الفصل الخامس

مركز شرطة (نيويورك) هو المكان الأكثر أمانًا… والأخطر في هذه المدينة.

هنا يمكنك أن تشعر بأسمى معاني النظام الأمريكي، وكذلك… بظلمات الجريمة التي تتخفى تحت سطحه.

كانت (غوين) قد تطوّعت اليوم لتوصيل الطعام بنفسها.

وقفت أمام بوابة مركز شرطة (نيويورك)، والقلق يملأ صدرها.

كانت مشاعر التوتر تتكاثر في داخلها، حتى صار ابتسامها يبدو متكلّفًا قليلًا.

لقد جاءت إلى هنا هذه المرة بدافعٍ لا يمكنها الجهر به.

فهدفها لم يعد التسلل للاطلاع على ملفات "حادثة تمثال الحرية"،

بل أصبح الاطلاع على الملفات الخاصة بـ(سبايدرمان)…

مع أنّها فكرت أن الأمر في جوهره لا يختلف كثيرًا.

كانت تعلم أن (جورج) –والدها– قد بدأ غالبًا بإجراءات إصدار مذكرة اعتقال بحق (سبايدرمان).

وإن وصلت الأمور إلى تلك المرحلة، فهي ستبذل ما بوسعها لإقناعه بالتراجع،

رغم يقينها أن القرار ليس بيده وحده، بل بأوامر من السلطات العليا.

تذكّرت فيلم The Matrix، حيث اكتشف البطل (أندرسون) أن العالم الذي يعيش فيه

ما هو إلا عالم افتراضي يُدعى "المصفوفة"،

وأن جسده الحقيقي ليس سوى دماغ في وعاءٍ من السائل المغذّي،

مرتبطٍ بشبكاتٍ من الأسلاك تُغذّي وعيه بحياةٍ مزيفة.

وفي النهاية، أُتيح لـ(أندرسون) أن يختار بين حبتين:

الحمراء تكشف له الحقيقة وتحرّره من الوهم،

أمّا الزرقاء فتبقيه في حياةٍ مريحةٍ لكنها كاذبة.

واختار (أندرسون) الحمراء.

اختار الحقيقة مهما كان الثمن.

ولو اختار الزرقاء، لعاش حياة هادئة، حتى وإن كانت كاذبة،

لكنه ما كان ليصبح "المنقذ"،

ولا كان ليغيّر مصير العالم.

الآن، تشعر (غوين) أنها هي الأخرى مثل (أندرسون).

فالجميع مخدوعون بالحقيقة المزيفة،

وحدها تعرف ما جرى حقًا.

لذلك، عليها أن تفعل كما فعل (أندرسون): أن تختار طريق الحقيقة،

فهي الوحيدة التي لا تزال تتذكر أن (بيتر) هو (سبايدرمان)،

وهي الوحيدة التي تستطيع مساعدته.

حتى في أسوأ الحالات، يمكنها على الأقل معرفة خطة الشرطة لمطاردته،

وبذلك تحذّره لينجو بنفسه.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم دخلت مركز الشرطة.

وقبل أن تصل إلى المكاتب، أوقفها الشرطي (سالي) المناوب.

كان أصلع الرأس تقريبًا، ذا بنية ممتلئة،

وحزام زيه بالكاد يحيط بخصره المنتفخ.

لكنه كان رجلًا طيبًا ذو روحٍ ودودة.

ابتسم وهو يحيّيها بحرارة:

"غوين! يا إلهي، سعيد برؤيتك."

ابتسمت بدورها:

"هاي، (سالي)، مضى وقت طويل!"

شمّ (سالي) رائحة الطعام وقال ضاحكًا:

"يا لها من رائحة شهية! هل أحضرتِ الغداء لـ(جورج)؟"

"بالضبط، فهو لا يتذكّر الأكل إلا إذا ذكّره أحد!"

تفحّصها (سالي) بنظراتٍ جادة وقال:

"اسمعي يا (غوين)، المكان هنا فوضويّ جدًا، وليس آمنًا لفتاة صغيرة.

