3 - الفصل الثالث: دماءٌ وظلال

بمجرد أن انغلق الباب الثقيل خلف ريتشارد، ثم تبعته إلينور بخطواتها الهادئة لتفقد أحفادها، تلاشت الهالة الخانقة التي كانت تملأ قاعة الطعام، لكن التوتر بقي معلقًا في الهواء كدخان خفي.

من خلف الجدران المبطنة بالخشب العتيق في الجناح الشرقي، تسللت أصوات خافتة لضحكات أطفال ومحادثات هادئة. هناك، في القاعة المجاورة، كان أزواج وزوجات الإخوة الأكبر سنًا، وأطفالهم، يتناولون عشاءهم في طمأنينة تامة. كان ذلك أحد أقدم قوانين ريتشارد كروس وأكثرها صرامة: في مجالس الحرب وأزمات العائلة، لا مكان لأحد سوى حاملي الدماء النقية. لا مصاهرة، ولا أحفاد صغار، بل فقط أولئك الذين يحملون اسم العائلة كعبء لا يمكن الفرار منه.

لذا، كان مارك وكاثرين وجوليان — الذين تجاوزوا منتصف الثلاثينيات وربطوا حياتهم بزيجات سياسية أو استراتيجية — يجلسون هنا، مفصولين عن عائلاتهم الصغيرة بقرار أبوي غير قابل للنقاش. بينما جلس في الجهة المقابلة الثلاثة الأصغر، الذين لم يتجاوزوا الخامسة والثلاثين بعد ولم يقيدوا أنفسهم بالزواج: إيثان المنغمس في آلاته، صوفيا المتعطشة لفوضى التجارب، وليزا... أصغرهم جميعًا.

إن هذا القانون لم يكن نابعًا من شك في كفاءة المصاهرين أو ولائهم الظاهري؛ بل من يقين ريتشارد بأن الولاء المطلق لا يُشترى أو يُكتسب بالزواج، بل يُورث بالدم. فيكتوريا (زوجة مارك) تنتمي لعائلة صغيرة تابعة لفالير، وآرون (زوج كاثرين) لم يثبت بعد في دوائر النخبة. في لحظات الانهيار الكبرى، يرى ريتشارد أن الأفراد لا يحمون سوى دماءهم الأصلية، ولهذا يجب أن تبقى دوائر الأزمة نقية تمامًا.

أمسك مارك بكأس الماء أمامه وارتشف منه ببطء، محاولًا إخفاء ارتباكه.

«ثلاثة أسابيع...» تمتم بصوت خافت. «كيف سأخلق أرقامًا وهمية تقنع وحوش العائلات الأخرى بأن المنطقة الصناعية في أفضل حالاتها؟ إنهم يمتلكون محللين يقرأون الأرقام وكأنها لغة أم.»

مالت صوفيا على الطاولة، وابتسامة ساخرة تلعب على شفتيها.

«تستطيع دائمًا أن تفتعل حريقًا صغيرًا في أحد المخازن القديمة يا مارك. أعلن أن الخسارة ناتجة عن حادث عرضي، واصرف انتباههم عن تراجع الإنتاج الحقيقي. افتعال المشاكل وسيلة جيدة لتشتيت الانتباه.»

تنهد إيثان وهو يمسح نظارته الدقيقة بطرف منديله.

«هذا غباء يا صوفيا. حريق في هذا التوقيت سيبدو كإشارة ضعف، لا كغطاء. سأضطر لتسريب بعض براءات الاختراع القديمة إلى السوق السوداء لرفع سيولتك النقدية مؤقتًا. هذا سيفي بالغرض لحين انتهاء المؤتمر.»

بينما كانوا يتجادلون حول الحلول، كانت ليزا تجلس في سكون تام. ملامحها الشابة والبريئة، التي طالما جعلت الغرباء يظنون أنها الحلقة الأضعف في العائلة، كانت قناعًا مثاليًا. لم تكن مجرد الابنة الصغرى التي تهتم بـ "أرواح الناس" بدافع الشفقة، بل كانت تفعل ذلك لأن الناس هم أسلحتها.

