الفصل الأول
كانت غوين ستايسي تراقب بيتر باركر.
كانت حصة التاريخ مملة للغاية، وعدد الطلاب في الصف قليل، ومعظمهم بالكاد يُصغي إلى المعلم. وكالعادة، جلس بيتر في الزاوية الخلفية من الصف، أكثر الطلاب انزواءً، وأقلهم وجودًا في أنظار الآخرين.
كان يقلب صفحات الكتاب بخبرة، متظاهرًا بالإنصات، لكن غوين رأت بوضوح أن أفكاره لم تكن هناك، وأن عقله سابح في مكانٍ آخر.
تسللت أشعة شمس شتوية دافئة عبر النافذة، غمرت وجهه بضوءٍ ناعمٍ ذهبيٍّ جعل ملامحه تبدو أكثر رقةً وغموضًا. كانت ملامحه جميلة في الحقيقة، شفاهه دائمًا مطبقة في تفكير، وشعره القصير البني المائل للتموج بدا فوضويًا قليلًا، يتمرد في كل اتجاه.
رأت غوين فيه ملامح الرقة والهدوء، وابتسامة دافئة تبعث طمأنينة غريبة، ولم تفهم أبدًا لماذا يتجاهله الجميع وكأنه غير موجود… بل حتى اسمه لا يكاد أحدٌ يتذكره.
ربما لذلك سببٌ خفي.
همّت بأن تتأمله أكثر، لكن بعد ثوانٍ قليلة فقط من مراقبته، التفت بيتر فجأة وكأن إحساسًا خفيًا نبهه، والتقت عيناه بعينيها مباشرة.
ارتجف عقلها للحظة، وتوقف تنفسها، ثم أسرعت بصرف بصرها متظاهرة باللامبالاة.
كان سبب اهتمامها ببيتر باركر بسيطًا وخطيرًا في آنٍ واحد — كانت تظن أنه الرجل المقنّع الذي يجوب نيويورك… سبايدرمان.
هذا الشك لم يأتِ من فراغ، بل من ذكرى باهتة وغامضة تطاردها.
كانت تتذكر بوضوح أنه قبل فترة وجيزة نشرت صحيفة الدايلي بيغل تقريرًا مثيرًا:
زميلها في المدرسة الثانوية، بيتر باركر، هو نفسه البطل الشهير سبايدرمان، وأنه قتل في إنجلترا رجلاً خارقًا من بُعدٍ آخر يُدعى كوينتن بيك (الملقب بـ "ميستريو").
لكن تلك الأخبار اختفت تمامًا بعد ذلك، وكأنها لم تُنشر قط، دون أي أثرٍ على الإنترنت أو في الصحف، وحدها غوين ظلت تتذكرها بوضوح.
شكّت حينها في نفسها، هل كانت تتخيل؟ لكن الذكريات كانت حقيقية جدًا، تتردد في ذهنها كصدى لا يزول.
تذكرت أن الخبر أثار ضجةً عالمية، حيث حاصر الصحفيون والمدونون المدرسة يوميًا، يحاولون الحصول على أي معلومة عن سبايدرمان. ومع الجدل حول اتهامه بقتل ميستريو، انقسم الناس إلى فريقين: مناصرين له، وكارهين ضده. امتلأت الشوارع باللافتات، والمقابلات، والمظاهرات، وعمّ الفوضى في المدرسة إلى درجة أنها اضطرت للذهاب والعودة في سيارة والدها الشرطي لتفادي الخطر.
لكن كما حدث في ذاكرتها — بدأ كل شيء يبهت ويختفي.
الغيم الرمادي تغلّف السماء خارج النافذة، وانطفأت أشعة الشمس الذهبية، وغرقت المدرسة في لونٍ باهتٍ كئيب.
أسندت غوين خدّها إلى يدها، تحدق في كتابها دون أن ترى شيئًا، غارقة في تساؤلاتها حول بيتر.
إن كانت كل تلك الذكريات مجرد وهم… فكم هو واقعي هذا الوهم!
فهي لم تعرف بيتر باركر من قبل على الإطلاق.
تذكّرت حادثة “الاختفاء” قبل خمس سنوات، حين محا كائنٌ يشبه ثمرةً أرجوانية نصف الكائنات الحية من الكون بإشارةٍ من أصابعه. كانت من القلائل الذين نجوا من “الاختفاء”، وعاشت خمس سنواتٍ في عالمٍ ناقصٍ، مليءٍ بالغياب.
