في أعماق ظلامٍ لا يعرف نهاية، تداخلت الأبعاد كما لو كانت لوحات مشوهة، مسارات معلقة في الفراغ، وأطلال شاهقة تلوح كأشباحٍ من حضارات طواها النسيان. المكان يعج بأصداء أصواتٍ غريبة، بعضها يشبه همهمة أثيرٍ بعيد، وبعضها صرخات مكتومة من عوالم لم تولد بعد.

وسط هذا الخراب، ينهض مبنى فريد، نوافذه ليست زجاجًا بل شاشات متغيرة، كل نافذة تعرض مشهدًا من واقع آخر. في إحداها، يظهر جمعٌ من السحرة، وجوههم منهكة كمن خرج للتو من حربٍ أبدية.

قال أحدهم بصوتٍ واهن:

"لقد تمكّنا أخيرًا من ختمه في البعد اللامتناهي... لكن الثمن كان فادحًا. أرواح العشرات من سحرة الأبعاد ضاعت لفتح تلك البوابة، وأرواح أخرى أُزهقت لدفعه داخلها."

يرد شيخٌ ذو لحية فضية، عيناه تحملان مزيجًا من الحزن والصرامة:

"كان لا بد من ذلك. ذلك الكائن تجاوز قوانين هذا العالم... وجوده بحد ذاته تهديد."

لكن صوتًا آخر، مرتجفًا كأنه يمزقه الرعب، قاطعهم:

"كيف يعقل؟! مجرد ساحر نار... مجرد شعلة واهنة، تمكن من القضاء على سحرة البعد الرابع والخامس! على النبلاء، حاملي أسمى الهيئات السحرية... كيف يمكن لكائنٍ وُصف بالضعف أن يبتلع قوى الأبعاد؟!"

سكت الجميع لحظة، قبل أن يتنهد الشيخ ويقول بثقل:

"لا تهلعوا. انتهى الأمر. لقد حُبس في أخطر بقعة بالوجود، ولن يعود أبدًا..."

تبتلع الظلمة المشهد، والعدسة الخيالية تنسحب بعيدًا، بعيدًا عن المبنى آلاف الأمتار، حتى تصل إلى فوهة هائلة تفوق مقاييس الجبال. وفي قاعها، في أغلالٍ متوهجة صنعت من جوهر النجوم الراحلة، يقبع جسد مكبّل.

السلاسل المانعة للسحر تغطيه من الرأس حتى القدم، لكنها لم تحجب بريق عينيه المشتعلتين بالغرور. ثم يخرج صوته، لا يُسمع فقط بالآذان بل يُزرع في العقول، عميقًا كهمس الجحيم:

"".. من يظن أن الأبعاد تستطيع حبسي فهو أحمق. لقد تحدثت... وفُزت. وكل ما فعلوه لم يكن سوى هروبٍ يائس من حتميتي."

تعالت ضحكاته، ضحكات مجنونة ارتدت أصداؤها في الهاوية، حتى بدا أن الفراغ ذاته يرتجف من صداها. ثم خيّم الصمت، لتأتي كلماته الأخيرة كالنبوءة:

"حتى لو مرّ ألف عام... سأظل هنا. أراقب. وأضحك. وأنتظر لحظة عودتي... حينها ستشهدون غضب الموقَّر عازار."

وهكذا، لم يكن السحرة يعلمون أنهم لم ينهوا الشر... بل أيقظوا بدايته.

اهتزت الهاوية…

ومن شقوق جدرانها الهائلة، بدأت الهمسات تتسرب؛ أصوات ليست للبشر ولا للوحوش، بل صدى عوالم منسية. كانت تتسلل كالأفاعي، تلتف حول العقول، وتغرس في الروح رجفة لا تفسير لها.

ارتجّت السلاسل حين تحرك الجسد المكبَّل. ضحكاته كانت قد لوثت الصمت، لكن هذه المرة تبعها طنين غريب… أشبه بخفقان قلب قديم، ينبض في أعماق الفراغ نفسه.

وفوق الهاوية، بعيدًا عن متناول أي ضوء، انشقّ صدع رفيع في السماء المظلمة. كان واهيًا لكنه يلمع بطاقة بُعدٍ غير مختوم. ومن داخله، ظهر ظلّ شاحب، مغطى برداء مهترئ، عيناه تحدقان بخوفٍ لا يوصف.

همس بصوتٍ مرتعش، كأن كل كلمة تنذر بسقوط عقله:

"ما زال حيًّا… الختم ينزف… الهاوية تتذكر…"

في الأسفل، رفع المكبَّل رأسه، لتومض عيناه ببريق غرور قاتل، وصوته يهدر كأنه نقش على الوجود نفسه:

"قيّدوا جسدي بالسلاسل… لكن ضحكتي؟ لن يقيدها شيء. حتى الفراغ نفسه يرددها معي. وحين تنكسر هذه القيود… لن أعود وحدي."

وفي لحظةٍ مرعبة، بدا أن الهاوية ذاتها تضحك، موجاتها السوداء ترتجف، كأن الواقع أصبح مرآةً مشوهة لجنونه.

2025/09/03 · 22 مشاهدة · 490 كلمة
بترجوف
نادي الروايات - 2026