الفصل الأول: همس الحجر
واشنطن العاصمة، 2023
قبل شروق الشمس بثلاث ساعات، كان الصراع على أشدّه.
في أطراف المدينة، حيث تلتقي آخر الأبنية ببداية الغابة الكثيفة، تشققت الأرض فجأة. من الشقوق خرجت الغوليمور — كائنات حجرية، جُسِدت من صخر الجرانيت الأسود، عيونها تتوهج بلون الكهرمان الباهت في الظلام. كانت تتحرك ببطء لكن بقوة مدمرة، كل خطوة تترك أثراً في التراب.
على الجانب الآخر، وقف أوريون، أحد حُرّاس النور من الغوليمور الذين لم تفسدهم الظلال. كان جسده مصنوعاً من حجر رمادي فاتح يتلألأ كالقمر، وفي عنقه كانت تتدلى أسترالورا — التميمة المقدسة. كانت تشبه قلادة من نجم سائل، تتغير ألوانها بين الأزرق السماوي والأبيض الفضي، وتُصدر همساً خفيفاً كأنها تتنفس.
كان أوريون يعلم أن شروق الشمس يقترب. الغوليمور كلهم، خيراً كانوا أم شراً، يتأثرون بضوء الشمس. لكن خَدم الظلام منهم... هم الذين تحول جسدهم إلى غبار تحت أشعتها الذهبية.
«أعطني أسترالورا، أيها الخائن!» زأر مالاكور، قائد الغوليمور المظلمين. كان جسده من صخر بازلتي خشن، تصاعد منه دخان بارد. تقدم نحو أوريون بسرعة فاجأت كل من رآها.
تراجع أوريون خطوة، واضعاً يده على التميمة. «لن تحرر والدك من عالم الضلال، مالاكور. إبقاؤه هناك كان عقاباً عادلاً.»
ضحك مالاكور ضحكة جعلت الحصى الصغير يرتجف على الأرض. «عادلاً؟ أبي حكم بالعدل ألف عام قبل أن تسرقوا النور لأنفسكم!»
اندلع القتال. كانت ضربات الغوليمور تُسمع كالرعد، والأرض تتشقق تحت أقدامهم. استخدم أوريون قوة أسترالورا ليخلق حاجزاً من الضوء حوله، لكن مالاكور كان أسرع وأكثر غدراً.
فجأة، توقف مالاكور عن الهجوم. نظر أوريون خلفه ليرى فخاً قد أُعدّ: حفرة عميقة امتلأت بمرايا موجهة نحو الشرق.
«لا...» همس أوريون.
قبل أن يتمكن من التحرك، ضربه مالاكور في صدره بقوة هائلة. طار أوريون نحو الحفرة، ساقطاً بين المرايا. في تلك اللحظة، أطل أول شعاع شمس من خلف التلال.
انعكس الضوء من المرايا، وأصاب أوريون مباشرة. تحول جسده الحجري ببطء إلى غبار رمادي، وهو يصرخ بألم لا يُحتمل. لكن قبل أن يختفي تماماً، ألقى بأسترالورا بعيداً عن الحفرة، بكل ما تبقى لديه من قوة.
تدحرجت التميمة بين الحجارة والأعشاب اليابسة.
هرع مالاكور نحوها، ممداً يده البازلتية. لكن فجأة، توقف. كان الضوء يزداد قوة، وشمس الصباح بدأت تصعد ببطء في السماء. شعر بجسده يبدأ بالتشقق.
زمجر بإحباط وهو يتراجع إلى الظل تحت الأشجار. «سأعود في الليل. أسترالورا ستصبح ملكي، وسأحرر أبي من عالم الضلال.»
اختفى بين الغابة، مخلفاً وراءه كومة من الحجارة المتكسرة، وبقعة من الغبار الرمادي حيث كان أوريون ذات لحظة.
---
بعد أربع ساعات...
في الجانب الآخر من واشنطن العاصمة، في منزل صغير قرب نهر بوتوماك، رن المنبه الساعة السادسة صباحاً.
ليام كولمان، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، فتح عينيه ببطء كأي مراهق لا يريد مغادرة سريره. لكن شيئاً ما دفعه اليوم — ربما صوت الرياح، ربما حلم لم يتذكره — ليقف قبل أن يرن المنبه للمرة الثانية.
كان شاباً طويلاً بعض الشيء، بشعر بني فاتح غير مهندم وعيون خضراء كانت دائماً تبدو كأنها تحلم بشيء بعيد. ارتدى سرواله الجينز المفضل وقميصه الرمادي الفضفاض، ثم نزل إلى المطبخ.
تحرك بخفة، كي لا يوقظ والدته. إلينور كولمان كانت امرأة جميلة لكن ملامحها حملت تعب السنين. بعد أن تركهم والد ليام قبل ثلاث سنوات، اضطرت للعمل في وظيفتين لتغطية الإيجار وفواتير المستشفى لجدتها المريضة.