ثم عاد أولئك المفقودون بفضل الأبطال الخارقين الذين هزموا ذلك الكائن. لكنهم عادوا تمامًا كما رحلوا، دون أن يشعروا بالسنوات الخمس، بينما استمر الزمن للآخرين.
ومن ملاحظاتها، أيقنت أن بيتر باركر كان أحد أولئك الذين اختفوا في الحدث، لذا توقف نموه خمس سنوات، رغم أنه ما زال يكبرها بعامٍ واحد، وقد اضطر لإعادة السنة الدراسية، ولهذا صار في صفّها الآن.
ومع ذلك، لم يكن بينهما أي معرفة سابقة، ولا سببٌ يجعله يثير خيالها بهذه الطريقة.
تذكّرت أيضًا ما قالته الصحيفة عن صديقة سبايدرمان ميشيل جونز، وصديقه المقرّب نيد ليدز — كلاهما من طلاب السنة الثالثة في مدرسة بيتر نفسها.
لكنها راقبته أيامًا طويلة ولم ترَ أحدًا برفقته. لا فتاة، لا صديق، لا حتى ظِلّ معرفةٍ بشرية حوله.
غوين بدأت تشعر بالجنون.
كل شيء غريب جدًا، متشابك جدًا، كأن العالم كله يخفي شيئًا عنها.
انتهت الحصة، والطلاب خرجوا جماعاتٍ صغيرة، بينما جلست للحظة تستفيق من شرودها، فرأت بيتر يجمع كتبه ويغادر الصف. فحملت حقيبتها ولحقت به بهدوء.
في الممر، كانت شاشات المدرسة تعرض برنامجًا خاصًا بتخرّج طلاب السنة الثالثة، والمذيعة بيتي برانت تتحدث بحماس:
"عندما أسترجع رحلتنا، أشعر وكأنها بدأت بالأمس فقط. يا لها من مغامرةٍ جميلة!"
عرضت الشاشة صورًا ومقاطع مصوّرة لحياة الطلاب وأنشطتهم.
"لقد تعلّمنا، وسافرنا، ووقعنا في الحب، وكدنا نموت أكثر من مرة!" قالت بيتي ضاحكة.
"كوّنا صداقاتٍ لا تُنسى، وغاب منا من غاب خمس سنواتٍ ثم عاد... لكننا تجاوزنا كل شيء. فلنحتفظ بذكرياتنا في مدرسة ميدتاون الثانوية إلى الأبد."
توقّف بيتر فجأة، حدّق في الشاشة بعينين غارقتين في مشاعرٍ يصعب وصفها.
توقفت غوين بدورها، وراقبت بعناية.
لم يكن له أثر في أي من الصور أو المقاطع — لا وجه، لا ظل، لا شيء.
كأنه لم يكن موجودًا قط.
أصبحت شكوكها أقوى من أي وقتٍ مضى. فكيف يُعقل أن يُمحى من كل الصور والذكريات؟!
استعاد خطواته وسار نحو خزائن الكتب، وفتحه ليضع كتبه. تنفست غوين بعمق، وقررت أن تبادر بنفسها.
اقتربت منه بابتسامةٍ مشرقة وقالت:
"هاي."
رفع رأسه بدهشة، رمقها بنظرةٍ سريعة دون أن يجيب.
أعادت بخفة: "هاي؟"
لكن المفاجأة جعلت كتبه تسقط من يديه وتتبعثر على الأرض.
—
صوتها الناعم ظل يرنّ في أذنه.
لم يصدق أنها تقصده حقًا.
حين رفع رأسه، وجد أمامه فتاةً صغيرة القوام، أنيقة، ترتدي معطفًا أخضر فاتحًا وتنورة بنفسجية قصيرة، وشَعرها الأشقر البلاتيني يلمع تحت الضوء.
قالت بابتسامةٍ خفيفة: "هاي؟"
لم يكن يتوهم، كانت تخاطبه فعلًا.
تذكّر فجأة أنها كانت تراقبه في الصف، وازداد ارتباكه. تمتم بتلعثم:
"أه… هاي."
كانت جميلة بشكلٍ مبهر، عيناها الزرقاوان تشعّان بالثقة. لم يفهم لماذا تتحدث إليه تحديدًا. شدّ على حزام حقيبته وقال بتردد:
"أأنتِ… تتحدثين إليّ أنا؟"
ابتسمت بلطف وقالت: "نعم، أنت."
زاد اضطرابه، فتمتم سريعًا:
"أمم… هل هناك… شيء؟ أعني، هل أستطيع مساعدتك بشيء؟"
تبادلت الأنظار حولهما بدهشة، بينما حاولت غوين كتم ضحكتها.
