الفصل السابع
تحركت (غوين) بهدوء دون أن تُظهر أي انفعال، واقتربت بخطوات متزنة نحو المكتب.
وأمام الهدف الذي لم يعد يفصلها عنه سوى بضع خطوات، مدّت يدها ببطء.
كانت قد تسببت بالكثير من المتاعب في مكتب (جورج) من قبل، لكنها لم تسرق منه شيئًا من قبل قط، لذلك لم تستطع إخفاء توترها، وكان قلبها يخفق بقوة لا تُسيطر عليها.
وقبل أن تلمس أمر القبض، رفع (جورج) رأسه فجأة ونظر إليها نظرة خاطفة.
تصلب جسدها على الفور، ثم سارعت بالتقاط ملف آخر من فوق المكتب بسرعة كبيرة.
فـ(جورج) ثعلب عجوز، ولا يمكن خداعه بسهولة. ما لم تكن واثقة تمامًا، فلن تجرؤ على الإقدام على خطوة متهورة.
قررت أن تنتظر قليلاً بعد.
قال (جورج) فجأة بصوتٍ جعلها تكاد تقفز من مكانها:
"يا (غوين)، أليس هذا الرجل العنكبوت من أنقذك ذات مرة؟ لقد مر وقت طويل، ومع كثرة انشغالي في تنظيف فوضى هؤلاء ذوي القدرات الخارقة، كدت أنسى تلك الحادثة."
تألقت عيناها بوميض فرح.
هزت رأسها وقالت:
"نعم، هو أنقذني بالفعل."
ثم ترددت قليلاً، وسألته بصوتٍ خافت:
"أبي، هل تعتقد أن (سبايدرمان) شرير؟ أنا متأكدة أن حادثة هجوم لندن لم تكن بسببه."
توقف (جورج) بضع ثوانٍ، ثم رفع نظره إليها قائلاً:
"ربما، لا يوجد دليل كافٍ بعد يثبت أن الفيديو الذي نشره المدعو (كوينتن بيك) لم يكن مزيفًا. من الممكن جدًا أنه أراد أن يورطه."
وأضاف بعد لحظة من التفكير:
"أنا لم أصدق يومًا قصة الكائن القادم من عالم موازٍ، لا وجود لتلك الأكوان المتعددة، على الأقل شرطة نيويورك لم تتلقَّ أي بلاغ عن زوار من عوالم أخرى."
غمرت السعادة قلب (غوين) في تلك اللحظة.
صحيح أن (جورج) قد يكون صارمًا إلى حدٍّ مزعج أحيانًا، لكنه يمتلك دقة مهنية تُعد من مزاياه النادرة.
غير أن فرحتها لم تدم طويلاً، إذ غيّر (جورج) نبرة صوته فجأة.
"لكن رغم ذلك، فهو لا يزال أحمقًا متهورًا، لديه بعض القوة فظن أنه فوق القانون، فاستغل تكنولوجيا الطائرات بدون طيار التابعة لـ(ستارك إندستريز) لمهاجمة (كوينتن بيك)، وتسبب بموته، وهذه حقيقة."
اختفى الابتسام من وجه (غوين).
كانت تتمنى أن يلين قلب والدها قليلًا تجاه "الرجل العنكبوت" تقديرًا لما فعله من خير، لكن يبدو أنه سيظل يعامل الأمر بصرامة تامة.
قالت محتجة:
"لكنه يريد فقط مساعدة الناس! أنا أؤمن بأنه بطل، كثيرون يرونه كذلك. لقد أنقذني، وشارك في إنقاذ العالم أثناء (حادثة الطمس). لولاه لما عاد أولئك الذين اختفوا… لما عادت أمي!"
تنهد (جورج) وقال بنبرة أهدأ:
"ربما لم يقصد الأذى، لكنه لا يزال يشكل خطرًا. العالم يا عزيزتي ليس أسود وأبيض بهذه البساطة. حان الوقت لأعلمك شيئًا."
ثم تابع بجدية:
"اسمعي يا (غوين)، معظم الناس يخطئون في الحكم، كما يظنون أننا نحن رجال الشرطة مجرد بطون ممتلئة بالكعك نلهو طوال اليوم، وأن أولئك الأبطال الخارقين هم الحماة الحقيقيون لهم. لكن الحقيقة أن العالم كان سينهار منذ زمن لولا وجودنا لحفظ النظام."
قالت بهدوء متردد:
"لكن…"
فقاطعها (جورج):
"القانون والنظام هما ما يحافظان على السلام، وليس الأبطال الخارقون. انظري حولك، بعد رحيل (آيرون مان) و(كابتن أمريكا)، هل انهار العالم؟ لا. لا يزال كل شيء يسير. لكن من دون القانون، سيغدو كل شيء فوضى. ذلك الرجل العنكبوت كان بطلًا، نعم، لكنه تجاوز الخط الأحمر وقتل إنسانًا بيده."
