الفصل الثالث: الضيف في القبو
واشنطن العاصمة، 2023
جلس ليام على أرضية غرفة المعيشة، ظهره مستند إلى الأريكة، الدرع الأزرق لا يزال يغطي جسده، السيف ممدد بجانبه على السجادة. نظر إلى هاتفه مجدداً.
رسالة إيثان: «خلصت؟ عندك بيت؟»
كانت مرت خمس دقائق فقط منذ أن انتهى التحول. خمس دقائق فقط منذ أن أصبح... ماذا؟ فارساً؟ ساحراً؟ مجنوناً؟
ضغط على اسم إيثان ورفع الهاتف إلى أذنه.
رن الهاتف مرة. مرتين. ثلاثاً.
«آلو؟» صوت إيثان كان مكتوماً، كأن أحداً يضع أصابعه في فمه.
«إيثان، أنا بحاجة إليك. الآن.»
«ليام؟ أنا في عيادة الأسنان يا رجل. الدكتور لطيف بيخلع التقويم...»
«كم سيبقى؟»
توقف إيثان للحظة. سمع ليام همهمات بعيدة، ثم عاد إيثان:
«خمس ساعات.»
صمت ليام. خمس ساعات؟ نظر إلى السيف بجانبه. إلى الدرع على جسده. خمس ساعات كاملة.
«خمس ساعات؟!» صرخ تقريباً.
«أسمعني يا صاح،» بدأ إيثان يعد بأصابعه، رغم أن ليام لم يكن يراه. «أولاً: التقويم هذا ركبته وأنا بعمر ست سنوات. سِتٌّ سَنَوات يا ليام! دكتورتي السابقة ربطته بطريقة خاطئة والأسنان تشابكت. ثانياً: الدكتور الحالي عنده مريض طارئ بعده — وحدة سقطت من درج وخلعت سنين من ضحكة. ثالثاً: أمي حجزت عند أخصائي تجميل أسنان بعد الجلسة لأن أسناني حتكون حساسة. رابعاً: العيادة في فرجينيا مش في واشنطن. خامساً...»
«كفى، كفى،» قطع ليام، وهو يفرك جبهته بيده الحرة. «خمس ساعات. تمام. تعال بعدها مباشرة.»
«وعد،» قال إيثان. ثم أضاف بصوت أقل حماساً: «ليام... أنت بخير؟ صوتك غريب.»
«أنا... بخير. بس تعال بسرعة.»
أغلق الخط.
نظر ليام إلى السيف مجدداً. خمس ساعات. كان بإمكانه أن يفعل شيئاً ما في هذه الساعات. لكن ماذا؟ لا يعرف كيف يعود الدرع إلى مكانه، ولا كيف يختفي السيف، ولا حتى ما إذا كان يستطيع خلعهما أصلاً.
جرب. فكر في إزالة الدرع. في العودة إلى ملابسه العادية.
فجأة، انهار الدرع إلى آلاف الجزيئات الزرقاء الصغيرة التي تطايرت في الهواء كالفراشات ثم تلاشت. السيف تبعه، ذاب من القبضة إلى أسفل حتى اختفى تماماً.
وقف ليام في ملابسه العادية، كأي مراهق عادي.
«حسناً،» همس. «هذا مفيد.»
---
بعد خمس ساعات
كانت الساعة تقترب من العاشرة مساءً عندما سمع ليام رنين جرس الباب.
فتح الباب ليجد إيثان واقفاً، فمه مفتوح في ابتسامة عريضة، أسنانه لامعة ونقية بدون أسلاك أو مطاط.
«انتهى الأمر،» قال إيثان، مشيراً إلى فمه بإصبعه. «عشر سنوات من العذاب. انتهت الليلة. أشعر بأنني إنسان جديد.»
«مبروك،» قال ليام بدون حماس.
دخل إيثان إلى المنزل وتوقف فجأة. نظر إلى ليام، ثم إلى المنزل، ثم إلى ليام مجدداً.
«حسناً، ما الذي يحدث؟ صوتك بالهاتف كان كأنك رأيت شبحاً. وأنا أعرفك منذ روضة الأطفال، فأنا أعرف متى تكذب. تفضل، اشرح.»
تنهد ليام. مضى إلى حقيبته، وأخرج أسترالورا.
توهجت التميمة بخفة في غرفة المعيشة الخافتة الإضاءة.
«وجدت هذا اليوم. تحت كومة حجارة. عندما كنت في طريقي إلى المدرسة.»
أخذ إيثان التميمة بين يديه، فتحها، غلقها، نظر إليها من جميع الزوايا. «جميلة. حجر كريم؟ هدية لأمك؟»
«ليست مجرد حجر،» قال ليام. «شاهد.»
