الفصل ثاني:قبل أن اتغير
واشنطن العاصمة، 2023
دخل ليام وإيثان إلى مدرسة ويست إند الثانوية قبل دقائق من انطلاق الجرس الأول. كان المبنى الضخم المصنوع من الطوب الأحمر يقف شامخاً في شارع M، وأعلام الولايات المتحدة ترفرف أمام مدخله الرئيسي.
انفصل الصديقان عند السلالم: إيثان اتجه نحو مختبر العلوم، وليام نحو قاعة التاريخ في الطابق الثاني.
دخل ليام الصف متأخراً بدقائق، جاذباً أنظار زملائه. حاول أن يتسلل بهدوء إلى مقعده في الصف الخلفي، لكن عيون الأستاذ جيمس هاريسون تتبعه.
«سيد كولمان، كم يسعدني انضمامك إلينا اليوم،» قال الأستاذ بتهكم خفيف. كان في الرابعة والأربعين من عمره، شعر بني يخالطه الشيب، ونظارات دائرية تجعله يبدو كأستاذ جامعي أكثر من كونه مدرس ثانوي. كان معروفاً بأنه صارم لكن عادل، وأحياناً... حكيم جداً.
همهم ليام باعتذار وجلس، وهو يضع حقيبته بجانبه. داخل الحقيبة، في جيب سري، كانت أسترالورا ترتعش بخفة، كما لو كانت تشعر بكل شيء من حولها.
على بعد صفين منه، جلست سيرينا فوستر.
كانت تجلس كعادتها، شعرها الأسود الطويل منسدلاً على كتفيها، وعيناها العسليتان مركزتان على السبورة بجدية. كانت ترتدي سترة جلدية سوداء فوق قميص رمادي، وقلادة فضية صغيرة على شكل نجمة. كانت ترسم في دفترها الصغير بين الحين والآخر، ربما رسوماً، ربما كلمات.
كان ليام يعجب بها منذ السنة الماضية. لم يخبر أحداً بهذا الأمر — ليس إيثان، ولا أمه، ولا حتى نفسه بالكامل. كانت مجرد نظرات خاطفة، ومشاعر خفيفة كان يخفيها خلف ملامحه الهادئة.
تنهد إيثان الذي كان يجلس بجانبه، ملاحظاً اتجاه نظرة ليام. همس بصوت منخفض كي لا يسمعه الأستاذ هاريسون:
«مستحيل... لكن محاولة... جيدة؟»
رد ليام بدفع كوع صديقه بلطف، محاولاً تجاهل احمرار خديه.
على السبورة البيضاء، كتب الأستاذ هاريسون عنوان الدرس: "الحروب الصليبية: تقاطع دين وسياسة". بدأ يشرح بأسلوبه الرتيب المعتاد، متتبعاً التواريخ والأحداث كقائمة مشتريات.
كانت أصوات الطباشير الجافة والشرح المتواصل تختلط بضوضاء صفية خفيفة. الطلاب ينظرون إلى هواتفهم خلسة، أو يهمسون لبعضهم، أو يحلمون في الفضاء.
ليام كان من هؤلاء. لكنه لم يكن يحلم في الفضاء تماماً... كانت عيناه تتجهان تلقائياً نحو سيرينا كل بضع ثوانٍ. كانت ترفع يدها أحياناً لتسأل سؤالاً ذكياً، وصوتها كان يشبه موسيقى هادئة.
«سيد كولمان.»
نطق الأستاذ هاريسون اسمه فجأة.
ارتجف ليام. رفع رأسه ليجد عيني الأستاذ تنظران إليه من خلف النظارات الدائرية.
«سؤال بسيط،» قال هاريسون مبتسماً ابتسامة لم تكن طيبة بالكامل. «ما هو الحدث الذي يُعتبر غالباً بداية الحروب الصليبية؟»
توقف الزمن في دماغ ليام. كان يعرف الإجابة... في مكان ما. درسها البارحة... تقريباً. لكن تحت ضغط عيون زملائه، وعيون سيرينا تحديداً، كل شيء تلاشى.
فتح فمه ليخرج صوتاً لا يشبه كلمة.
ثم...
دق الجرس.
انفرجت ملامح ليام. تنفس الصعداء بينما بدأ الجميع يغلقون دفاترهم ويحزمون حقائبهم.
«أجيبك غداً يا سيد هاريسون،» قال ليام بسرعة وهو يقف.
نظر إليه الأستاذ هاريسون لفترة أطول قليلاً من اللازم. «أنا أعول على ذلك، كولمان.»
خرج الطلاب واحداً تلو الآخر، ضجيج الممرات يملأ المكان. إيثان صفع كتف ليام ضاحكاً. «لحظة نجاة من الرحمٰن، يا صاح!»
«أخرس،» تمتم ليام وهو يضحك أيضاً.
لكن عندما هم بالخروج، سمع صوته:
«ليام، تفضل بالبقاء لدقيقة.»
