الفصل الثالث

كانت غوين تمسك كوبًا من الكاكاو الساخن، تتصاعد منه حرارة لاهبة تكاد تحرق يديها، لكنها لم تُعِر ذلك أي اهتمام. كانت تسير بخطى سريعة نحو الجهة المقابلة من الشارع، تحاول اللحاق ببيتر.

في الأيام المثلجة، يحلّ الظلام باكرًا، وقبل حلول وقت العشاء كان الأفق قد امتلأ بعتمة رمادية، وكأن السماء سُكبت فيها طبقة كثيفة من الحبر الأسود، فيما كانت الثلوج تتساقط من أقاصي السماء في صمتٍ متواصل.

الضباب البارد انتشر في الشوارع المزدحمة، والناس يتدافعون كتفًا إلى كتف وهم يعبرون الطريق. سرعان ما تغيّر لون إشارة المرور إلى الأحمر، فتوقفت غوين في مكانها مضطرة، تراقب بعينين قلقتين كيف اختفى بيتر بين الزحام حتى تلاشى تمامًا عن نظرها.

تنهدت بخفة، ووقفت على الرصيف تنتظر بامتثالٍ وصبر.

كانت السيارات تمرّ أمامها كالشهب الخاطفة، والوقت يمضي ثانيةً بعد أخرى، وفجأة، انزلقَت كرة من بين ذراعي صبيّ صغير يقف بجانبها، فتدحرجت إلى منتصف الطريق. هرع الصبي نحوها بخطى متعثّرة، بينما كانت أمه منشغلة بالحديث مع أحدهم، ولم تلحظ ما حدث.

ما إن رأت غوين المشهد حتى مدّت يدها لا إراديًا لتمنع الطفل، لكن الوقت كان قد فات — فقد كان الصبي قد اندفع بالفعل نحو منتصف الطريق.

تعالت أصوات أبواق السيارات فجأة، وعلا صرير الإطارات وهي تحتكّ بالإسفلت، لكن سرعة السيارة لم تتباطأ قيد أنملة.

شقّ هدير المكابح وصفير المنبّه الحادّ الضباب الشتوي الملبّد، بينما كانت الأضواء الساطعة تتوهّج في العتمة.

الصبي أمسك بالكرة، لكن الذعر غلبه، فتعثّر وسقط في وسط الطريق.

وفي اللحظة التالية، كانت السيارة المنطلقة بلا سيطرة تتجه نحوه بسرعة جنونية، تاركةً خلفها آثار احتكاكٍ سوداء على الأرض!

في تلك الثانية، خلتْ ذهن غوين من أي تفكير. تلاشى كل شيء في رأسها، ولم يبقَ سوى الفراغ، فاندفعت دون تردد وسط السيارات، واحتضنت الطفل بين ذراعيها لتقيه الخطر بجسدها.

كانت تنورتها الطويلة وشالها يرفرفان بعنف تحت الريح، وانعكست أضواء المصابيح الزرقاء على خصلات شعرها الأشقر الفاتح، فتألقت كألسنة من الضوء.

كانت تبدو نحيلة وضعيفة، جميلة وهشة كزجاجٍ شفاف، ومع ذلك وقفت بثباتٍ لا يوصف، مصمّمة على حماية الآخر حتى لو كلّفها ذلك حياتها.

“دونغ——!”

دوّى صوت ارتطامٍ قوي، فتجمّد الجميع في أماكنهم، تلتْه صرخاتُ ذهولٍ وارتباكٍ من كل الاتجاهات.

لكن ما صدم الحاضرين حقًا لم يكن جرأة الفتاة وحدها، بل ما حدث تاليًا — مشهد أشبه بمعجزةٍ تناقض قوانين المنطق.

الحادثة المروّعة التي كان الجميع يتوقعها… لم تقع.

فأمام السيارة، كان هناك شابّ يقف شامخًا، يحمي بجسده الفتاة والطفل. لم يُصَب أحد منهم بأذى.

رفعت غوين رأسها ببطء، وفي عينيها مزيج من الدهشة والارتياح.

كانت أمامها ملامح مألوفة، وجه شاحب يتصبّب عرقًا، ونَفَسٌ مضطرب يتصاعد في البرد.

إنه بيتر باركر.

قال بلهجة قلقة وهو يمسك بكتفيها دون أن يدرك:

"هل أنتما بخير؟ هل أُصِبتما؟"

نظرت غوين إليه للحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة بطيئة — دافئة، ومندهشة.

"أنا بخير…" قالت بابتسامةٍ خافتة، ثم أضافت: "هل أنت من أنقذني؟ أنت بخير؟"

بمجرد أن سمع كلماتها، بدا كأن الصدمة تسمره في مكانه. اتسعت عيناه فجأة، ثم ترك كتفيها بسرعة.