اقتربت منه خطوة، حتى كاد يشعر بأنفاسها تلامس وجهه، مما جعل بعض الطلاب يهمسون بدهشة.
همست قائلة:
"إذا لم تمانع، أريد التحدث معك قليلًا، هناك أمور أود سؤالك عنها."
رمش بيتر بعينيه بتردد، شعر بشيءٍ غريب في قلبه، لكنه لم يقدر أن يرفض فتاةً بهذا الجمال.
قال بخجل:
"حسنًا… عن ماذا؟ أعني، لا بأس."
لاحظت غوين احمرار أذنيه فابتسمت في سرّها، ثم قالت:
"إذًا، بعد المدرسة؟ في المقهى القريب؟"
تجمّد بيتر، وبدت ملامحه حذرة فجأة.
قال بجمود:
"آسف، آنسة… لديّ أمور بعد المدرسة. أعتذر."
تجمدت غوين للحظة، لم تتوقع الرفض. ساد صمت محرج أعقبه همسٌ ساخر من الطلاب حولهما.
ثم ارتفع صوتٌ متغطرس من آخر الممر:
"هاي، يا جميلة!"
التفتت غوين، فرأت يوجين طومبسون، لاعب كرة القدم الثري المتعجرف، يلوّح لها بابتسامةٍ بلهاء.
شق طريقه وسط الحشد وقال بغطرسة:
"اتركي هذا الناظم الحقير، تعالي معي."
ضيّقت غوين عينيها ببرود. كانت تعرف هذا النوع من المتغطرسين — في ذكرياتها المشوشة، كان طومبسون يدّعي أمام الكاميرات أنه صديق سبايدرمان المقرب، لكنه في الحقيقة كان من أكبر المتنمرين على بيتر.
تجاهلته تمامًا، واستدارت إلى بيتر قائلة بابتسامةٍ هادئة:
"لا تقلق، مجرد حديث بسيط، سنلتقي بعد المدرسة في المقهى، حسنًا؟"
لكن بيتر خفّض بصره وقال:
"آسف، لا أستطيع… ربما في وقتٍ آخر."
ثم شق طريقه مبتعدًا.
احتقن وجه طومبسون غضبًا، ولأنه لم يجرؤ على إهانة غوين، صبّ غضبه على بيتر.
اعترض طريقه وقال بتهكم:
"إلى أين أنت ذاهب يا أيها الناظم؟ مستعجل لتعود لمعملك وتخلط اللعاب المغلي بالفقاعات الخضراء؟"
وانفجر الجميع ضحكًا.
عندها، دوّى صوت غوين الرقيق وسط الضجيج:
"اسمه بيتر باركر."
ساد صمتٌ قصير، والتفتت الأنظار إليها، بينما توقّف بيتر في مكانه بدهشةٍ تامة، ونظر إليها وكأنه يسمع اسمه للمرة الأولى منذ زمنٍ بعيد.
قالت غوين بحدة وهي تحدق بطومبسون:
"اسمه بيتر باركر، ليس ناظمًا غبيًا، ولا شخصًا تافهًا كما تقول."
ضحك طومبسون ساخرًا وقال:
"حسنًا، بيتر، بيت، أو أيًا يكن… من يهتم؟ يا جميلة، هؤلاء النُظّار لا يفهمونك، لماذا لا تأتين إلى حفلة عيد الميلاد التي سأقيمها؟ ستكون حفلة سبايدرمان خاصة!"
ارتجف قلب غوين عند سماع اسمه على لسانه — حفلة سبايدرمان؟
لكن في حديثه لم يكن يعرف بيتر على الإطلاق.
لقد نسيه! نسي وجوده كله، ليس فقط هويته كسبايدرمان.
تمامًا كما اختفى بيتر من فيديو التخرّج ومن كل ذكرى.
كأنه مُحي من ذاكرة الجميع.
أحسّت غوين بقشعريرةٍ تسري في جسدها. هذا لم يكن خللًا في ذاكرتها، بل شيءٌ أكبر، سرٌّ غامض مرتبط ببيتر باركر نفسه.
أرادت اللحاق به، لكن طومبسون وقف في طريقها. كتمت رغبتها في تحطيم وجهه، ونظرت إلى ظهر بيتر المبت
عد قائلة بصوتٍ ثابت:
"أنا غوين… غوين ستايسي."
توقّف بيتر لحظة، ثم واصل السير بخطًى أسرع دون أن يلتفت، حتى اختفى من أمام عينيها.
اختفى تمامًا، كما اختفى اسمه من العالم.
---
هنا يمكنك التعليق معجب سبايدر مان وغوين