توقف. نظر إلى إيثان الذي أشار بأنه سينتظر بالخارج، ثم عاد ليام إلى مقعده بينما أغلق هاريسون الباب جزئياً.
جلس الأستاذ على حافة طاولته، ممسكاً بقلمه الأحمر. نظر إلى ليام نظرة لم تكن غاضبة ولا ساخرة، بل كانت... دافئة تقريباً.
«عندما كنت في عمرك،» بدأ هاريسون، وهو يلاعب القلم بين أصابعه، «كانت هناك فتاة. شعرها أشقر طويل، وعيناها زرقاوان كالبحر في الصور. كنت أرسم اسمها على دفاتري. كنت أتأخر عن الفصل لمجرد أن أسير في نفس الممر الذي تسير فيه.»
صمت للحظة. ليام لم ينبس ببنت شفة.
«في أحد الأيام، استجمعت شجاعتي وتحدثت إليها. كنت أتلعثم، كنت متوتراً، قلت لها إن شعاع الشمس ينعكس على شعرها بشكل جميل — وكانت سحابة تغطي الشمس في تلك اللحظة بالذات.»
ضحك هاريسون بهدوء.
«لكنها ابتسمت. وتحدثنا. ولم نمتّ بصلة أبداً، لكني حاولت. وتعلمت شيئاً: الرفض ليس أسوأ من الندم.»
وقف هاريسون وفتح الباب على مصراعيه. نظر إلى ليام بابتسامة.
«يجب أن تحاول. حتى مع بعض التوتر. خاصة مع بعض التوتر.»
خرج ليام من الصف وهو يشعر بشيء غريب. ليس فقط كلمات الأستاذ، بل شعور بأن التميمة في حقيبته ترتجف وكأنها تصفق.
إيثان كان ينتظره خارج الباب، لكنه كان ينظر إلى هاتفه بقلق.
«أخي، لا أستطيع المرافقة اليوم،» قال إيثان دون مقدمات. «أمي أرسلت لي عشر رسائل. موعد طبيب الأسنان بعد ساعة، وهي ستقتلني إذا تأخرت. التقويم هذا يلاحقني منذ عشر سنوات يا رجل.»
ربت ليام على كتفه. «مو كلنا أحرار مثلك،» قال مازحاً.
ضحك إيثان. «غداً أدفع لك فطوراً. واجب.»
انصرف الصديقان عند باب المدرسة الرئيسي: إيثان ركب دراجته باتجاه الشمال حيث عيادة تقويم الأسنان، وليام اتجه جنوباً نحو نهر بوتوماك.
«راجع بالسلامة يا بطل،» صاح إيثان وهو يبتعد.
لم يكن ليام يعلم بعد أنه سيكون وحيداً تماماً عندما يحدث ما سيحدث.
---
العودة إلى المنزل كانت على الدراجة الهوائية وحدها. الطريق على طول نهر بوتوماك كان هادئاً في هذا الوقت من بعد الظهر. أشعة الشمس الذهبية تنعكس على سطح الماء، ونسيم خفيف يحرك أوراق الأشجار.
مر ليام بنفس المكان الذي وجد فيه التميمة صباحاً. كومة الحجارة كانت لا تزال هناك. توقف لثانية، محدقاً فيها. شعر برغبة غريبة في الاقتراب، في البحث عن المزيد، لكن شيئاً ما في أعماقه قال له: «ليس الآن.»
تابع طريقه.
عندما وصل إلى المنزل، كان البيت فارغاً تماماً. رسالة صغيرة من أمه على طاولة المطبخ:
*«ليام حبيبي، نوبتي الليلية امتدت، لن أعود قبل منتصف الليل. هناك نقانق في الثلاجة وخبز في الدولاب. أحبك.
· أمي»*
تنهد ليام. أعد لنفسه ساندويشاً بسرعة، وأكل وهو واقف أمام الثلاجة، يفكر في تميمة غريبة، وكلمات نارية، وعيون أستاذ حكيمة، وفتاة جميلة لا تجرؤ على التحدث إليها.
ثم جلس على الأريكة، وفتح التلفاز.
قناة إخبارية تتحدث عن ارتفاع الأسعار. قناة رياضية تعيد مباراة قديمة. قناة أفلام تعرض فيلماً عن فرسان في العصور الوسطى — فرسان يركبون خيولهم نحو المعركة، سيوفهم تلمع تحت الشمس، ودروعهم تعكس النور.
كان ليام شبه نائم على الأريكة. عيناه تثقلان، والتلفاز يتحول إلى ضجيج خلفي في رأسه. كان في تلك المنطقة الرمادية بين اليقظة والنوم، حيث الأحلام تبدأ في التسلل.
ثم حدث الأمر.
أسترالورا توهّجت فجأة.
كان التوهج قوياً لدرجة أن ليام قفز من مكانه كما لو أن أحداً صعقه بالكهرباء. التميمة كانت في حقيبته على الأرض بجانبه، لكن الضوء اخترق القماش كما لو كان زجاجاً شفافاً.
ترامى إلى السمع هرولة الكلاب تنبح في الحي.