صحيح أنه تلقّى ضربة قوية، لكنها لم تؤثر فيه كثيرًا — فجسده المعدّل لم يعد هشًا كما كان.

إنما ما أربكه حقًا هو إدراكه المتأخر لمن أنقذها — كانت تلك الفتاة الشقراء التي تحدثت إليه في المدرسة من قبل.

وصوتها الآن، وهي تسأله بلطفٍ واهتمام، جعله يشعر بالذعر أكثر من أي وقت مضى. نظراتها الزرقاء العميقة اخترقت روحه، كأنها ترى من خلاله كل الأسرار التي يحاول إخفاءها.

والكارثة أنه لم يكن يرتدي بزة "سبايدرمان" هذه المرة — مجرد بيتر العادي — لكن ما فعله للتو أمام أعين الجميع كان كافيًا لإثارة الشكوك.

لو لاحظت غوين أي شيء غير طبيعي، فذلك سيكون كارثة.

قال بسرعة وهو يهزّ رأسه بعصبية:

"لا، لا تقلقي، أنا بخير… بخير تمامًا!"

ابتعد متعمدًا عن نظراتها الفضولية، ووقف ليردّ الطفل إلى والدته، التي كانت تبكي بحرقة وهي تشكره مرارًا.

أجابها بتلعثم وهو يلوّح بيده نافيًا القلق:

"لا داعي، سيدتي، لم يُصَب أحد. أنا فقط... قفزت وتدحرجت بعيدًا عن السيارة، لكن رأسي اصطدم قليلًا بالأرض، لا أكثر."

أخذ يختلق القصة كيفما اتفق، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، حتى أنه أضاف بابتسامة مصطنعة:

"يا إلهي، يا لي من محظوظ!"

صدق الجميع روايته، وبدأ الحشد يتفرق دون أن يشك أحد.

ولم يكد يلتقط أنفاسه، حتى سمع صوتًا رقيقًا من خلفه:

"هل أنت حقًا بخير؟"

استدار، وقال متوترًا:

"لا تقلقي... حسنًا، سأعترف، رأسي يؤلمني قليلًا، لكنني بخير."

ثم التفت، والتقت عيناه بعينيها الزرقاوين الصافيتين — عيناها تشعّان تحت أضواء الشوارع الملونة، وثلوج خفيفة تتساقط من حولها، فتبدو كأنها لوحة تتنفس الحياة.

تحت تلك النظرة، شعر بيتر بأن قلبه يتعثر في إيقاعه المعتاد.

قالت غوين بابتسامةٍ صغيرة تميل للمزاح:

"حسنًا، ما اسمك؟"

توسعت عيناه بدهشة.

"ألا تعرفين اسمي؟"

ضحكت برقة، وأشارت إلى رأسه قائلة:

"طبعًا أعرف. أردت فقط أن أتأكد أنك ما زلت تذكره أنت."

ارتبك للحظة، ثم قال ببطء:

"بيتر… بيتر باركر."

نظرت إليه مطولًا، تمعن في تفاصيله بعينٍ فاحصة وقالت:

"يبدو أنك خرجت من الأمر بلا خدشٍ واحد."

تلك النظرة المريبة جعلت كل حواسه تصرخ بالخطر — كاد “استشعار العنكبوت” داخله أن ينشط.

سعل بخفة محاولًا التماسك وقال:

"ربما… ربما كنت محظوظًا فحسب. قفزت وتفاديت السيارة في اللحظة الأخيرة."

لم تجبه غوين، واكتفت بابتسامةٍ غامضة وهي تنظر إليه، مما زاد توتره حتى خفض رأسه خجلًا.

ثم، فجأة، قالت بصوتٍ دافئ:

"لقد تصرفت بشجاعة… فعلتَ شيئًا رائعًا."

تجمد بيتر للحظة، لا يعرف كيف يرد، فنظرت إليه وهي تميل رأسها قليلًا وأضافت:

"أعني، ما فعلته كان خطرًا جدًا، وربما متهورًا بعض الشيء… لكنه كان مذهلًا."

ارتعشت رموشه بخفة، وشعر بأن نبضه تسارع دون إرادته.

لكن غوين تابعت، هذه المرة بنبرةٍ مشاكسة:

"لقد كنتَ تمامًا مثل بطل خارق."

اقتربت منه بخفة، همست بجانب أذنه بصوت لا يسمعه سواهما:

"خصوصًا… مثل سبايدرمان."

تصلّب وجهه، وتلاشت ابتسامته في الحال.