وأضاف بنبرة حازمة:
"تخيلي لو بدأ الناس يتجاوزون القانون بحجة العدالة، كم من الأبرياء سيتأذون؟ وكم من المذنبين سيفلتون؟ واجبنا أن نحمي النظام، فبه نحمي العالم فعلاً."
صمتت (غوين)، وسكنت أنفاسها تدريجيًا.
حقًا، أن تترك مهمة "تحقيق العدالة" للأفراد فقط هو أمر مرعب، فالبشر في النهاية ليسوا ملائكة، ولديهم دائمًا ظلال داخلية مظلمة.
حتى أولئك الأبطال، من يدري إن كانوا سيبقون أنقياء إلى الأبد؟ هل سيظلون متمسكين بخيرهم، أم سيصبحون يوماً خارجين عن القانون؟
خفضت بصرها إلى الملف بين يديها.
كان يوثق جريمة سطو على بنك، دامية بشدة. في الصور، كانت الجثث مبعثرة على الأرض، حناجر مثقوبة، صدور مثقوبة بثقوبٍ متعددة، ووجوه شوهتها الرصاصات حتى لم تعد تُعرف.
كانت الدماء تملأ المكان، والحياة قد فارقتهم.
تساءلت في نفسها:
هل يكفي الحفاظ على "النظام القائم" ليصبح العالم أفضل حقاً؟
قوة البشر محدودة، ولا يمكنهم انتظار رحمة الآلهة.
أما أولئك ذوو القدرات الخارقة، فهم أيضًا بشر، يشعرون بالألم، بالوحدة، بالارتباك.
لكنهم يمتلكون القوة التي قد تجعل العالم أجمل.
وإن لم يستخدم هؤلاء قوتهم لفعل الخير، فمن سيفعل إذًا؟
كانت تريد أن تؤمن بأن (سبايدرمان) سيظل متمسكًا بالخير، وسيواصل القتال ضد ظلام هذا العالم.
على الأقل، لم يصبح كما يصفه (جورج) بعد، أليس كذلك؟
كانت تؤمن أنه سيفعل الصواب، ولن يتغير.
قالت بحماس مكبوت:
"أبي، انظر إلى هذه الجريمة في البنك… كم كانت مروعة! هؤلاء اللصوص لا يرحمون. لو كان هناك بطل مثل (سبايدرمان)، لكان منع وقوع كل هذا."
لم يرد (جورج) هذه المرة، بل بدا وجهه متحفظًا على نحو غريب.
نظر إليها طويلاً، ثم سحب الملف من يدها وقال:
"يا صغيرتي (غوين)، أحتاج أن أبقى وحدي الآن. عودي إلى المنزل، فلديك ما تفعلينه هناك."
تفاجأت (غوين) ببرودة نبرته، وقالت محتجة:
"مهلاً! أنا أحب الدراسة في مركز الشرطة! أريد البقاء هنا أكثر."
لكن (جورج) خالف عادته هذه المرة، ولم يدلّلها كما يفعل دومًا، بل أغلق الباب خلفها وأبقاها خارج المكتب.
شعرت (غوين) بالضيق الشديد.
يا إلهي! ماذا عن ملفات (سبايدرمان)؟!
لم ترضَ بالرحيل، فبقيت في قسم الشرطة تتحدث مع بعض الضباط الذين تعرفهم، تترقب فرصة جديدة.
وبعد وقتٍ قصير، فُتح باب المكتب فجأة، وخرج (جورج) مسرعًا وهو يقول:
"(ديفولف)، (واتانابي)، معي الآن! لدينا تطور جديد في القضية."
لاحظ حينها أن (غوين) لا تزال هناك، فسألها متعجبًا:
"ما زلتِ هنا؟ ألم أقل لكِ أن تعودي للبيت؟"
ابتسمت له بخجل وقالت بهدوء:
"كنت سأغادر حالًا."
قال وهو يرتدي معطفه على عجل:
"سأخرج الآن، أخبري (هيلين) ألا تنتظرني للعشاء."
ثم أضاف محذرًا:
"عودي إلى البيت فورًا."
غادر ومعه معظم الضباط، وكأن القسم قد فرغ فجأة من الحياة.
كانت تلك فرصتها.
ما إن غادر الجميع، حتى تسللت (غوين) بخفة إلى مكتب والدها.
كان المكان صامتًا تمامًا. المكتب نظيف كالعادة، وفنجان قهوة نصف ممتلئ ما زال بخارُه يتصاعد.