اتركي الطعام عندي وسأوصله إليه بنفسي لاحقًا."

رفعت (غوين) حاجبيها بخفة وأجابت بخبث:

"آسفة يا (سالي)… لكني لا أثق بك."

ثم خبأت علبة الطعام خلف ظهرها وضحكت:

"سأعطيه إياها بنفسي."

كان معظم رجال الشرطة يعرفونها،

فمركز الشرطة بالنسبة لها أشبه ببيتها الثاني.

لكن بسبب حادثة اختطافٍ تعرّضت لها في طفولتها،

ما زال الجميع قلقين عليها ويمنعونها من التردد كثيرًا على المركز.

في الماضي كانت لتستمع لنصيحتهم وتعود أدراجها،

لكن اليوم… لن تغادر قبل أن تحقق هدفها.

أخرجت لسانها بخفة ثم أفلتت من (سالي)،

تتسلل بسهولة إلى منطقة المكاتب.

ولم يكن (سالي) المسكين قادرًا إلا على التحديق خلفها بدهشة.

كان المركز اليوم يعجّ بالحركة،

الجميع منشغل،

ولا أحد يملك وقتًا لتوبيخ طالبة ثانويةٍ عنيدة.

تنفست (غوين) الصعداء في سرها،

وشكرت الحظ الذي ساعدها.

ثم لمحت شرطيتين معروفتين لديها،

إحداهما ذات شعرٍ أسودٍ قصير هي اليابانية (يوري واتانابي)،

والأخرى ذات شعرٍ أحمرٍ مجعد قصير هي (جين دي وولف).

كلتاهما شرطيتان بارعتان،

وكلتاهما من أعمدة والدها في العمل،

كما أنهما تعاملان (غوين) كأختهما الصغيرة.

نادتهما بابتسامة:

"هاي! (دي وولف) و(واتانابي)! هل والدي في مكتبه؟"

رفعت (جين) رأسها وقالت وهي تبتسم نصف ابتسامة:

"يا فتاة، كم مرة قلت لكِ؟ ناديني (جين) فقط."

ثم تابعت:

"المدير في مكتبه، غارق في الأوراق كعادته."

ضحكت (غوين) بخفة:

"دائمًا هكذا. شكرًا لكما."

ودّعتهما بابتسامة ودخلت مكتب والدها أخيرًا.

كان مكتب (جورج) واسعًا ومنظمًا بدقة،

الملفات الكثيرة مرتبة بعناية تامة،

تمامًا كما هو شخصيًا: منضبط، دقيق، لا يترك شيئًا للصدفة.

كان جالسًا خلف مكتبه،

عابس الجبين، غارقًا في ملفات التحقيق،

حتى أنه لم يلاحظ دخولها.

تسللت (غوين) بخفة،

فتحت علبة الطعام،

ووضعته بهدوء على مكتبه.

ما لبثت رائحة الطعام أن ملأت الجو،

فرفع (جورج) رأسه،

وحين رأى (غوين)، انفرجت أساريره وابتسم.

"غوين الصغيرة، ما كان عليكِ أن تتعبي نفسك بإحضاره."

ثم نهض ليعانقها.

ضحكت وهي تردّ عليه:

"لأنك لولا ذلك كنت ستنسى أن الأكل موجود أصلًا!"

بالنسبة لسكان (نيويورك)، (جورج) هو الشرطي الصارم المسؤول،

أما بالنسبة لها، فهو الأب الحنون.

لو أنه فقط يكفّ عن مناداتها بلقب الطفلة الصغيرة، لكان الأمر مثاليًا.

عاد (جورج) إلى مكتبه،

أزاح الملفات جانبًا،

وأمسك بعلبة الطعام بينما يرمقها مستغربًا لبقائها.

قال بابتسامة قلقة:

"غوين الصغيرة، أنا أقدّر لطفك،

لكن هذا المكان لا يناسبك.

أكيد لديك ما هو أهم من الجلوس في هذا العشّ المليء بالمجرمين."