ليزا كروس كانت رئيسة قطاع الاستخبارات والتجسس. بينما كان جوليان يراقب الكاميرات والبيانات الرقمية، كانت ليزا تستمع إلى نبض الشوارع، همسات الخدم في قصور الأعداء، واعترافات الخونة في الغرف المظلمة. معرفتها بقيمة البشر لم تأتِ من فراغ؛ بل لأنها كانت تدفع أجورهم، أو تأمر بتصفيتهم عند الحاجة.

وجه جوليان نظره إليها، وعيناه تضيقان بشك.

«أنتِ صامتة بشكل مريب يا ليزا. أبي أمر بترك الفوضى في العوالم السفلية تتمدد، وأنتِ لم تعترضي. هل كنتِ تعرفين بأمر هذا التمرد قبل أن تلتقطه أجهزتي؟»

توقفت أصابع ليزا عن تمرير حافة السكين الفضية. رفعت عينيها الهادئتين نحو أخيها الأكبر، وتلاشت ملامح الفتاة الشابة ليحل محلها برود مخيف، برود يليق بقائدة أجهزة الظل.

«أجهزتك تلتقط الترددات والتحويلات المالية الرقمية يا جوليان،» قالت ليزا بصوت خفيض، لكنه أجبر الجميع على الصمت والإنصات. «لكنها لا تتبع المعاملات الورقية أو النقدية التي تتم في الخفاء.»

أخرجت من جيب سترتها الأنيقة قطعة معدنية صغيرة، وألقتها على الطاولة الخشبية. تدحرجت القطعة ببطء حتى توقفت في المنتصف. كانت عملة معدنية فضية قديمة، نُقش عليها رمز ذئب يكشر عن أنيابه.

شحب وجه كاثرين بمجرد رؤيتها. «هذا ختم عائلة فالير...»

أومأت ليزا برأسها ببطء.

«بالضبط. رجالي في المنطقة (D) وجدوا هذه العملات تتداول بين أيدي قادة العصابات الصغيرة. التمرد الذي تظنه عشوائيًا يا جوليان، هو تمرد ممول. عائلة فالير تدفع لهم بالعملات القديمة غير القابلة للتتبع الرقمي لاختبار مدى سرعة استجابتنا.»

ليزا كانت تدرك أن هذا الكشف في هذا التوقيت هو ضربة استباقية لقطع طريق الشك على جوليان، مؤكدة تفوق استخباراتها الميدانية التي تعتمد على النبض الحي للشوارع، على استخباراته الرقمية التي تقف عاجزة أمام العملات الصامتة.

حدق مارك في العملة بصدمة. «ولماذا لم تخبري أبي بهذا؟»

«ومن قال لك إنه لا يعلم؟» أجابت ليزا بنبرة خالية من المشاعر. «أبي يعلم أن ضرب هذه العصابات الآن سيخبر عائلة فالير أننا اكتشفنا لعبتهم. نحن بحاجة لأن نجعلهم يظنون أننا عميان، حتى نلتقي بهم في المؤتمر. حينها، سنستخدم هذه الورقة لقطع رقابهم سياسيًا.»

نهضت ليزا من مقعدها ببطء، وسحبت العملة المعدنية من على الطاولة وأعادتها إلى جيبها. مظهرها الهادئ كان يتناقض تمامًا مع حجم الأسرار المميتة التي تحملها في رأسها.

«توقفوا عن التذمر من أوامر أبي وركزوا في مهامكم،» قالت وهي تنظر إليهم بنظرة شملت إخوتها الأكبر والأصغر على حد سواء. «إيثان، جهّز تقنيات التشويش التي طلبناها. كاثرين، أريد قائمة بنقاط ضعف زوجات قادة العائلات الأخرى قبل صباح الغد. ومارك... ابحث عن طريقة لتنظيف فوضى أرقامك، لأنني لن أستطيع تغطية فشلك إذا قرر أحدهم إرسال جاسوس إلى مصانعك.»

استدارت ليزا نحو باب القاعة، وقبل أن تخرج، توقفت ونظرت من فوق كتفها.

«المؤتمر ليس بعد ثلاثة أسابيع. الحرب بدأت بالفعل منذ أيام... وأنتم لم تلاحظوا ذلك إلا الآن.»

