مصطنعة.

قالت بحماس زائد:

"تفضل، تفضل… يمكنك رؤية الأطفال أولًا قبل الحديث عن التبرعات، سيدي جاكسون."

أومأ جاكسون بهدوء.

"أريد رؤية الأطفال أولًا."

اصطف الأطفال في القاعة، وحيّوه بصوت واحد مدرب:

"أهلًا وسهلًا بمتبرعنا… شكرًا لدعمكم… نحن ممتنون!"

لم يعلّق كثيرًا.

فقط أومأ برأسه وقال:

"أطفال جيدون."

كان يحمل سجلات بيده، وعيناه تتحركان ببطء بين الوجوه.

ثم توقف.

هناك طفل ناقص.

رفع نظره قليلًا.

"هناك طفل غير موجود."

تجمدت المربية.

تعرّق ظهرها فورًا.

قبل أن تتكلم المديرة، صرخت المربية بسرعة:

"سأحضرها فورًا، ربما تكون نائمة في غرفتها!"

أشار جاكسون لأحد الحراس بهدوء.

تحرك الحارس خلف المربية دون كلمة.

---

في نهاية الممر، كانت تالين جالسة أمام طاولة صغيرة.

خرز متناثر أمامها، وإبرة في يدها.

كاحلاها مربوطان إلى الطاولة.

وخزت الإبرة يدها أكثر من مرة، لكنها لم تتوقف ولم تمسح الدم.

كانت تعمل بصمت.

ببطء.

بلا أي انفعال.

طفلة بوجه نحيل، وعيون واسعة هادئة بشكل غير طبيعي، وبشرة باهتة لا تحمل أي دفء.

لكن أكثر ما لفت الانتباه…

لم تكن تشبه باقي الأطفال في هذا المكان.

2026/06/24 · 4 مشاهدة · 1050 كلمة
نادي الروايات - 2026