طبعًا لم تكن (غوين) تنوي المغادرة بهذه السهولة،

فقد توقعت مثل هذا الموقف مسبقًا.

فتحت حقيبتها وأخرجت كتبها الدراسية قائلة:

"أحضرت واجباتي، سواء حللتها هنا أو في أي مكان، النتيجة واحدة."

ثم نظرت إليه بعينين بريئتين،

وقالت بصوتٍ لطيف:

"أحب أن أكون هنا معك يا أبي."

تنهّد (جورج) وهو يرى نظراتها المتوسّلة،

ولم يستطع الرفض.

"حسنًا، كما تشائين."

جلست (غوين) إلى جانبه،

تظاهرت بالانشغال في كتبها،

لكن عينيها كانت تتجولان في المكتب بين الحين والآخر.

الأمور تسير على ما يرام حتى الآن.

قبل أن تحاول إقناعه،

تحتاج أولًا أن تعرف مكان الملفات الخاصة بـ(سبايدرمان).

كان (جورج) معتادًا على ترتيب ملفاته في نهاية كل يوم،

لذلك كل ملفات اليوم، بما فيها المتعلقة بـ(سبايدرمان)،

لا بدّ أنها لا تزال فوق مكتبه.

قلّبت (غوين) صفحات كتابها بخفة،

تنتظر اللحظة المناسبة للتحرّك.

---

في تلك الأثناء،

كان (بيتر) يعود إلى شقته الرخيصة في حي (كوينز)،

يسحب قدميه المنهكتين خلفه.

كانت الشقة صغيرة وبالية،

سرير قديم في الزاوية،

وجدران متشققة باهتة اللون،

تتسرّب منها رياح الشتاء الباردة لتلسع وجهه.

"يا ليومٍ سيئ…" تمتم وهو يرمي رسائل الفواتير على السرير.

لقد فقد وظيفته كموزع بيتزا،

بعد أن تأخر في التسليم لأنه… تصادف أن أوقف عملية سرقة بنك في الطريق.

"فواتير… فواتير… والمزيد من الفواتير… آه، الحياة ليست سهلة أبدًا."

سقط على السرير متعبًا وقال:

"لا بد أن أجد عملًا جديدًا قريبًا."

بعد قليل، نهض وأدار جهاز الراديو العتيق قرب السرير،

ثم دخل المطبخ الصغير ليعدّ لنفسه شطيرة من بقايا الطعام.

لكن كما هي عادته، نجح في حرقها بالكامل.

أكلها رغم ذلك دون تذمّر.

فلم يعد لديه شيء آخر.

كان قد اعتاد هذه الحياة وحيدًا.

فمنذ أن استعان بالدكتور (ستيفن سترينج) ليجعل العالم ينسى هويته،

لم يعد أحد يتذكر من هو.

سُويت أزمته مع كشف هويته،

لكن الثمن كان باهظًا:

انمحت كل علاقاته من الوجود.

لم يعد أحد يتذكر (بيتر باركر)،

فقط بعض البيانات الرسمية الباردة.

لحسن حظه، أن سجله المدني بقي قائمًا وسط فوضى ما بعد "العودة" من حادثة (ثانوس).

اختلاط الملفات الرسمية جعل وجوده لا يثير الشبهات.

لكن ما أزعجه أكثر هو أن جامعة (MIT) رفضت طلبه للالتحاق.

ولم يكن السحر قادرًا على تغيير ذلك.

فاضطر لإعادة سنة دراسية أخرى بانتظار التقديم مجددًا.

بعد وفاة عمته (ماي)، فقد مصدر رزقه الوحيد.

أما الدعم الذي كان يأتيه من (توني ستارك) فقد اختفى بدوره.

حتى الأموال القليلة التي تركتها له (ماي) لا تكفي سوى لتغطية رسوم الجامعة مستقبلاً،

ولذا كان عليه أن يعمل بجد لتأمين معيشته اليومية.

يقضي نهاره في وظائفٍ بسيطةٍ منخفضة الأجر،

ويتحوّل ليلًا إلى البطل المقنّع:

جار (نيويورك) الودود، (سبايدرمان).