فتحت الباب وخرجت، تاركة إخوتها غارقين في صمت جديد. في الرواق، مرت ليزا بالجناح الشرقي، حيث سمعت ضحكات أبناء إخوتها المكتومة. لم تبتسم، ولم تتوقف. كانت تعلم أن حماية تلك الضحكات تتطلب منها أن تغوص في مستنقعات من الدماء والخيانة، وأن تبقي يديها ملطختين في الظلام، لكي تبقى أيدي العائلة نظيفة تحت الأضواء.

بعد أن تلاشت خطوات ليزا في الردهة، ابتلع الصمت القاعة من جديد. كان صمتًا ثقيلًا، محملًا بإدراك متأخر لحجم الخطر الذي يحيط بهم.

جلس إيثان بهدوء، يراقب وجوه إخوته من خلف عدسات نظارته الدقيقة. بالنسبة له، لم تكن عائلة "كروس" سوى آلة عملاقة ومعقدة. والده هو المحرك الأساسي، ليزا هي أجهزة الاستشعار الدقيقة التي تلتقط التهديدات، ومارك وجوليان هما التروس التي تبقي العجلات تدور. أما هو... فكان المهندس الذي يضمن ألا تتحطم هذه الآلة إذا ما اصطدمت بجدار صلب.

مسح مارك وجهه بيديه بتعب واضح، وتمتم: «عائلة فالير... إنهم يختبروننا في أسوأ وقت ممكن. إذا اكتشفوا أننا نقلل العمالة في مصانعنا لتعويض النقص النقدي، سيستخدمون ذلك كدليل على تراجع نفوذنا في المؤتمر.»

عدّل إيثان جلسته، وصوت احتكاك سترته بالمقعد الجلدي بدا مسموعًا بوضوح.

«العمالة البشرية هي الخطأ منذ البداية يا مارك،» قال إيثان بصوت هادئ، لكنه يحمل يقينًا رياضيًا قاطعًا. «البشر يمرضون، يطالبون بالأجور، ويشعرون بالخوف. والأهم من ذلك... يمكن رشوتهم بعملات فضية قديمة في الأزقة المظلمة.»

التفت إليه مارك بحنق مكبوت: «وهل أستبدلهم جميعًا بآلاتك بين ليلة وضحاها؟ هذا سيثير شغبًا واسعًا في المنطقة (C)!»

«ليس بين ليلة وضحاها،» أجاب إيثان وهو ينهض ببطء. «اعطني صلاحية الوصول إلى السيرفرات المركزية للمنطقة (B). سأقوم بإعادة برمجة خوارزميات الإنتاج بحيث تظهر الأرقام وكأن المصانع تعمل بطاقة مئة وعشرين بالمئة. ستكون بيانات وهمية، لكنها مشفرة بطريقة لن يستطيع أفضل محللي عائلة فالير اختراقها قبل انتهاء المؤتمر.»

نظر إليه جوليان بشيء من الاحترام المفاجئ: «تزوير على مستوى البنية التحتية للنظام؟ إذا تم كشفنا...»

قاطعه إيثان وهو يغلق زر سترته ببرود: «لن يتم كشفنا. أنا من صمم البنية التحتية لشبكات نيو-أركاديا. أعرف أبوابها الخلفية أفضل من أولئك الذين يعيشون فيها.»

لم ينتظر إيثان ردًا من إخوته الأكبر سنًا. ترك الطاولة وتوجه نحو الباب الذي خرجت منه ليزا. كان عقله قد غادر قاعة الطعام بالفعل وبدأ ينسج المعادلات وخطوط الأكواد.

في الردهة، مر بالباب المزدوج المؤدي إلى الجناح الشرقي. سمع صوت ضحكة طفولية تخترق الخشب الثقيل؛ كانت لابنة أخيه مارك. توقف للحظة، ونظر إلى الباب بصمت. لم يتزوج إيثان، ولم يكن ينوي ذلك قريبًا. بالنسبة له، المشاعر البشرية كانت متغيرات غير قابلة للتوقع، تعرقل الحسابات وتصنع نقاط ضعف يمكن للأعداء استغلالها. لقد اختار أن يكون بلا أصفاد عاطفية، ليتمكن من حماية أولئك الذين اختاروا أن يحملوها.