قال متلعثمًا، وصوته أضعف من المعتاد:

"ربما لأنني… معجب بسبايدرمان؟"

نظرت إليه غوين بنصف ابتسامة، بينما هو يحاول تمالك نفسه بوضوح، فكلما حاول الكذب بدا أكثر توترًا.

كانت تراقب كل تعبير في وجهه — كل لمحة ذعر، كل رعشة صغيرة في صوته — واستمتعت بذلك.

خفضت صوتها أكثر وقالت:

"لا تقل لي أنك أنت سبايدرمان؟"

كأن سطح الجليد تحت قدميه بدأ يتشقق، ارتبك تمامًا، وبدأ يتلعثم:

"ماذا؟! بالطبع لا! أنا؟ سبايدرمان؟! كيف يعقل؟ أنا مجرد طالبٍ عادي، لا شيء أكثر!"

ابتسمت غوين وهي ترى ملامحه المشوشة، وضحكت بخفة، ترفرف خصلات شعرها الذهبي مع حركتها، تضفي على ضحكتها إشراقًا معديًا.

قالت وهي تومئ بمرح:

"اهدأ، كنت أمزح فقط. أنا ببساطة أحب سبايدرمان كثيرًا، لا أكثر. أنت كنت شجاعًا مثله تمامًا، هذا كل شيء."

كلماتها جعلت التوتر يذوب من جسده شيئًا فشيئًا، وابتسم أخيرًا، ابتسامة صادقة هذه المرة.

حقًا، من سيصدق أن هذا الطالب الضعيف الهادئ يمكن أن يكون بطلًا خارقًا؟

حكّ رأسه بخجل وقال:

"أنتِ غوين، صحيح؟"

أجابت بابتسامة خفيفة:

"غوين ستايسي."

شعرت بنشوةٍ صغيرة وهي ترى كيف احمرّ وجهه، وتلألأت عيناه كجروٍ مرتبك — فأثار فيها رغبة طفولية بالعبث به قليلًا.

لا عجب أن طومبسون كان يستمتع بإغاظته دائمًا.

فمن خلال بضع لحظات من الحديث، فهمت غوين أن بيتر من النوع الذي لا يعرف إخفاء مشاعره، بل يمكن بسهولة دفعه للبوح بما في صدره إن عرف المرء كيف يتحدث معه.

وهي بالتأكيد تعرف.

ابتسمت بخبثٍ وسألت:

"هل تحب سبايدرمان؟ يمكننا التحدث عنه كثيرًا إن أردت. أريد أن أعرف المزيد عنه."

لكن بيتر سرعان ما استعاد حذره، وقال بتلعثم:

"أمم… في الحقيقة، يمكنك سؤال يوجين طومبسون، الشاب الذي كلّمك سابقًا ودعاك إلى حفله في عيد الميلاد. إنه من كبار المعجبين بسبايدرمان، وينوي إقامة حفلة بموضوع سبايدرمان."

زمّت غوين شفتيها باستياء وقالت:

"تريدني أن أذهب إلى حفلة طومبسون؟ لا شكرًا، لا أحب التعامل مع المغرورين."

أجابها بيتر مدافعًا بخجل:

"فلاش ليس سيئًا تمامًا… فقط يحاول لفت الانتباه أحيانًا، وإن كانت طريقته… غير لطيفة."

ما لم يدركه بيتر هو أنه كشف للتو أنه يعرف فلاش معرفة شخصية.

ابتسمت غوين بدهاء وقالت:

"إذن، هل ستذهب إلى تلك الحفلة؟"

تلعثم وهو يطرق رأسه سريعًا:

"ماذا؟ لا، بالطبع لا! أعني… لم يدعني أصلًا! أعني… أنا لا أعرفه جيدًا."

كان الثلج ما يزال يتساقط، والريح تمرّ حاملة معها رنين أجراسٍ خافتٍ من بعيد.

خرجت ميشيل وند من المقهى القريب وهما تتبادلان الضحك. لوّحت ميشيل نحو غوين قائلة:

"مرحبًا!"

ردّ بيتر على الفور دون تفكير:

"مرحبًا!"

لكن لم يلتفت إليه أحد.

تجمّد في مكانه.

فقد أدرك في اللحظة التالية أن التحية لم تكن موجهة إليه، بل إلى غوين التي تقف بجانبه — حتى نِد، صديقه الأقرب، لم ينظر نحوه ولو لمحة.

وهنا، أحسّ بيتر بشيء ينهار داخله.

لقد فهم أخيرًا… أن صديقته ميشيل، وصديقه ند — لم يعودا يعرفانه بعد الآن.

لقد أصبحا غريبين تمامًا عنه.

---

الفصل الثالث

---

تعليق لضمان استمرار السلسله

2025/11/06 · 24 مشاهدة · 1356 كلمة
ONE FOR ME
نادي الروايات - 2026