ابتعد خطوتين إلى الوراء. أمسك التميمة بكلتا يديه، ركز تفكيره كما فعل سابقاً، تمنى أن يحدث ما حدث.
وانفجر الضوء الأزرق مجدداً.
الدرع. السيف. النور. كل شيء عاد.
وقف إيثان في مكانه، فمه مفتوحاً على وسعه — أسنانه الجديدة اللامعة تلمع تحت الضوء الأزرق.
«يا صديقي،» همس إيثان، عيناه واسعتان كالصحون. «ما هذا؟ ما هذا بحق الجحيم؟»
«هذا ما أحاول فهمه،» قال ليام، صوته مكتوماً قليلاً تحت خوذة النور.
دار إيثان حول ليام ثلاث مرات، لامس الدرع بأطراف أصابعه، ثم تراجع بسرعة كأن النور حرقه. «حار؟»
«لا. بارد. لكنه... شعور غريب.»
«والسيف؟»
رفع ليام السيف. كان أخف هذه المرة، كأنه يتعلم وزنه تدريجياً.
«يا إلهي،» تمتم إيثان، ثم جلس فجأة على الأريكة كما لو أن رجليه تخذلانه. «صديقي العزيز الذي أعرفه منذ الطفولة. الذي بكى عندما رأى فيلم الأصدقاء المتوحشين. الذي أغمي عليه عندما رأى حقنة في الصف الخامس. هذا الصديق الآن... فارس؟»
«أنا لا أختار هذا،» قال ليام، وأعاد الدرع والسيف إلى العدم. جلس بجانب إيثان. «لقد حدث. التميمة اختارتني أو شيء كهذا. وهي تهمس. تهمس باسمي أحياناً. وتخرج كلمات غريبة من النار.»
صمت إيثان لحظة، ثم وقف واتجه إلى الثلاجة.
«البيتزا المجمدة عندكم في الفريزر؟»
«نعم... ماذا تفعل؟»
«عندما أكون متوتراً، آكل. وعندما يكون صديقي فارس نور أزرق، أكون متوتراً جداً.» أخرج إيثان صندوق بيتزا مجمدة، وضعها في الميكروويف، وضبط الوقت. «استمر. أخبرني كل شيء.»
أخبره ليام عن الهمس، عن الكلمات النارية، عن الشعور بأن شيئاً ما في جسده تغير.
دق الميكروويف. أخرج إيثان البيتزا، قطعها بسكين المطبخ العادي، وناول ليام قطعة.
«إذاً،» قال إيثان وفمه ممتلئ بالجبن الذائب، «لديك تميمة سحرية، درع من نور، سيف يتكيف مع يدك، وكلمات غامضة. وأنت تريد مني أن... ماذا بالضبط؟»
«أن تكون هنا. فقط. لا أعرف ما سيحدث بعد.»
ابتلع إيثان لقيمته. «حسناً. أنا هنا.»
أكل الصديقان البيتزا الصغيرة في صمت، والتلفاز يعرض برنامجاً عن الطبيعة. على الشاشة، كان أسد يصطاد ظبياً.
بعد منتصف البيتزا تقريباً، نظر إيثان إلى ساعته.
«الواحدة صباحاً تقريباً،» قال. «أمي ستموت إذا عدت بعد منتصف الليل. عندها نوبة غداً.»
وقف إيثان، مسح يديه بمنديل. نظر إلى ليام نظرة مطولة، كما لو كان يراه لأول مرة.
«غداً نذهب معاً إلى ذلك المكان،» قال إيثان. «حيث وجدت التميمة. نبحث عن إجابات.»
«اتفاق.»
خرج إيثان، لكنه توقف عند الباب. «ليام...»
«نعم؟»
«أنت لست وحدك. تذكر هذا.»
ثم أغلق الباب خلفه.
---
ليام وحده
بقيت ساعات قبل أن تعود أمه. كانت الساعة الحادية عشرة مساءً فقط. أمه قالت إنها ستعود عند الصباح — ليس لأنها تريد ذلك، بل لأن هناك شاباً غبياً قرر يجرب ترند غبي على تيك توك، تهور و وقع من الطابق الثاني في المستشفى الذي تعمل فيه. اضطرت للبقاء لتغطية نوبته.
تنهد ليام. «الناس أغبياء،» تمتم.
فعل ما يفعله أي مراهق عادي في منزل فارغ.