واصل سيره، هابطًا عبر السلالم الحلزونية المخفية في الجناح الغربي للقصر. مع كل خطوة، كان الديكور الكلاسيكي والرخام العتيق يتلاشى، ليحل محله معدن صلب وإضاءة بيضاء معقمة. كان الهواء يزداد برودة، ويحمل رائحة مألوفة تريحه: رائحة النحاس المحترق، وزيت المحركات، والأوزون الخفيف.

لكن هذا الهدف، على الرغم من جذوره في هوية العائلة، لم يكن عاطفيًا بالنسبة لإيثان. لقد كان يراه كضرورة فالعالم الجديد محدود بقوانينه الفيزيائية، وهو يفتقر إلى المانا التي كانت جوهر قوة عائلته. بالنسبة لإيثان، العودة إلى فالينتيا كانت عملية استعادة الموارد المفقودة، وليست مجرد حنين للماضي. كان هذا هو المنطق الذي يسمح لها.

وقف أمام باب فولاذي ضخم في الطابق السفلي. التقطت الكاميرا الخفية حركة بؤبؤ عينه، ثم سُمع صوت همهمة إلكترونية قبل أن تنزلق الأبواب ببطء إلى الجانبين، كاشفة عن مملكته الخاصة: "المختبر المركزي".

كان المكان واسعًا كقاعة عرش حديثة، مليئًا بشاشات العرض التي تسبح في الهواء، وطاولات العمل المتناثرة عليها أذرع آلية دقيقة ولوحات دوائر معقدة. في زوايا الغرفة، كانت تقف نماذج أولية لأندرويدات صناعية، معلقة بأسلاك كأنها دمى تنتظر من يبث فيها الحياة.

لكن إيثان لم يهتم بتلك النماذج. سار بخطوات ثابتة نحو نهاية المختبر، حيث تقبع أسطوانة زجاجية ضخمة محاطة بحاجز غير مرئي من الليزر الأزرق.

أدخل سلسلة من الرموز المعقدة على لوحة التحكم، فانطفأ الليزر، وانزلق الزجاج إلى الأسفل بحفيف خافت.

في الداخل، لم يكن هناك أندرويد صناعي، ولا آلة حاسبة عملاقة. كان هناك هيكل معدني يقف بشموخ قاتم. صُنع هيكله الخارجي من سبيكة داكنة تمتص الضوء، وتصميمه لم يكن يشبه البشر تمامًا، بل كان مزيجًا بين تشريح فارس من العصور الغابرة وحيوان مفترس صُنع من التيتانيوم.

وقف إيثان أمام هذا الكيان، وانعكست الإضاءة الخافتة على عدسات نظارته. مد يده ولمس الدرع البارد للهيكل.

كان يعلم تاريخ عائلته. قرأ في المخطوطات القديمة المحفوظة في مكتبة القصر عن ذلك اليوم الذي فقدوا فيه "المانا". عرف أن أجدادهم كانوا فرسانًا يسحقون الجبال بإشارة من أيديهم. لكن السحر مات، والعالم القديم اندثر.

«الجميع يندبون السحر الضائع،» همس إيثان. «لكن العلم سيمنحنا قوة لا تقل عنه أبداً.»

ضغط على زر صغير في مؤخرة عنق الهيكل.

اهتزت الآلة بخفة، ثم أضاءت فجوتان في وجهها المعدني بوميض قرمزي متوهج، يشبه تمامًا لون البلورة السوداء التي دمرت عالمهم القديم. دارت المحركات الدقيقة داخل المفاصل بصوت يشبه تنفس وحش يستيقظ من سبات عميق.

لم يكن هذا المشروع يهدف إلى زيادة الأرباح في المنطقة الصناعية، ولم يكن هدفه تنظيف الشوارع السفلية. هذا المشروع، الذي أطلق عليه إيثان اسم "الرماد الأول"، كان سلاحًا صُنع خصيصًا ليضمن ألا يجرؤ أحد من عائلات المؤتمر الكبير على النظر إلى عائلة كروس بازدراء.

تراجع إيثان خطوة إلى الوراء، وظهرت على شفتيه ابتسامة باردة، خالية من أي توتر. لقد بدأت الحرب بالفعل، كما قالت ليزا، لكن إيثان كان مستعدًا لقلب قواعدها رأسًا على عقب.

2026/05/02 · 1 مشاهدة · 1661 كلمة
Kyro Light
نادي الروايات - 2026