ركع ليام على الأرض، فتح الحقيبة بأيد مرتجفة. أخرج التميمة.
كانت تتوهج بقوة. وفي قلب ذلك التوهج، رأى حروفاً تتشكل في الهواء، كلمات من نار سائلة تتلوى أمام عينيه:
«مِثلَ أَجَلٍ مَجدٍ... نُورُ الشَّمسِ مِلكٌ لِي... وَبِهِ أَقتُلُهُم...»
انتفض ليام. لم تكن تلك الكلمات مفهومة بالكامل، لكنها حملت وقعاً ثقيلاً كالرعد. شعر بالتميمة تسخن في يده، تكاد تحرق جلده، لكنه لم يستطع إفلاتها. كانت تلتصق بكفه كما لو كانت جزءاً منه.
خرج مسرعاً من المنزل، تاركاً التلفاز يعرض وحده فيلم الفرسان القديم. باب المنزل slam خلفه.
قفز إلى الحديقة الخلفية الصغيرة. القمر كان مرتفعاً في السماء، والنجوم تتلألأ كأنها تراقبه. وقف في العشب، وهو يمسك التميمة بكلتا يديه، والشعر على ذراعيه قد وقف.
كان وحيداً. تماماً.
«ماذا تريدين مني؟!» صرخ بها، صوته يكاد ينكسر بين الخوف والفضول.
وكأنها انتظرت السؤال.
بدأت أسترالورا تطلق ضوءاً أزرق ساطعاً، أشد إشراقاً من أي شيء رآه في حياته. الضوء كان حاراً وبارداً في نفس الوقت. أحاط به كشرنقة عملاقة، وشعر بجاذبية غريبة تجذب كل ذرة في جسده نحو الأسفل، كما لو أن الأرض نفسها تريد ابتلاعه.
ثم... في جزء من الثانية...
انفجر الضوء.
عندما فتح ليام عينيه، كان واقفاً في مكانه. لكنه كان مختلفاً.
درع من نور أزرق يغطي جسده — خفيف كالريشة لكنه صلب كالماس. أشكال هندسية غريبة مرسومة على الصدر، وكأنها لغة لم يُخلق لها بشر. خطوط من الضوء تجري على ذراعيه وساقيه كالأوردة، تنبض بإيقاع يشبه نبض القلب.
وفي يده اليمنى، تشكل سيف من نفس المادة.
كان ثقيلاً في البداية. شعر ليام بعضلات ذراعه ترتجف تحت الوزن، وكاد يسقطه. لكن خلال ثوانٍ معدودة، تغير السيف — أصبح أخف، أقصر قليلاً، قبضته أصبحت أنعم، مقبضه تكيف مع شكل أصابعه تماماً. تكيف مع يده كما لو كان مصنوعاً له وحده، كما لو كان ينتظره منذ آلاف السنين.
نظر ليام إلى يديه. إلى الدرع. إلى السيف.
رفع عينيه إلى السماء. القمر كان لا يزال هناك، لكن الضوء الأزرق المنبعث من درعه كان يضيء الحديقة بأكملها.
«ما هذا بحق الجحيم...» همس.
التفت حوله. الحي كان هادئاً. لم يره أحد. لا أمه في المنزل، لا إيثان الذي هو عند طبيب الأسنان يزيل تقويماً عمره عشر سنوات، لا أحد.
كان وحيداً تماماً.
ركض إلى داخل المنزل. التلفاز كان لا يزال يعرض الفرسان. كانت مشهداً سخيفاً بالمقارنة مع ما يرتديه الآن.
أطفأ التلفاز بريموت متعب.
نظر إلى السيف مجدداً. ثم إلى باب المنزل المغلق.
جلس على الأرض، وظهره مستند إلى الأريكة. أزال الخوذة — أو ما يشبه الخوذة — عن رأسه، ووضع السيف بجانبه على الأرض. كان لا يزال حقيقياً. لا يزال هناك.
أخرج هاتفه من جيبه. كان هناك رسالة من إيثان: «خلصت؟ عندك بيت؟»
نظر ليام إلى الرسالة طويلاً. ثم إلى السيف. ثم إلى الدرع الذي لا يزال يغطي جسده.
ماذا سيكتب؟ «مرحباً إيثان، أنا الآن فارس نور أزرق ولدي سيف سحري، كيف كانت أسنانك؟»
أغلَق الهاتف وضعه بجانبه.
جلس هناك، في غرفة معيشة منزله، وحيداً تماماً، لا يفهم شيئاً عما حدث له.
فوق صدره، أسترالورا كانت لا تزال تتوهج بخفة منتظمة، كقلب ينبض ببطء.
وفي مكان ما، بعيداً، تحت أضواء عيادة الأسنان البيضاء، كان إيثان يبتسم بفمه المليء بالمرايا المعدنية، وهو يلتقط صورة سيلفي لآخر يوم له مع التقويم.
لم يكن يعلم بعد أن حياة صديقه لن تعود كما كانت أبداً.
نهاية