فتح التلفاز مجدداً، لكنه أطفأه بعد دقيقة. تصفح هاتفه — إنستغرام، تيك توك، رسائل — لكن لا شيء استرعى انتباهه. أكل قطعة بسكويت من العلبة. شرب كوب حليب. تسلق درج المنزل ونزل منه مرتين بدون سبب. فتح الثلاجة وأغلقها ثلاث مرات بدون أن يأخذ شيئاً.
ثم سمعها.
خبط.
توقف. كان واقفاً في المطبخ. نظر حوله. كل شيء طبيعي.
خبط خبط.
من تحت قدميه. من القبو.
تنهد ليام. «الراكون مرة أخرى،» تمتم. كانت الراكونات تدخل أحياناً إلى قبو منزلهم من فتحة تهوية قديمة.
أخذ مصباحه اليدوي من الدرج، وفتح باب القبو الخشبي. الدرج الخشبي القديم صرير تحت قدميه. رائحة التراب والرطوبة تصعد لمقابلته.
«أيها الراكون القذر،» همس وهو ينزل. «إذا أفسدت صناديق أمي، سأضعك في قفص وأرسلك إلى فيرجينيا.»
وصل إلى أرضية القبو. رفع المصباح.
وتجمد.
لم يكن راكوناً.
في زاوية القبو المظلمة، تحت أنابيب المياه القديمة وبين صناديق الكتب المتربة، كان هناك اثنان منهم.
الأول كان أصغر حجماً — بحجم كلب كبير تقريباً. جسده من حجر رمادي ناعم، مصقول بعناية كأنه منحوت على يد حرفي ماهر. الشيء الأكثر غرابة فيه كان عيونهم: ست عيون، ثلاثة في كل جهة من رأسه، تتوهج بلون أخضر زمردي هادئ. تلك العيون الست كانت تحدق في ليام بنظرة لا تحتوي على عداوة... بل فضول. كما لو أنه هو من كان غريباً، وليس العكس.
أما الثاني...
كان عملاقاً.
جسده كان يملأ نصف زاوية القبو بالكامل. من صخر أسود ثقيل، خشن، عليه شقوق كأنه على وشك التفكك. لم يكن له عيون — فقط تجويفان عميقان في وجهه. لم يكن له فم — فقط شق طويل. لم يتحرك، لكن صدره كان يرتفع وينخفض كمنفاخ حداد قديم، وكل نفس كان يصدر صوتاً عميقاً كهدير بعيد تحت الأرض.
تراجع ليام خطوة إلى الوراء. كعبه اصطدم بأول درجة سلم.
حاول أن يركز. حاول أن يستدعي الدرع. لكنه كان مرعوباً جداً لدرجة أنه نسي كيف.
السابينتيس ذو العيون الست خطا خطوة إلى الأمام. حجارته صريرت بخفة. فتح ما يشبه الفم في جذعه السفلي، وخرج منه صوت — ليس كلمات، بل نغمات حجرية تتردد، ثم تحولت في رأس ليام إلى كلمات واضحة:
«لا تخف. نحن لسنا مثل Skull Crushers.»
«ماذا؟ من؟» تمتم ليام، صوته متقطع.
«Skull Crushers. كائنات حجرية من صف الشر. هم الذين يريدون أسترالورا. هم الذين سيفعلون أي شيء للحصول عليها.»
شعر ليام بقلبه يدق في حلقه. «لماذا تخبرونني بهذا؟ أنا مجرد مراهق. عمري ستة عشر سنة. أسناني لا تزال في مكانها الصحيح — سؤال لإيثان — وأمي ستعاقبني إذا عرفت أنني نزلت إلى القبو مرة أخرى.»
السابينتيس تقدم خطوة أخرى. عيونه الست أغلقت وفتحت واحدة تلو الأخرى.
«أنت مختار، يا ليام كولمان.»
«مختار؟ لأي شيء؟ أنا مختار لأكون خائفاً في قبو منزلي في الحادية عشرة مساءً وأتحدث إلى حجارة تتكلم؟ هذا ليس اختياراً جيداً، بصراحة.»
«أنت مختار لحماية العالم السفلي والعالم العلوي.»
صمت ليام.
ثم ضحك ضحكة عصبية قصيرة.
«العالم السفلي؟ العالم العلوي؟ أنا بالكاد أحمي درجة التاريخ عند الأستاذ هاريسون. اليوم كاد أن يسألني سؤالاً وكنت سأجيب بأن الحروب الصليبية بدأت لأن أحدهم سرق بيتزا شخص آخر.»
السابينتيس لم يضحك. عيونه الست كانت ثابتة عليه.
«Skull Crushers سيأتون. لديهم جيش. لديهم خطة. أسترالورا هي الشيء الوحيد الذي يمنعهم من اجتياح كلا العالمين.»