أعد ليام ثلاث حصص من الإفطار: بيض مقلي، خبز محمص، وفواكه مقطعة. وضع حصة في الثلاجة لوالدته التي كانت ستعود متأخرة من نوبتها الليلية في المستشفى، وحصة أخرى غطاها وتركها على الطاولة لصديقه المقرّب إيثان مورales، الذي كان يأتي غالباً قبل المدرسة.
صعد بهدوء إلى غرفة والدته، فتح البصر برفق. كانت إلينور نائمة، وجهها شاحب، أياديها المتعبة فوق الغطاء. اقترب منها ليام، وانحنى ليقبل جبينها برقة.
«بحبك يا أمي،» همس. لم تفتح عينيها لكن طرف شفتيها ارتفع قليلاً في ابتسامة خفيفة.
نزل وخرج من الباب الخلفي حيث أوقف دراجته الهوائية. لكن قبل أن يركبها، لاحظ شيئاً غريباً: سلة المهملات بجانب الباب كانت مفتوحة، رغم أنه أغلقها بإحكام الليلة الماضية.
اقترب بحذر، متوقعاً راكناً أو قطاً ضالاً. فجأة، قفز منه شخص!
«يا إلهي!» صرخ ليام متراجعاً.
كان إيثان يقف مبتسماً، شعره الأسود المجعد في حالة فوضى، وعيناه البنيتان تلمعان بمكر. «صباح الخير!»
«أيها المجنون، لقد كدت تصعقني!» ضرب ليام كتف صديقه. «ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟ لم نتفق على الموعد.»
تثاءب إيثان. «لم أنم البارحة. لعبتُ على الكونسول حتى الخامسة فجراً، ثم قررت أن المجيء إلى هنا أفضل من سماع محاضرات أمي.»
هز ليام رأسه مبتسماً. «حسناً، هناك إفطار لك على الطاولة.»
«أعلم، شممته من خارج الباب.»
ركبا دراجتيهما وانطلقا في شوارع العاصمة المبكرة. كان الجو بارداً والسماء صافية، والشمس بدأت ترتفع ببطء خلف نصب واشنطن التذكاري في الأفق.
اتبعا الطريق السريع الصغير المخصص للدراجات الذي يمتد على طول نهر بوتوماك، مارين بجوار الأشجار الكثيفة حيث تلتقي المدينة بالطبيعة. كانت الحركة خفيفة في هذا الوقت من الصباح، فقط بعض العدائين وأصحاب الكلاب.
أثناء مرورهما بقرب منطقة منعزلة، لاحظ ليام شيئاً غريباً. الأرض هناك كانت... مختلفة. مشوهة. كما لو أن أحداً حفرها بعنف، ثم أعاد ملأها على عجل. كان هناك كومة من الحجارة المبعثرة، بعضها كان غريباً — رمادي غامق وأسود، وليس مثل الصخور العادية في المنطقة.
لكن إيثان كان مشغولاً بالحديث عن لعبة جديدة، فلم ينتبه ليام كثيراً.
عند حافة الكومة، بين شقين من الصخر البازلتي، كانت هناك قطعة من حجر غريب. لم يرها ليام في البداية، لكنه سمعها.
همساً.
خفيفاً كنسيم الصباح.
«ليام...»
توقف فجأة. نزل عن دراجته، محدقاً نحو الكومة.
«ما بك؟» سأل إيثان متوقفاً أيضاً.
«هل سمعت شيئاً؟»
«مثل ماذا؟»
لم يرد ليام. مشى ببطء نحو الكومة، ومد يده بين الحجارة. لمست أصابعه شيئاً بارداً، ناعماً كالحرير لكن صلباً كالحديد. أخرج الشيء إلى الضوء.
كانت أسترالورا.
لمعت للحظة، متغيرة اللون من الأزرق السماوي إلى الفضي، ثم إلى لون العسل تحت أشعة الشمس الصباحية. كانت تشبه قلادة على شكل دمعة نجمية، بداخلها نقطة ضوء تتحرك كأنها حية.
«يا للروعة...» همس إيثان، عيناه مفتوحتان على وسعهما.
تأمل ليام التميمة. في داخله، جزء منه كأي مراهق عادي قال: «ربما شيء ثمين، ربما أستطيع بيعه وسداد ديون أمي.»
لكن جزءاً آخر، أعمق، شعر بأن هذا الشيء ليس عادياً. شعر بأنه يخصه بطريقة ما.
التميمة همست مجدداً، بصوت لا يسمعه إيثان:
«ليام... لقد حان الوقت.»
أسرع ووضعها في جيبه الخلفي قبل أن يراها إيثان أكثر. «قطعة زجاج ملونة،» قال محاولاً إخفاء لهجته المرتعشة. «لا شيء مهم. دعنا نذهب، سنتأخر عن المدرسة.»
وهكذا ركبا دراجتيهما مجدداً، تاركين خلفهما كومة الحجارة، والغبار الرمادي، وانتظار مالاكور تحت ظلال الغابة للّيل.
لم يعلم ليام بعد أن حياته التي كانت عادية تماماً، كانت على وشك الانهيار.
أو ربما... كانت على وشك البدء.
نهاية