كان متعبًا، لكنه لا يتراجع.

فالقوة التي يملكها تعني مسؤولية لا يمكنه التنصّل منها.

أنهى طعامه بسرعة،

ثم جلس قرب النافذة يتأمل المدينة الغارقة تحت الثلوج.

انبعث صوت المذيع من الراديو:

"الساعة الآن الثامنة مساءً بتوقيت نيويورك،

الطقس: غائم مع تساقط ثلوج خفيفة،

وتتوقع الأرصاد موجة بردٍ شديدة هذه الليلة.

نرجو من المواطنين اتخاذ التدابير اللازمة للتدفئة."

اقترب الشتاء أكثر،

وكانت برودة الجو تتسلل إلى عظامه.

نظر إلى البطانيات الرقيقة فوق السرير متسائلًا إن كانت تكفي.

فقدراته الخارقة لم تجعله مقاومًا للبرد.

بل على العكس، كان يكره البرد كثيرًا.

وزيّه لا يمنحه أي دفء.

تذكر بدلة (ستارك) الحديدية المتطورة التي كانت تحتوي على كل شيء،

حتى نظام تدفئة.

أما الآن، فبدلته من صنع يديه، بسيطة، لكنها على الأقل متقنة أكثر من السابق.

ابتسم بأسى وهو يتمتم:

"لا يمكنني الاعتماد على (ستارك) إلى الأبد.

لقد كنت عضوًا في المنتقمين، عليّ أن أتعلم الاعتماد على نفسي."

بدأ يبحث في خزانته،

فوجد بعض الملابس الصوفية القديمة.

ارتداها كلها دفعةً واحدة تحت بدلته،

حتى صار شكله منتفخًا ككرة.

نظر إلى نفسه في المرآة وقال ساخرًا:

"رائع… هكذا أصبحتُ (سبايدر مان البدين)."

تنهد ثم خلعها مجددًا،

واكتفى ببدلته الخفيفة.

"يبدو أن عليّ شراء ملابس حرارية قريبًا…"

ثم تذكّر رصيده البنكي

ونظر إلى أكوام الفواتير على السرير

وقال بيأس:

"لاحقًا… عندما يسمح الوضع."

استلقى منهكًا على سريره،

يتأمل الثلج المتساقط من خلال النافذة.

تسللت ذكرى (ماي) إلى ذهنه.

كانت رائحة الدجاج المشوي في هذا الوقت من العام

تملأ البيت دفئًا وسعادة.

وفكر في (نيد) و(MJ) أيضًا…

لو لم يحدث ما حدث، لكانوا الآن معًا،

يحتفلون بقرب عيد الميلاد.

يعرف أنه هو من اختار الابتعاد عنهم،

هو من قرّر أن يتحمّل كل شيء وحده،

لكنه لم يستطع إيقاف الألم في قلبه.

حاول أن يقنع نفسه بالاستمرار…

أن يعيش…

أن يكون البطل الذي وعد نفسه أن يكونه.

تذكّر رفيقيه من العوالم الموازية،

النسختين الأخريين من (بيتر باركر)

اللذين مرّا بتجارب أشدّ قسوة،

ومع ذلك نهضا من جديد.

ابتسم بخفة وهو يتمتم:

"نعم… القوة العظمى تعني مسؤولية عظيمة."

ثم أحسّ بوخزٍ في قلبه.

تذكّر كلمات أحدهما وهو يتحدث عن الفتاة التي فقدها:

"لقد فقدتُ… فقدتُ (غوين)، كانت هي الـ(MJ) الخاصة بي…

ولم أستطع إنقاذها… ولن أغفر لنفسي أبدًا."

ردّد (بيتر) بصوتٍ خافتٍ كأنه يسمع صدى تلك الذكرى:

"(غوين)… (غوين ستايسي)؟"

---

(انتهى الفصل الخامس)

2025/11/06 · 18 مشاهدة · 1506 كلمة
ONE FOR ME
نادي الروايات - 2026