نظر ليام إلى التيتانوروك خلفه. كان لا يزال صامتاً، ضخماً، مرعباً.
ثم نظر إلى يديه المرتجفتين.
«لماذا أنا؟» همس. «هناك مليار شخص في هذا الكوكب. أشخاص أقوى. أشجع. أشخاص لا يخافون من القبو.»
«لأن أسترالورا اختارتك. وهي لا تخطئ أبداً.»
فتح ليام فمه ليقول شيئاً — أي شيء — لكن الكلمات لم تخرج.
شعر بدوار خفيف. ثم بدوار أقوى.
حاول أن يتمسك بالجدار. لكن يده لم تجد شيئاً.
ركبتاه ارتختا. وجسده كله سقط إلى الأمام كحصاة من أعلى جبل.
سمع، قبل أن يفقد وعيه تماماً، صوت السابينتيس البعيد:
«أغمي عليه. تماماً كما توقعت. البشر هشون.»
---
فتح ليام عينيه على ضوء مصباح السقف الأبيض لغرفة المعيشة. كان مستلقياً على الأريكة. بطانية فوقه — بطانية غريبة لم تكن موجودة من قبل، من صوف خشن لكن دافئ.
رفع رأسه ببطء. كم كان الوقت؟
نظر إلى هاتفه.
عشر دقائق فقط.
عشر دقائق منذ أن نزل إلى القبو. عشر دقائق منذ أن رأى الكائنين. عشر دقائق منذ أن أغمي عليه.
نهض بسرعة، فتح باب القبو، نزل الدرج الخشبي بخطوات سريعة.
الزاوية كانت فارغة.
لا سابينتيس ذو العيون الست. لا تيتانوروك عملاق. فقط صناديق أمه المتربة، وأنابيب المياه القديمة، وبعض فتات الخشب المتساقط من الدرج.
لكن على الأرض، بين الغبار، كان هناك شيء صغير.
رفعه ليام.
كان حجراً صغيراً، رمادياً، ناعماً. وفي داخله، شيء يتوهج باللون الأخضر الزمردي — كأن عيناً تنظر إليه من داخل الصخر.
همس صوت في رأسه، أضعف من قبل، لكنه واضح:
«إلى الغد، يا حامل أسترالورا. نثق بك. لا تخذلنا.»
أغلق ليام قبضته على الحجر، وصعد الدرج عائداً إلى غرفة المعيشة.
جلس على الأريكة. نظر إلى الحجر في يده. نظر إلى التميمة على صدره التي كانت لا تزال معلقة هناك من قبل.
«عالم سفلي وعالم علوي،» تمتم لنفسه. «Skull Crushers. مختار. وأمي لم تعد حتى الصباح لأن بعض الأحمق وقع من الطابق الثاني بسبب ترند غبي على تيك توك.»
ألقى بنفسه على الأريكة، غطى وجهه بوسادة، وصرخ في الوسادة بصوت مكتوم.
كان صراخ مراهق طبيعي تماماً يواجه شيئاً غير طبيعي تماماً.
وبعد دقيقة، توقف عن الصراخ.
رفع الوسادة عن وجهه. نظر إلى السقف الأبيض.
«مختار،» كرر الكلمة. ثم أضاف بصوت ساخر: «لو رأى إيثان هذا، كان سيقول إني مختار لأكون أحمق.»
وضع الحجر الزمردي الصغير على طاولة القهوة بجانب أسترالورا. مدد قدميه على الأريكة. أغلق عينيه.
لم يستطع النوم.
كلما أغلق عينيه، رأى العيون الست تحدق فيه. وسمع الكلمة: «مختار.»
فتح هاتفه. أرسل رسالة إلى إيثان: «غداً صباحاً، تعال باكراً. عندي شيء أريك إياه في القبو. لا تسأل الآن.»
رد إيثان بعد دقيقة: «إذا كان راكوناً، سأصوره وأحطه على تيك توك. ربنا يجيب ترند جديد بدل اللي خلّى ذلك الأحمق يوقع من الطابق الثاني ويخلي أمي تتأخر.»
ضحك ليام بصوت خافت.
ثم أطفأ الضوء.
وفي ظلمة غرفة المعيشة، في منزل فارغ في واشنطن العاصمة، كان مراهق يبلغ من العمر ستة عشر عاماً يحاول أن ينام وهو يعلم أن حياته لن تعود كما كانت أبداً.
وفوق الطاولة، أسترالورا والحجر الزمردي توهجا معاً، كعينين تراقبان حلماً بدأ للتو.
نهاية