الفصل الأول: إختيار الحاكم
كانت الشمس تميل نحو الغروب، تلقي بأشعتها البرتقالية على المباني الإسمنتية التي لم يكتمل بناؤها بعد. امتزجت رائحة الغبار بصوت المطارق، بينما كان العمال يواصلون عملهم تحت حرارة يومٍ شاق.
في زاوية الموقع، كان شاب في السابعة عشرة من عمره يحمل كيسًا ثقيلًا من الإسمنت على كتفيه.
كان اسمه... كايل.
لم يكن الأقوى بين العمال، ولا الأسرع، لكنه كان أكثرهم صبرًا. اعتاد أن يبتلع تعبه بصمت، ويواصل العمل دون شكوى.
مسح العرق عن جبينه، ثم وضع الكيس في مكانه وأطلق زفرة طويلة.
"انتهى هذا أيضًا..."
وقبل أن يلتقط أنفاسه، دوى صوت غاضب في أرجاء الموقع.
"كايل!"
التفت بهدوء، فرأى مشرف البناء يتقدم نحوه بخطوات سريعة، وعلى وجهه علامات الغضب.
قال الرجل بحدة:
"من الذي وضع هذه الأخشاب هنا؟"
نظر كايل إلى المكان الذي أشار إليه، ثم أجاب بهدوء:
"أنا وضعتها في الجهة الغربية كما طلبت، لكن أحد العمال نقلها بعد ذلك."
لم يمنحه المشرف فرصة لإكمال حديثه، بل أمسك بثوبه بعنف وقال:
"دائمًا لديك الأعذار!"
تقدم أحد العمال بخطوات مترددة وقال:
"سيدي... هذه المرة ليس مخطئًا."
لكن المشرف أشار إليه بعصبية.
"التزم الصمت!"
ثم دفع كايل بقوة حتى كاد يسقط أرضًا.
ساد الصمت.
تبادل العمال النظرات، لكن أحدًا لم يتدخل.
أما كايل...
فاكتفى بالنهوض، ونفض الغبار عن ملابسه دون أن ينطق بكلمة.
قال المشرف بازدراء:
"وجودك هنا لم يعد له فائدة."
ثم أشار إلى بوابة الموقع.
"أنت مطرود."
بقي كايل واقفًا للحظات.
لم يغضب.
لم يصرخ.
بل خلع قفازيه بهدوء، ووضعهما فوق كومة من الطوب.
ثم انحنى احترامًا وقال:
"شكرًا لكم... وأرجو لكم التوفيق."
غادر الموقع بخطوات هادئة، بينما ظل العمال ينظرون إليه في صمت.
همس أحدهم:
"إنه مظلوم..."
لكن أحدًا لم يجرؤ على قول ذلك بصوت مرتفع.
---
كان الشارع مزدحمًا بالناس.
الأطفال يركضون خلف كرة صغيرة.
والباعة ينادون على بضائعهم.
والناس يواصلون حياتهم وكأن العالم لا يتوقف لأجل أحد.
أما كايل...
فكان يسير وحده.
أخرج من جيبه بعض العملات القليلة، وعدّها بصمت.
لم تكن تكفي إلا لوجبة بسيطة.
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يعيدها إلى جيبه.
"يبدو أن البحث عن عمل جديد سيبدأ من الغد..."
واصل السير حتى توقف أمام متجر للإلكترونيات.
كانت شاشة كبيرة تعرض مشهدًا من أحد أعمال الفانتازيا.
بطل يحمل سيفًا، يقاتل تنينًا بين الجبال، بينما تحيط به دوائر سحرية تضيء السماء.
ابتسم كايل دون أن يشعر.
لطالما أحب تلك القصص.
عوالم السحر...
والمغامرين...
والتنانين...
والملوك...
ثم تنهد قائلًا في نفسه:
"كم أتمنى أن يكون ذلك حقيقيًا..."
لكن سرعان ما هز رأسه مبتسمًا.
"لا... إنها مجرد خرافات وقصص للترفيه."
ترك الشاشة خلفه، وأكمل طريقه.
لم يكن يعلم...
أن حياته ستتغير بعد دقائق قليلة.
---
مع حلول الليل، أصبحت الشوارع أكثر هدوءًا.
وصل كايل إلى جسر حجري صغير يطل على نهر هادئ.
جلس على حافته، وأخذ يراقب انعكاس القمر فوق الماء.
طال صمته.
ثم قال بصوت خافت:
"لو أُتيحت لي فرصة واحدة فقط..."
"فرصة أبدأ فيها حياتي من جديد..."
"في عالمٍ لا أعرف فيه معنى الإهانة..."