نظرت حولها، ولاحظت أن عدد الملفات على المكتب قد قلّ بشكل واضح، بما في ذلك ملف أمر القبض على (سبايدرمان).
عضّت على شفتها وهي تفكر، ثم بدأت تبحث في الأرجاء.
لكنها لم تجد شيئًا.
يبدو أن (جورج) قد شعر بالريبة، فخبأ الملفات المهمة.
ثم لمعت عيناها عندما وقع نظرها على الخزنة الحديدية في الزاوية.
تعرف والدها جيدًا، وتعلم أنه يحب حفظ الملفات الحساسة في الخزنة — ليس فقط أوامر القبض، بل كل ما يخص (سبايدرمان) أيضًا.
والرقم السري؟ … لا شك أنه عيد ميلادها.
سمعت صوت "طقطقة" خفيف، وانفتح الباب المعدني بسلاسة.
زفرت براحة.
بالفعل، كانت الملفات في الداخل. ومن بينها أمر القبض على الرجل العنكبوت.
ابتسمت بانتصار، وسحبت الورقة الثمينة، ثم تابعت تقليب الملفات الأخرى.
لكن قبل أن تنهي بحثها، سمعت خلفها صوت باب يُفتح ببطء، تلاه وقع خطوات ثقيلة.
تجمدت للحظة، ثم التفتت بسرعة.
كان الباب مفتوحًا، وفي الضوء الساطع ظهر ظل شخص عند المدخل — كان (الضابط هويل) ذو النظارة.
تسارعت أنفاسها فورًا.
قال (هويل) وهو يدفع نظارته قليلًا:
"لماذا لم تعودي للبيت بعد، يا (غوين)؟ (جورج) ليس هنا."
أخفت (غوين) الخزنة خلف جسدها بسرعة، وجمعت الأوراق التي بيدها داخل ملف جلدي بني باهت، ثم خبأته في حقيبتها بخفة.
قالت بابتسامة مصطنعة:
"نسيت شيئًا هنا فقط، كنت آخذُه وسأغادر حالًا."
ابتسم (هويل) ابتسامة لطيفة وقال:
"حسنًا، عودي الآن، فالوقت متأخر، كوني حذرة في الطريق."
أومأت برأسها وغادرت المكتب بخطى هادئة، تحاول ألا تُظهر توترها.
نجحت أخيرًا.
حين خرجت، ألقت التحية على الضباط الآخرين بابتسامة طبيعية، ثم انصرفت.
لكنها لم تلاحظ أن (هويل) كان يحدق في ظهرها طويلاً، وملامحه يغشاها ظل غامق، وعيناه تلمعان ببرودٍ غريب.
---
كانت الثلوج تتساقط بخفة، والمدينة تضجّ بأصوات بعيدة، والنيون الملون يلمع في الشوارع كأنه يريد إخفاء كل ما هو مظلم.
غطت الغيوم السماء تدريجيًا، وابتلع الليل كل الأضواء.
كلما ابتعدت (غوين) عن مركز الشرطة، قلّ ضوء الشوارع، حتى غرق الحي في ظلمة شبه تامة.
كان لا يزال هناك بعض المارة، لكن عددهم قليل.
الجو بارد، والرياح رطبة، محملة برائحة الغبار والثلج الخفيف.
هبت ريح قوية أدخلت البرد في عنقها، فشدت ياقة معطفها بإحكام وأسرعت الخطى.
كانت تعلم أنها تحتاج لعبور عدة شوارع قبل أن تصل إلى منزلها، وبعضها لا يتمتع بأمانٍ كبير، ولم تكن ترغب في أن يعترض طريقها أحد السكارى.
لكن قلبها ظل يخفق بقوة كلما تذكرت ما فعلته — لقد سرقت من مكتب أبيها! كادت تُكشف! وكادت تقع في كارثة!
كانت هذه أول مرة في حياتها تقوم بعملٍ "خاطئ"، حتى لو كان من أجل (سبايدرمان).
لقد أخذت كل ما كان على المكتب تقريبًا، ولم تتحقق بعد مما فيه.
ربما حملت ملفات لا علاقة لها بالرجل العنكبوت على الإطلاق، لكنها ستعيدها غدًا بهدوء دون أن يلاحظ أحد.
وبينما كانت غارقة في أفكارها، لم تنتبه إلى الخطر الذي أخذ يقترب منها بصمت.
وعندما تجاوزت عدّة شوارع جانبية، شعرت بشيء غير مريح…
كان هناك — خلفها — سيارة تسير ببطء، تتبعها منذ مدة.
---
نهاية الفصل السابع
---