في أعماق غابة موحشة لا ترحم الضعفاء، نُسجت خيوط حكاية الفتى "يوتا". هناك، أمضى سنوات طفولته الست الأولى محاطاً بدفء والديه وسياجهما الحاني. لكن الموت لا يستأذن أحداً؛ فما إن أتمّ عامه العاشر حتى اختطفهما مرضٌ غامض غرس أنيابه في جسديهما، تاركاً الصبي وحيداً يصارع مصيراً محتوماً وسط أشجار عملاقة تحجب ضياء الشمس، وتخفي بين ظلالها أعتى الضواري وأشدّها فتكاً.

تعلّم يوتا باكراً أبجديات النجاة؛ فكان يطلق لساقيه الريح هرباً من الوحوش الكاسرة، بينما يتصيّد المخلوقات الوهنة ليقتات عليها، مستبقياً على رمق الحياة في جسده النحيل.

وفي أحد الأيام، وبينما كان يطأ الأرض بخطوات حذرة متفقداً محيطه المعتاد، قادته خطاه إلى بقعة منسية بدت وكأنها خارج حدود الزمن.

هناك، تعالت شجرة كرز ضخمة تذرف بتلاتها الوردية ببطء مع النسمات العليلة، وتحتها.. أبصر مشهداً جمد الدماء في عروقه.

كانت فتاة مستلقية بلا حراك تحت تلك الظلال.

لم تكن ملامحها من طينة البشر المعتادة، بل بدت كمنحوتة ساحرة من زهور الثلج؛ خصلات شعرها البيضاء ككفنٍ نقي تنساب على العشب، وبشرتها ناصعة البياض تكاد تكون شفافة تعكس الضوء الشاحب، بينما حملت ملامحها الطفولية الهادئة مسحة من وداع الموت، وكأن أنفاسها الأخيرة تتأهب للرحيل.

في تلك اللحظة، تبخر حذر يوتا الأزلي.

اندفع نحوها بنبضات قلب متسارعة تكاد تُسمع، وجثا على ركبتيه بجانب جسدها البارد.

وبأصابع مرتجفة، أخرج ترياقاً عشبياً نادراً كان يدّخره لخطوب الدهر، ثم رفع رأسها برفق وسكب السائل بين شفتيها الذابلتين، مستمعاً بصدر ضيق إلى حشرجة أنفاسها المتقطعة.

ودون تردد، انتشلها بين ذراعيه؛ فكانت خفيفة كالفراشة، باردة كالموت.

أسرع بها صوب كوخه المتواضع، ووسدها سريره الصغير بعناية فائقة، ثم غادر ليصطاد وعيناه ترقبان الأفق بوجل.

وحين عاد مع غسق الرعشة الأولى للمساء، كان الصمت المهيب يلف الكوخ، بينما ظلت الفتاة غارقة في غيبوبة عميقة كأنها نوم أبدي.

ومع انبثاق خيوط الفجر في صباح اليوم التالي...كانت رائحة الحساء الدافئ تتصاعد من الموقد وتتسلل برفق تملأ أرجاء الكوخ الصغير.

في تلك الأثناء، صدرت حركة خفيفة أنقذت الصمت، تلاها أنين خافت انبعث من جهة السرير.

التفت يوتا بلهفة، ليجد أن الفتاة قد شقّت جفنيها؛ وهنا كانت المفاجأة التي حبست أنفاسه.. لم تكن عيناها عاديتين... بل كانت جمرتين من الياقوت القاني، تتلألآن برعب غامض ومبهم شردت نظرات الفتاة... وهي تتأمل السقف الخشبي المتواضع، ثم تمتمت بصوت مبحوح ومرتعش كأوراق الخريف:

"أين أنا الآن؟... هل... هل هذا هو النعيم؟"

لم يملك يوتا نفسه، فارتسمت على محياه ابتسامات دافئة بددت وجوم المكان، وقال بنبرة مطمئنة:

"هههه، لا، اطمئني... هذا ليس النعيم..."

انتفض جسد الفتاة ذعراً كظبي مباغت، وتراجعت إلى الخلف بذعر حتى ارتطم ظهرها بحائط السرير الخشبي. رشقته بنظرة حادة حاولت جاهدة أن تواري خلفها خوفها المتدفق، وقالت بنبرة آمرة:

"من هناك؟! عرّف عن نفسك!"

تراجع يوتا خطوة إلى الوراء متفهماً فزعها، وانحنى بجسده قليلاً واضعاً يده على صدره في إيماءة سلام تبدد أي تهديد، ثم قال بصوت خفيض ومهذب:

"أنا آسف حقاً، هل أخفتُكِ؟ لكن...أليس من آداب اللياقة أن تعرّفي عن نفسكِ أولاً يا آنسة؟..."

هدأت ثائرتها قليلاً أمام وداعته، وأرخت يديها ببطء كمن يستسلم للأمر الواقع، ثم أطرقت بنظرها إلى الأسفل وقالت بنبرة مكسورة:

"أنا آسفة... اسمي... اسمي هو..."

وفجأة انعقد لسانها، واجتاحت وجهها حيرة شديدة خنقت الكلمات في حنجرتها.

سألها يوتا بقلق بدت علاماته على وجهه:

"هل سلبتكِ الجراح ذاكرتكِ؟"

هزت رأسها نفياً، والتقت عيناها الياقوتيتان بعينيه في تحدٍ تشوبه غصة حزن، وقالت بحزم متألم:

"لا... لكني لا أرغب في ذكر اسمي الحقيقي لأسباب تخصني... يمكنك فقط أن تدعوني (إليا)."

ابتسم لها مجدداً بترحيب وقال:

"تشرفت بكِ يا إليا، وأنا أُدعى يوتا. هل لي أن أسألكِ.. ما الذي يلقي بفتاة رقيقة مثلكِ في غابة تعج بالوحوش الفتاكة التي لا ترحم؟"

تصلب جسد إليا فور سماع السؤال وكأن صعقة أصابته، وشبكت أصابعها بقوة تائهة حتى ابيضت مفاصلها، ثم قالت بصوت خافت يعتصره الألم والمرارة:

"لا يمكنني الإجابة عن هذا... لكن، سأمنحك حقيقة واحدة فقط... لقد تعرضتُ للخيانة."

أطرق يوتا برأسه غارقاً في لُجّة التفكير، وحدّث نفسه قائلاً:

(تعرضت للخيانة؟ هل يعقل أنها هربت من مكيدة أو مؤامرة حيكت ضد عائلة نبيلة؟ مظهرها وثيابها الحريرية يشهدان على ذلك).

وفجأة، خيّم صمت ثقيل ومطبق على الغرفة، صمت لم يكسره سوى حفيف الأشجار البعيدة في الخارج. لكن هذا الوقار تبدد سريعاً وبشكل غير متوقع، عندما انبعث صوت "قرقرة" عالٍ ومحرج من معدة إليا الخاوية.

في تلك اللحظة، صبغت حمرة الخجل وجنتيها الناصعتين لتتحولا إلى اللون الوردي الساحر، وحادت بنظرها عنه وهي تحاول يائسة تغطية بطنها بيديها الصغيرتين.

انفجر يوتا ضاحكاً بشكل عفوي ولطيف ليزيح جبل التوتر المتراكم بينهما، ثم استدار نحو الموقد وهو يضحك بخفة.

"دعينا نؤجل الأسئلة الآن... يبدو أن معدتكِ تملك ما تقوله قبل لسانكِ. هيا، فلنتناول الإفطار أولًا، ثم نكمل حديثنا..."

2026/07/23 · 10 مشاهدة · 725 كلمة
نادي الروايات - 2026