"عالم أعيش فيه كما أريد..."
ابتسم ساخرًا من نفسه.
"حقًا... لقد تأثرت كثيرًا بقصص الإيسيكاي."
وفي اللحظة التالية...
هبّت نسمة باردة.
لكنها لم تكن نسمة عادية.
اختفت أصوات السيارات.
ثم اختفت أصوات الناس.
حتى خرير الماء...
اختفى.
رفع كايل رأسه ببطء.
وعقد حاجبيه.
"ما هذا...؟"
نظر حوله.
كانت المباني...
تتلاشى.
والأشجار...
تتحول إلى ذرات من الضوء.
والسماء...
بدأ لونها يتغير تدريجيًا.
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم أخرى.
اتسعت عيناه.
"ماذا يحدث؟!"
وفجأة...
اختفت الأرض من تحت قدميه.
وسقط في فراغٍ لا نهاية له.
...
استمر السقوط.
لكن الغريب...
أنه لم يشعر بالخوف.
ولا بالبرد.
ولا حتى بالزمن.
ثم...
توقف كل شيء.
فتح عينيه ببطء.
فوجد نفسه يقف فوق أرضية شفافة، تمتد بلا نهاية، بينما تزين السماء آلاف النجوم والمجرات التي تدور في صمتٍ مهيب.
تجمد في مكانه.
وهمس بدهشة:
"أين أنا...؟"
وفي تلك اللحظة...
جاءه صوت هادئ من خلفه.
"مرحبًا بك..."
استدار بسرعة.
فرأى رجلًا يقف على بُعد خطوات قليلة.
كان يرتدي رداءً أبيض بسيطًا، وشعره الأسود الطويل يتحرك مع نسيمٍ لا يُرى.
أما عيناه...
فكانتا تحملان هدوءًا غريبًا، وكأنهما شهدتا ولادة النجوم وأفولها.
ابتلع كايل ريقه، ثم قال بحذر:
"من... أنت؟"
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وقال:
"يمكنك أن تناديني..."
"الحاكم."
أطرق كايل برأسه للحظات، ثم أعاد النظر إلى الرجل الواقف أمامه.
لم يكن يشعر بأي هالة مرعبة، ولا بأي ضغط يخنق أنفاسه كما يحدث في القصص التي اعتاد قراءتها.
بل على العكس...
كان حضور ذلك الرجل باعثًا على الطمأنينة بصورة يصعب تفسيرها.
تقدم كايل خطوة واحدة، ثم قال بتردد:
"الحاكم... ماذا؟"
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وأجاب بصوت هادئ:
"يكفي أن تناديني بالحاكم."
عقد كايل حاجبيه.
"هذا ليس اسمًا."
"أعلم."
"..."
"وهل ستخبرني باسمك الحقيقي؟"
نظر الحاكم إلى السماء المرصعة بالنجوم، ثم قال:
"لقد مر وقت طويل... حتى إنني نسيت ذلك الاسم."
ساد الصمت بينهما.
لم يعرف كايل كيف يرد.
لكنه شعر أن كلمات الرجل لم تكن مزاحًا.
بل حقيقة.
حقيقة تحمل خلفها عمرًا لا يمكن تخيله.
تنحنح كايل وقال:
"حسنًا... إن كنت قد نسيت اسمك، فلا بأس."
ثم نظر حوله في فضول.
"لكن أين أنا؟"
رفع الحاكم يده بهدوء.
وفي اللحظة التالية...
بدأت النجوم تتحرك.
كانت المجرات تدور ببطء، حتى أصبحت تشكل صورة لعالمٍ أخضر، تتوسطه قارات شاسعة وبحار لا نهاية لها.
قال الحاكم:
"ذلك هو العالم الذي ستعيش فيه."
اقترب كايل من الصورة، وانعكس ضوء النجوم في عينيه.
"إنه... جميل."
ابتسم الحاكم.
"لكنه ليس عالمًا مثاليًا."
لوّح بيده مرة أخرى.
فتغيرت الصورة.
ظهرت مدن عظيمة.
ثم غابات كثيفة.
ثم وحوش هائلة.
ثم تنانين تحلق فوق الجبال.
ثم جيوش تتقاتل.
ثم ممالك تنهار.
وأخيرًا...
ساد الظلام.
قال الحاكم بهدوء:
"ذلك العالم يعرف السلام..."
"ويعرف الحرب."
"يعرف الخير..."
"ويعرف الشر."
"ولا يختلف كثيرًا عن عالمك."
خفض كايل رأسه قليلًا.
ثم ابتسم.
"إذن لن أشعر بالغربة."
نظر إليه الحاكم للحظات، ثم قال:
"حتى الآن..."
"أنت أول شخص ينتقل إلى ذلك العالم ويسأل عن العالم نفسه، لا عن القوة التي سيحصل عليها."
ابتسم كايل بخجل.
"القوة مهمة..."
"لكن... إن كان العالم سيئًا فلن تفيدني القوة وحدها."
للمرة الأولى...
ظهرت ابتسامة أوضح على وجه الحاكم.
وقال في نفسه:
"تمامًا كما توقعت..."
ثم رفع إصبعه.
فظهرت أمام كايل كرة صغيرة من الضوء.
"مد يدك."
نفذ كايل الأمر دون تردد.
وما إن لامست يده الضوء...
حتى شعر بدفءٍ غريب يسري في جسده.
اتسعت عيناه.
"ما هذا؟"
أجاب الحاكم:
"إنها مجرد شرارة."
"سترافقك طوال حياتك."
نظر كايل إلى يده.
"وهل ستمنحني قوة خارقة؟"
ضحك الحاكم ضحكة خافتة.
"لو فعلت ذلك..."
"لما احتجت إلى خوض أي رحلة."
ثم أكمل:
"القوة التي لا تُكتسب..."
"تزول بسهولة."
هز كايل رأسه موافقًا.
كانت تلك الكلمات منطقية.
بل منطقية إلى درجة جعلته يطمئن أكثر.
ثم سأل فجأة:
"هل سأحتفظ بذكرياتي؟"
"نعم."
"إذن سأظل أنا."
"بل ستكون نسخة أفضل من نفسك."
ابتسم كايل.
ثم قال مازحًا:
"وهل سأصبح وسيمًا على الأقل؟"
نظر إليه الحاكم للحظة...
ثم قال بجدية تامة:
"هذا يعتمد على والديك."
ساد الصمت.
ثم انفجر كايل ضاحكًا.
"حتى أنت تمزح؟"
أجاب الحاكم بنفس الهدوء:
"لا أمزح."
"..."
"..."
"حسنًا، يبدو أنك تمزح."
لكن ملامح الحاكم لم تتغير.
ظل ينظر إليه بنفس الوجه الهادئ.
فقال كايل وهو يضحك:
"أنت غريب حقًا."
وفي داخله...
شعر براحة لم يشعر بها منذ سنوات.
كأن حديثه مع هذا الرجل يزيل شيئًا من ثقل قلبه.
وبعد لحظات، قال الحاكم:
"لقد حان الوقت."
تلاشت صورة العالم.
وعادت النجوم إلى أماكنها.
ثم بدأ جسد كايل يحيط به نور أبيض ناعم.
شعر أن قدميه لم تعودا تلامسان الأرض.
قال بسرعة:
"انتظر!"
توقف الحاكم.
"هل سأراك مرة أخرى؟"
نظر إليه الحاكم طويلًا.
ثم أجاب:
"عندما يحين الوقت..."
"ستجدني."
ابتسم كايل.
"إذن... إلى اللقاء."
أومأ الحاكم برأسه.
"إلى اللقاء... يا كايل."
بدأ الضوء يزداد سطوعًا.
وفجأة...
اختفى كل شيء.
لكن قبل أن يختفي وعيه تمامًا...
سمع آخر كلمات الحاكم.
"أتمنى..."
"أن تصل إلى النهاية التي عجزتُ أنا عن بلوغها."
ثم...
عمّ الظلام من جديد.
كان كل شيء غارقًا في الظلام.
لم يكن ظلامًا مخيفًا...
بل كان أشبه بالدفء الذي يحيط بالإنسان في ليلة شتوية هادئة.
شعر كايل وكأنه يطفو في بحرٍ ساكن، لا يسمع فيه سوى دقات قلب منتظمة.
دق... دق... دق...
فتح عينيه محاولًا رؤية أي شيء.
لكن الظلام ظل كما هو.
حاول تحريك يده.
إلا أن الحركة كانت محدودة للغاية.
عقد حاجبيه.
"ما هذا الشعور؟"
حاول أن يحرك ساقيه.
فوجد الأمر أكثر صعوبة.
"هل ما زلت في ذلك المكان؟"
رفع يده بصعوبة حتى لامست وجهه.
ثم تجمد.
"هذه... يدي؟"
كانت صغيرة جدًا.
صغيرة إلى درجة أنها لم تكن تشبه يد مراهقٍ في السابعة عشرة، بل يد طفل لم يولد بعد.
ساد الصمت.
ثم اتسعت عيناه فجأة.
"لا... مستحيل."
بدأ يحاول الحركة بعنف.
لكن المساحة الضيقة منعته.
"أأنا... داخل رحم أمي؟!"
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم أطلق تنهيدة طويلة.
"إذن... لقد بدأت حياتي الثانية حقًا."
أغلق عينيه مستسلمًا.
"حسنًا... على الأقل لن أحتاج إلى الذهاب للعمل غدًا."
ابتسم رغم غرابة الموقف.
---
مرت الأيام ببطء.
لم يكن يستطيع رؤية شيء بوضوح، لكنه بدأ يميز الأصوات القادمة من الخارج.
كان أول صوت اعتاد سماعه...
صوت امرأة دافئ، مليء بالحنان.
كانت تغني أحيانًا.
وتقرأ الكتب أحيانًا أخرى.
وفي كل مرة يسمع صوتها...
كان يشعر بالطمأنينة.
"لا بد أنها... أمي."
أما الصوت الآخر...
فكان عميقًا وحازمًا.
لكنه يحمل دفئًا خفيًا.
كان يحدثها عن رحلاته.
وعن تدريباته.
وعن أحلامه لطفله القادم.
"وهذا... أبي."
شعر كايل لأول مرة بشيء لم يعرفه منذ سنوات.
دفء العائلة.
---
في أحد الأيام...
سمع صوت الرجل يقول بحماس:
"إيلينا، هل تعتقدين أنه سيكون ساحرًا مثلك؟"
ضحكت المرأة بلطف.
"ولماذا لا يكون مبارزًا مثلك؟"
رد الرجل بثقة:
"إن أصبح مبارزًا، فسأجعله أعظم فارس في المملكة."
ابتسمت إيلينا.
"وإن أصبح ساحرًا، فسأعلمه كل ما أعرفه."
استمع كايل إلى حديثهما في صمت.
ثم ابتسم.
"ولم يسأل أحدكما رأيي أصلًا."
---
وفي مساء أحد الأيام...
دوّى انفجار خافت في المنزل.
ارتج المكان قليلًا.
انتفض كايل من مكانه.
"ما الذي حدث؟!"
ثم سمع صوت إيلينا بغضب.
"ليونارد!"
رد الرجل بصوت مرتبك:
"لقد كنت أجرب تعويذة صغيرة فقط."
"داخل المنزل؟!"
"كنت أظن أنها ستنجح."
تنهدت إيلينا.
"لقد أحرقت نصف المطبخ."
ساد الصمت.
ثم قال ليونارد بصوت منخفض:
"...ربما بالغت قليلًا."
ابتسم كايل في داخله.
"يبدو أن أبي ليس هادئًا كما تخيلت."
---
مرت الأشهر.
وأصبح كايل يميز خطوات والده.
وضوء الصباح.
وصوت المطر حين يهطل فوق سقف المنزل.
ورغم أنه لم ير شيئًا بعد...
إلا أنه بدأ يشعر بالعالم من حوله.
وكان ذلك كافيًا ليملأ قلبه بالطمأنينة.
---
ثم...
جاء اليوم المنتظر.
استيقظ كايل على اضطرابٍ غريب.
كان المكان يهتز.
وسمع أنفاس والدته المتسارعة.
قالت بصوت متعب:
"ليونارد..."
"لقد حان الوقت."
ساد الصمت للحظة.
ثم جاء صوت والده تبكًا.
"الآن؟!"
"نعم... الآن."
"حسنًا! لا تقلقي! سأتصرف!"
وبعد ثانيتين فقط...
سمع صوت ارتطام قوي.
اصطدم ليونارد بأحد الأبواب من شدة ارتباكه.
ثم صاح من الألم:
"آه... الباب!"
رغم الموقف...
كاد كايل يضحك.
"حقًا؟ أول شيء فعله هو الاصطدام بالباب؟"
سمع إيلينا تقول، رغم ألمها:
"ليونارد..."
"اهدأ أولًا."
رد بسرعة:
"أنا هادئ!"
ثم سقط شيء آخر على الأرض.
فقالت القابلة التي وصلت لتوها:
"أيها البطل العظيم... لو سمحت، ابتعد قليلًا ودعنا نعمل."
ساد صمت قصير.
ثم قال ليونارد بخجل:
"...حسنًا."
ابتسمت القابلة وهي تهز رأسها.
"هزمتَ ملوك الشياطين... لكن يبدو أن ولادة طفلك أصعب عليك."
ومن خارج الغرفة...
سمع كايل والده يتمتم:
"هذا صحيح..."
"حسنًا..."، فكر كايل في نفسه.
"يبدو أن حياتي الجديدة... لن تكون مملة أبدًا."
يتبع...